الثلاثاء، 4 يوليو 2023

 

تخطيطات خالد خضير الصالحي..

              بوح العلامات في رقعة الجسد

                             د.مكي عمران


(في رقعة الشطرنج تظهر تناظرات مربعات الرقعة كعلاقات بصرية مجردة...)        (بول كلي)

      تستدرجنا تخطيطات الفنان  (خالد خضير الصالحي) بذكاء لافت لتقصي منظومتها الجمالية، وبعدها  العلاماتي. لندخل  في لعبته مستغرقين ابعادها التصويرية، وبوحها الإنساني بمناخ من الحذق التصميمي مع استدراج لأنماط شكلية مائزة، في نسق يرتكز بمنظومته التكوينه على ما تبيحه رقعة الشطرنج من فضاء تصويري تدليلي ـ بوصفها (فضاء الرسم) لديه، وخشبة (مسرح) تخطيطاته، بعدته الاشارية لتأخذنا في عوالم (النقطة، والأرقام، والحروف، والكلمات) الخاصة حيث إنبناء نصوصها وصورها البلاغية، مانحة اشكاله أخلاقية خاصة.

تتشاكل قوانين الرسم لدى (الصالحي) بقوانين لعبة الشطرنج من حيث (سلطة الرقعة)، وبنسقية خاصة وكأن الاشكال محكومة بقوانين اللٌعبة التي خبر أسرارها؛ ليجعلنا في خضم رقعته التصويرية (الشطرنجية).

والفنان لا يستطيع كبح جماح ما وله بها في تخطيطاته على الأقل، كـ(صوفي) مغرم في  ترديد أذكاره اليومية، فهي الحامل لخطوطه ومغامرة أشكاله،ومساحة البوح و(مسرح) مريديه في فضاء شعري  يتشاكل  مع  نظم بنائية ( الاوفاق)المتعددة في انماطها ونسقيتها معززا تخطيطاته بثراء  العلامات اللًغوية والرقمية والاشكال الهندسية المتعددة،والتي تبدو لنا متوترة ومتواترة لتعزيز زخمها الدلالي والجمالي.

يعيد لنا الأنتباهة الهامة لدرس اللغوي السويسري (فرديناند دي سوسير) وبمقاربته الأثيرة مابين اللغة،ولعبة الشطرنج،بوصفها نظاما  من الرموز لايعرف سوى قوانينه الخاصة المميزة،بالتركيز على قوانينها الداخلية كقوانين لعبة الشطرنج "فماهو خارجي في الشطرنج يمكن فصله بسهولة عما هو داخلي "  والتي لاتتأثر بطبيعة وخامة نماذج اللعبة وخارجية الجانب التأريخي الخاص بظهورها وانتقالها من الشرق الى اوربا.  واذا كان لاعب الشطرنج يهدف الى احداث تغيير مؤثرا في النظام بقصد، أي في حالة التوازن السابقة واللاحقة في كل نقلة بلحظة زمنية معينة، فباللغة لايدخل هذا القصد. الا اننا نلمح لدى الصالحي نصا تصويريا يقع مابين اللغة ولعبة الشطرنج، يثري نصه الرسموي بنقلات تصويرية لمفرادته الغزيرة، متخطيا النظام والقانون تارة،مرجئا نصه لقراءات تقترحها الإشارات والعلامات الرمزية وغياب قطع الشطرنج بنمطيتها المألوفة.

يقترح لنا فرسانا من حروف وأرقام ونقاط لاتكل في تكرارها ومثلثات منفردة،ومتقابلة قد توشحت بها الزخارف الفخارية الرافيدينية قبل أر بعة الاف سنة (ق.م) في العبيد وتل حلف واربجية، متماهيا في تشاكل جاذب بألواح اللعب المزدانة بالوريدات ومربعات الشطرنج والدوائر المنقطة ( للعين السحرية) والتي عثر عليها في المقبرة الملكية في أور.

  ان المربعات السوداء والبيضاء في رقعة الشطرنج محكومة بنائيا بمتواليه عددية في تكرارها مابين الضوء والظلمة اذ  تمنحنا علاقة مسافة في مكانية الرسم، وبتبايناتها مابين المضئ  والداكن تمنحنا علاقات ثقل ؛ فوزن الاشكال الداكنه حسيا اشد ثقلا من الألوان الشفافة والمضيئة، الا ان الفنان  يتحرر من نمطية الإيقاعات  البنائية بتواترها العددي ـ بإضافة نفس الوحدة أي ـ (بتجاور أو تقاطع الخطوط العامودية والافقية) كتركيب نسيجي (سادة 1/1*) وهذه الايقاعية البنائية البسيطة  يتخطاها الفنان الصالحي نحو ايقاعات التكوين الأكثر تقعيدا وذات نمط اسلوبي يشدد الفنان على ان ينماز به. 

 ان (رقعة الشطرنج) لدى الصالحي محكومة بعلاقاتها البصرية،والاشكال فيها ليست مضافة كبيادق منتظرة في حروب افتراضية،بل  متضايفة في فضاء (مسرحها) تشكله، ويشكلها، لاانفصام بينهما ؛فالرجل و المرأة في تخطيطاته ـ (رقعة وجود)،والشخوص لديه ـ ارض تتحرك فيها المخلوقات التجريدية بنظامها الرمزي، بأوفاق عدة تحيط بها الأنجم البعيدة تارة ك(نقاط) منثوره،او شمس شهود، لشخوص حيرى غارقة في صمت أساها متسائلة عن سر الرؤس المنحورة في طفوف تواريخنا التي لاتنتهي.

تشدنا نقاطه التي  لاتكف عن التكرار في داخل محيط خطوطه الخارجية، (out line) تلك الخطوط التي تمارس مع الاشكال لعبة تكوينية،باحاطتها الخارجية وتعزيز بنائية الاشكال في داخلها، فتتكور تلك الخطوط مع التكورات التشريحية لبعض أجزاء الجسد، محيط الرأس والصدر.

 جسد مسبوك بمربعات منقوطة والبعض خالية ومنها تحمل اشكال قلوب ومثلثات مقلوبة وقطع (الدومينو) بأرقامها المنقوطة،وحروف منفردة،او كلمة (خالد) والرقمان المتكرران (3،4)وحروف صورية من قاموس سومري (سنبلة،عين،شمس)، ورمز انثوي،وجوه تتخطى نظراتها الثاقبة عتبات التصور المحدود، كعيون تمثال (آبو وزوجته)،واللذان يحدقان باندهاش بالغ وبعيون اكبر من حجمها كامتداد لسعة الرؤية، التي لاتحيط بها العيون بحجمها الطبيعي.

ربما الحاجة ملحة هنا لوسيط يرتبط به نظام الرمز فالوسائط هي امتدادات لحواسنا ولوظائفها، على حد تعبير ( ماك كوهين).  

يحيلنا الصالحي لثراء الرؤية بتلك العيون التي تلتفت لجذورها السومرية،و تتشاكل مع نساء (بيكاسو) بالوضع الجانبي،وبعيونهاالأمامية.فالعيون هنا كعلامة تحتوي أوتشير الى مجمل مكوناتها الأكثر ايغالا في القدم.

ان البنية التكوينة الناشئة من وضع المرأة (واحدة)بوصفها تمثيل ايقوني لعلامة مفردة عرفية تقلد الواقع او تستعير منه ؛ (فالعلامة الجمالية هي ايقونية وتماثلية في الان ذاته) ولكن برؤية تكعيبية جعل الفنان شخوصهس (اشكالا فنية)،أجسادا حاملة لمفرداته الرمزية متقاربة مع (هدف  التكعبية  التركيز في الواقع، لا على الشئ نفسه، بل على الشكل المستقل لهذا الشئ، وكما عبر عنه التكعيبيون بادعائهم انهم جعلوا من الشيء الحقيقي شيئا فنيا) ،  حيث يركز الفنان الصالحي على الشكل من الداخل (كذات)، كغاية  تجعل من الشكل الخارجي المحيط مبررا جماليا لاثراء الداخل لتسهم المفردات التشكيلية العديدة والمتزاحمة في اثراء  نصوصه التخطيطية بمنظومتها العلامية كمؤشرات ورموز تحدد ارتباط العلامة الممثلة بموضوعها من جهة مؤولها ( Interprentant)ـ ( أي العلامة التي تحيل ممثلا على موضوعه) ، وكأننا في أحجيات متقاطعة تلقينا في عالم (سحري)بتمثيلها للمجهول الخارج عن أنظمة الرموز المنطقية، وعلى ذلك فمهمة  هذه العلامات (القبض على اللامرئي) حيث تحل الفكرة محل الصورة الممثلة في التعبير الفني،أي في محاولة "جعل اللامرئي مرئيا. "حسب تعبير بول كلي. لاينفك الفنان في ان يذكي نسقه التخطيطي بتحولات فرعية داخل النسق ذاته، قد تتكرربعض المفردات وانماطها الشكلية لكن الفنان يتحرر من هذه (الجذبة التكوينية)التي تسم نمطه التعبيري بأسلبة قارة ؛ فنجد بعض ملامح الوجوه قد تغيرت فيها اشكال العيون والانوف والفم،او بعض أجزاء الجسد كالاطراف العليا الى مجرد مساحة بيضاء خالية من العلامات والمربعات الشطرنجية، حيث يبيح الصالحي لتلك الأجزاء بتصعيد الأنفتاح العلامي ـ كشخص ـ متوج قابضا على قنديل بكف وقلبا  يخترقه سهم باللأخرى، وتارة يحمل طائرا صغيرا في لحظة تأمل وإنشداد.

وفي ترسيمات تحاول الخروج من إطار النسق الشطرنجي في بنائيته، نلمح تخطيطات تأخذ الخطوط الخارجية مساحة مؤثرة في الصياغة الجمالية للاشكال الإنسانية وبتلك العيون المشدودة لتساؤلات عدة تنفتح في بثها الوجودي المحكوم بتساؤلات مريرة عن الرؤوس المقطوعة ؛مع مساحات بيضاء كبيرة خالية من التفاصيل الكثيرة التي عهدناها في التخطيطات الأخرى،إذ نلمح اهتمام الفنان بالجسد البشري ببنيته التشريحية التي ترسخت بفعل الخطوط الخارجية والفنان يجيد تلك الحوارية الجمالية في جعل الخطوط الخارجية للاشكال علامة مهيمنة في تخطيطاته، مع ماتمتلك من جزالة وايقاع غني يثريه جمال الجسد الإنساني.

هذه المساحة من تحولات النسق ؛سوف يعززها الفنان بتقصيه تخطيطات تجريدية تستهدف الجمال الجوهري الكامن في جذور الهندسة والرياضيات،بتخطيطات لماحة غاية في التجريد،وكأنها تخطيطات لصحون في متاحف الحضارة العراقية الأصيلة.

احتفاء بالدائرة وماتحمله من بوح كوني لانهائي،تتمركز فيها نجمات استدرجتها الميثولوجيا العراقية القديمة من سمت السماء وكبدها لتزين آلاف اللقى الاثرية، والفنان يسترجع تلك العلامات العرفية الرمزية لتخبرنا عن فكر ثر وعميق تداول تلك الاشكال للتعبير عن لغته الإنسانية إزاء قلقه الوجودي ومراراته ومكابداته  العميقة في صراعات لاتنتهي مع البيئة والا قاليم المجاورة ؛وبهذا (الحنين)يعيدنا الفنان الصالحي الى مقولة التصميم الرائعة التي انجزها شعب عظيم سكن المناطق الرسوبيه من العراق (على الاغلب)،ومازالت تلك التنويعات الزخرفية ترتديها البسط والأزر الشعبية في مناطق عديدة من العراق ؛بل أصبحت مائزة فيا ابداعها  كبسط الحي والحمزة الغربي ومناطق متفرقة من باقي المدن.ولبعض هذه الرسومات نصيبا في فن الجسد التقليدي (الوشم).

يلفت نظرنا الفنان بتخطيطاته، الى مستوين من التعبير الذاتي،بغض النظر عن المستوي التعبيري لجوانيات الفنا ن ومايود البوح به تداوليا مع المتلقي المشارك ؛حيث نجده تارة يؤكد حضور اسمه في بعض التخطيطات (خالد) ولربما لبعض الأرقام رفقة خاصة بذاتية الفنان، وهذا التأكيد نجد الفنان ببعض التخطيطات يطيح به باخلاقيات العارف الزاهد، والمتفاني في تجرده الذاتي العالي، والذي يذكرنا بالكثير من الخطاطين المبدعين ـاذ يزينون مخطوطاتهم بعبارات التجرد الذاتي، ومنجزه بعض من مناجاته وتقربه الى الحق سبحانه، والصالحي اذ يقيم ذاته في بعض تخطيطاته بهذا التواضع الشديد ب (أضعف الرسامين) أو ب(العبد الفقير الى الله) ماهي الى مناجات عارف أختبر الحياة وزهوها وفتونها ومراراتها وسرعة زوالها، ليشحذ فينا جذوة الانتباه الى (التخلي)عن زخرفها و(التحلي) بلغة العارفين،والتفكر العميق ـ بعيدا ـ عن غطرسة الأنا النرجسية التي صارت جائحة في الأوساط لفنية.

(دراسة عن اعمالي الفنية (التخطيطات) كتبها الدكتور مكي عمران ونشر في ملحق الفبس الثقافي مع عدد اليوم من صحيفة الفبس)












ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق