الاثنين، 31 يوليو 2023

الرسام جواد الجواد

التشخيص (مفتاحا) أخيرا













 

1

حينما قدم الرسام جواد الجواد معرضه الشخصي (EXPIRED) في قاعة جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة اواخر اذار 2022، جلب اهتمام المعنيين التشكيليين بأعماله، فبعد ان كان الفنان الجواد، كما وصفه استاذه د. ازهر داخل (فنانا مغمورا) ليس من طبعه التسويق لنفسه ولمنجزه، (قليل الكلام) حتى لا يمكن سماع صوته مذ كان طالباً في كلية الفنون الجميلة، الدوام المسائي، على عكس الآخرين ممن لهم مكنة سلوكية وكلامية وقدرة على تسويق أنفسهم بالرغم من تواضع تجربتهم أو قصورها وكذلك قلة وعيهم بالتجربة الجمالية والفنية.

2

جريا على عادتنا في اهمال عناوين الاعمال الفنية لأننا نراها موجهات قرائية خارج مادية، فهي من طبيعة لغوية سردية، تختلف عن طبيعة العمل الفني المادية، فكنا نهمل عناوين المعارض، وعناوين اللوحات للسبب ذاته، وهو ما فعلناه مع  عنوان معرض جواد الجواد (EXPIRED)، الذي لا نجده يضيف للتجربة وتلقيها شيئا مفيدا، حتى ان المقدمة التي كتبها الأستاذ حامد سعيد لم تثننا على اخذ العنوان بعين الاعتبار؛ لأنها بدت وكأنها لم تكن معنية بتفكيك العنوان الذي لا اجد له دلالة تربطه مع لوحات المعرض، وقد يكون الفنان رأى فيه جوانب دلالية ما، ولكن تلك الدلالات لم تصلني كمتلق بيسر، مما شكل خللا توصيليا لنص نثري هو في منزلة (العنوان الادبي) ذي الطبيعة اللغوية، والذي يشكل (ثريا للنص) في الادب، على عكس وجوده في الفن التشكيلي، مما دفعني الى اعتبار عنوان هذا المعرض بحد ذاته مصابا بصفة (انتهاء الصلاحية) كعنوان لمعرض جواد الجواد الذي ليس بحاجة لعنوان كموجه قرائي، ونحن لا ننكر ما للعنوان من دلالات في ذهن الرسام، ولكننا لا نستمد الدلالات من ذهن الرسام ذاته، ولا من تفوهاته، بل من (النص)، سواء كان عنوان معرض، او عنوان عمل فني، او واقعة مادية، لذلك نقول ربما رأى الرسام دلالة لم يبح بها هو نفسه وبقى غامضا على غالبية متلقيه..

3

قبل عشرين عاما، وحينما كنت ادرس تجارب عدد من الرسامين، منهم: فاخر محمد، وصدر الدين امين، شخصت وجود بنيتين ماديتين، مختلفتين بالطبيعة التكوينية: بنية لونية غائرة فاتحة اللون، وبنية سطحية خطية صلدة داكنة، وهو ما اوحت لي به كذلك معاينتي لتجربة الرسام جواد الجواد في معرضه، فوجدتها تجربة مؤلفة من طبقتين بنائيتين متماثلتين بالدرجة اللونية، ولكنهما مختلفتان من حيث هيمنة اللون على الغائرة منهما، وهيمنة الخط على السطحية، فكان الخط، كما كان يقول وليم بليك، يحدد الاشكال ويعطيها شخصيتها المستقلة من خلال عزل المساحات اللونية المتماثلة عن بعضها بقوة الخط، مما يخلق تباينا جوهريا بستايل الرسم، طبقة غائرة وجدت لترى لذاتها كشكل محض، مما استدعى ان يقوم الرسام بإجراء تعميات للنصوص التي تنطوي عليها، وهو ما اشارت اليه الأستاذة الدكتور جنان محمد في مقالها عن المعرض حينما الزمت عملية تلقي اهمال جواد الجواد بان تتوفر على " خبرة ودراية ووعي لفنان يمتلك خبرة الاركيولوجي"، من اجل تفكيك تجربة تتلقى دعما "من خلال التلاعب بتقنيات اللون والنصوص الملصقة من اجل توليد سطح ينتقل الى سطح آخر ليضخمه ويتحد معه مولدا سلسلة لا حصر لها من السطوح والطبقات اللونية الوفيرة والغائرة في عمق تركيبته التصويرية، وكأنها طبعات متلاحقة انجزت بتقنية الشاشة الحريرية. . فهناك سطوح تتقدم واخرى تتراجع وبعضها متحركة واخرى متلاشية".

ان التمعن والتدقيق في تجربة جواد الجواد نجدها متشكلة من طبقتين ثيميتين (موضوعاتيـ)ــتين، وليست شكليتين فقط، كما في تجربة د. فاخر محمد، فبدت طبقتا لوحات جواد الجواد وكأنهما تمثلان نسقين مختلفين: الأول، نسق تجريدي لا هدف له سوى ان نراه مرسوما، لنكتشف (طريقة) رسمه، وليس الدلالات التدوينية التي يمكن ان يتوهمها بعض المتلقين والتي حاول الرسام انهائها من خلال عكس اشكال الحروف وتعميتها لكي لا يتمكن المتلقي من قراءتها، والاكتفاء برؤيتها فقط، والثاني، نسق مشخص اضيف في المراحل النهائية للعمل الفني للإبقاء على درجة من الصلة مع (الواقع)، وهو ما خلق، براينا، درجة من (التناقض الداخلي)، مما جعل اللوحة منجزة، او مصنفة باحتمالين: ان تكون لوحة تجريدية اضيف لها التشخيص كـ(مفتاح) أخير يلقى الى المتلقي لمحاولة ادامة الصلة مع الجمهور، او ان تكون لوحة تشخيصية قد تم ملء فراغاتها بعلامات غير مشخصة (تجريدية)، او علامات مشخصة لا علاقة سردية لها مع (الموضوع) المشخص.

4

لقد مرّ مدخل التلقي لأستاذنا القاص محمد خضير من خلال موضوعة (البطل)، وهو الـ"شخص figure" الذي يحاول الانبثاق، وتوكيد الهوية، واختراق الوجود الإنساني الثقيل، خلال طبقات الألوان والملصقات الطباعية (التايبوغرافية) بكتابتها المتراكمة (حروف إنجليزية)، كما تتراءى في لوحات "جواد الجواد" المعروضة تحت مسمّى Expired" ويرى القاص محمد خضير في هذه المحاولات إثباتا، وإعادة اعتبار للشخص "المستنفَد_ expired" حينما يحاول محاكات حالات القهر والاستلاب، بأشكال معبِّرة، غائرة تحت طبقة الألوان. وغالباً ما تحدث الإزاحةُ المستمرّة لماهيّات هذا "الشخص"، أشكاله وأحواله، بمساعدة رموز تتكرّر في أغلب اللوحات تقريباً (النرد، الراية، الحصان، العجلة). وفي خضم هذه الرموز تتوتّر زوايا النظر المختلفة بين "الأنا" المنتِجة وال"هي" المتلقّية التي تجنح لتأويل الرموز بكيفيات جانحة؛ وحينئذ تتدخل الأولى لتخفيف انطباع الثانية بتوسيع/ تضبيب المجال اللوني وإقحام الحروف المطبوعة (في اتجاه معكوس) لتشتيت النظر عن مركز اللوحة/ وضع "الشخص" فيها، كما كتب القاص محمد خضير في صفحته على الفيس بوك، وبذلك يكون مدخل البطل قد استهوى استاذنا القاص محمد خضير باعتباره مدخلا لدراسة معرض جواد الجواد، ومدخلا لقبول عنوانه الملتبس.

5

يقرن القاص محمد خضير "الشخصَ" غير المعرَّف في اللوحة بحشرة كافكا في روايته الشهيرة "المسخ"، ويذكر باللوحة التي يظهر فيها صرصار كافكا إلى جانب النرد، ليستنتج بان الحالات الكثيرة للقهر/ المسخ لشخص اللوحات هذا، يدعونا إلى تشغيل الحسّ السردي، وانتزاع المعنى من مجاله التشكيلي، بتعريضه لأشعة المعنى على المستويين التكويني والتعبيري؛ أيْ أنّنا _ نحن المتلقّين_ نستنفد من خلاله وجودَنا الواقعي، الملاصق لوجوده الشبحيّ.

6

ان الجنبة التي يراها الدكتور ازهر داخل متحكمة بذهنية الفنان والمتلقي هنا، هي البيئة والمجتمع ومتعلقاتهما، وهو ما لا يجب ان تصل الى التحكم بمنجز أي فنان بدعوى كونه ابن بيئته أو نتاج بيئته، ويتوصل الى ان الوسط الذهبي في هذه المعادلة الخطيرة هي ان "لا يشترط في الفنان بشكل عام أن ينقاد لموروثه ليعد منتمياً لبيئته، إنما يمكن أن يقتحم عوالم أخرى خارج منظومته الاجتماعية".

                 

الجمعة، 21 يوليو 2023

عناصر الوجود الشيئي في نصب الحرية ...



خالد خضير الصالحي

يحتم جزء من العرفان الذي تدين به الثقافة العراقية والفن التشكيلي العراقي نحو الراحل شاكر حسن آل سعيد إكمال مشروعه في بلورة نقد تشكيلي عراقي حديث وذلك بالبحث فيما تركه من: مدونات، ورسائل، ومقابلات، لاكتشاف المزيد من الأفكار منها، وحولها، استعارة وإضافة، وقد جاءت مقالاتنا حول مدوناته بهذا الهدف، فنحن هنا لا نستعير عنواننا من مدونات آل سعيد فقط بل وننغمس كليا في محاولة تطوير فكرة بناء نصب الحرية من (عناصر الوجود الشيئي) التي كانت تؤلف المحيط البصري ـ الفضائي للرسام ـ النحات جواد سليم وتوسيع هذه الفكرة بهدف إغنائها.

يقول شاكر حسن آل سعيد إن الأعمال الفنية إذا لم تكن تسعفنا في مجال البحث عن الطبقات التحتانية فستسعفنا المعرفة في إرجاع المدونة الفنية إلى عناصرها الأولى من خلال التعامل مع تلك المدونة

مثل موقع آثاري مليء باللقى، والشظايا، ويستلزم اكتشاف طبقاته التحتية، وامتلاك قدرة على الغوص في أعماقه، وبذلك يكون رصد علاماته السطحية الخطوة الأولى في عملية الاكتشاف، وينتهي آل سعيد إلى أن “كل ما يطرحه الفنان عبر العمل الفني هو جزء من تجربة الفنان الكاملة” وبذلك يجب أن تكون دراسة الفنان من خلال دراسة سيل ضخم من اللقى التي ابتدأ بثها منذ أولى مراحل منجزه وحتى آخر عمل أنجزه، إنها تشكل (متحفه الخاص من العناصر التكوينية) التي قد تـتحور، وقد تـتطور، وربما تقع تحت طائلة الكمون والاختفاء المؤقت. فإضافة إلى ظهور عناصر تكوينية مادية كانت جزءاً من (الوجود الشيئي لمحيط جواد سليم) مثل الديكة الخزفية التي رصدها شاكر حسن في لوحة (زفة في شارع 1956) وفي نصب الحرية ذاته، إلا أننا نفترض أن عناصر تكوينية أخرى، أهمها عناصر أعماله خارج نصب الحرية، أي اللوحات، والتخطيطات، والسكيجات التي أنجزها كدراسات لأشكال النصب، وكذلك بعض البنى التي هيمنت عليه من خلال تشبعه الثقافي بمعطيات الواقع المعيش، إنما تشكل (عناصر الوجود الشيئي لمحيط جواد سليم) والتي وجدت طريقها (كعناصر تكوين) في النصب متتبعين مرجعية كل منها قدر استطاعتنا.

يحتم علينا النقد التشكيلي الحق ايجاد مقاربات جديدة لكل اثارنا الفنية؛ مقاربات تعلي من شأن شيئية العمل الفني وقطع صلته بكل الحمولات التي لا صلة بالعمل الفني باعتباره نتاجا ماديا له قوانينه الخاصة والمستقلة؛ فنقدم دراستنا لنصب الحرية التي نشرناها قبل بضع سنوات ونحن ماضون في تطويرها وتنقيحا بشكل مستمر.

1. البنى اللغوية العربية:

لقد ظهرت البنى اللغوية العربية كهيكل بنائي للنصب من خلال تكوينه من وحدات كبرى ( = كلمات) تضم عددا من الوحدات الصغرى ( = حروف) وبشكل يجعل طوبولوجيا التكوين مماثلة للبيت الشعري العربي الكلاسيكي ذي الصدر والعجز، وتجسدت بنية الجملة العربية من خلال اتجاه القراءة التي يشترطها النصب إن تكون بذات الاتجاه فلا يمكن أن يقرأ النصب من اليسار إلى اليمين مطلقا، وهذه خصيصة زمنية تنتمي للتابع الحكائي الذي هو من خصائص اللغوي، وذلك النمط من القراءة يفرضه بناء النصب على إفريز (سطح) يخالف النحت المدور الذي يفرض نمطا من التلقي الحسي الملمسي الذي يستوعب الجهات الأربع، إن تلقي النصب بهذه الكيفية قد يكون تجسيدا لنزعة وظيفية تستخدم النحت بمثابة وسط صالح للتواصل اللغوي بما يتضمنه من بنية تعاقبية لغوية تتضمنها اللوحة الجدارية والنصب النحتية لمناخ الساحة أو الشارع حيث تنبثق الجداريات من صميم لغة الخطاب في الحياة اليومية، على عكس اللوحة التي تماثل خطاب القصيدة أو الرواية.

2. خصائص الفن الرافديني:

ظهور ملامح محتويات المتحف العراقي بالهيكل العام للرؤية الفنية التي قال بها آل سعيد، وكذلك في البنية المعمارية المطابقة لمعمارية الأختام الاسطوانية المتجهة، وكذلك بعض البنى الشكلية المهمة وأهمها: الوضع الأمثل وجمع زاويتي نظر في لقطة واحدة، فقد كان كل شكل يتخذ أفضل أوضاعه بغض النظر عن زاوية النظر (ثيران مجنحة بخمسة أطراف وعيون أمامية في وجوه جانبية)، و ظهرت الموجودات وهي منظورة من زاويتي







نظر معا، فكانت تعيش حياتها الخاصة، حيث تتلفت، أو تستدير، فكانت بعض هذه الإزاحات الشكلية ضاربة في القدم، تعود إلى فن الفراعنة والفن الإسلامي، كالعين الأمامية في الوجه الجانبي. إن كل هذه السمات وغيرها كثير قد هضمها جواد سليم ضمن (متحف أشكاله) الشخصي، ونحن نعتقد إن الإزاحات الأهم قد دخلت أشكال نصب الحرية من خلال الرسم الإسلامي والنحوت البارزة ( = الرسم بالحجر) الرافدينية القديمة، وقد كان جواد يراوح في معالجاته بين الحزوز التي يضعها على السطوح وبين النحت المدور في منحوتة الطفل، وبذلك كان النصب ساحة لمؤثرات أسلوبية بدرجات متنوعة، كما كان تجربة تطبيقية لروح محلية جماعة بغداد في النحت.

3. المحاور النصبية:

استخدم جواد القضبان في منحوتات عديدة منها الأمومة (معدن وخشب) و (السجين السياسي) وكانت قد ظهرت بذورها الأولى منذ لوحة (الشجرة القتيل) و (زفاف في الشارع 1957) و (نساء في الانتظار 1943)، وهي تضاف للمحور التعاقبي الذي تحدثنا عنه، فأننا يمكن أن نستشف المحورين اللذين يبنى عليهما النصب وقد كانا كرستهما منحوتة (السجين السياسي) حيث يتمثل فيهما بعدا التجريد والتجسيد بشكل مذهل من خلال الاختزال الشديد في عناصره. ويتمثل المحور العمودي ويحدد اتجاهه في النصب كما كان في منحوتة (السجين السياسي) بالقضبان والخطوط الشاقولية كالسجن في مركز النصب، وامتدادات الشخوص أو السنابل، وارتفاعات الحدث من ناحية الوجود المادي وارتفاع وانخفاض يماثل الموجة الجيـبـية، وكذلك يقابله الهبوط (المتجه نحو الأسفل) الذي تجسد في منحوتة السجين السياسي باحتمال سقوط (الكتلة الطائرة) التي ربما هي طائر ا و سنونو، وهي تعبر عن مظاهر الإخفاق والخيبة.

4. بنية الثمرة والبذرة (الضام والمضموم):

وهي تجسيد شكلي لسلسلة منحوتات الأمومة التي أنجزها جواد بعدة تنفيذات، كان بعضها يحمل تأثيرات النحت البريطاني هنري مور، وكانت تتجه حثيثا نحو الاختزال الشديد الذي وصل حد التجريد أخيرا بكتلة ضخمة بشكل هلال هي الأم وهي تحتضن كرة هي الطفل. وقد تجسدت في النصب بامرأة مكتنزة تـتكور على طفل يظهر منه وجهه فقط.

ويمكن مقارنة بنية الأمومة بالشكل الحلزوني، وما ينطوي عليه من معنى التكور ( = الرحم) الذي يضم البذرة ويحضن(الطفل)، وقد تكون تجسيدا لأنثوية الدائرة مقابل ذكورية المربع كما قال بذلك بعض الكتاب في مقارنتهم بين الشكلين الهندسيين.

5. هيمنة الأيديولوجيا:

رغم إن جواد سليم كان جزءاً من عصر هيمنت فيه الأيديولوجيا بقوة على الفنون وعلى تنظيراتها، إلا انه وهو يهم بإنجاز نصب الحرية، كان يحاول أن يتخطى المحلية ذات الحلول الفجة التي كانت تظهر في نتاجات جماعة بغداد للفن الحديث، وتصّرف كفنان معني بدرجة كبيرة بالجانب البصري، رغم كل الأهداف الأيديولوجية التي يعنيها في النصب، فقد أدرك جواد سليم إن التعارض القائم بين الأيديولوجي والبصري يجد له جانبا مختلفا في أهداف، ومن ثم في كيفية صياغة الرسالة، فبينما يصب الأيديولوجي جل اهتمامه على (سلب المتلقي أية فعالية نقدية) يهتم البصري بنقاء الرسالة وهيمنة عناصرها غير النثرية، أي أن أهداف الأيديولوجي تنحصر في (تحميل) الرسالة بأهدافه التي لا تعدو أن تكون نمطا من الوعي بالتعارض مع مصالح الآخر.

لقد كان اهتمام جواد سليم منصبا على جانبي (الشفرة) و (المتلقي)، لذلك احتوى النصب في طياته رسالة واجبة الوصول إلى متلق كان يحرص جواد سليم على إيصال الرسالة إليه، فقد كانت هنالك درجة من الرسالة النثرية باعتبار النصب (حكاية) تحكي كفاح الشعب العراقي لنيل حريته، ولكنه حرص على عدم التضحية بالخصائص البصرية للشفرة مقابل ذلك. لكن نصب الحرية، كأي اثر ثري بالدلالات، يتصف (بالتعددية النصية)، فهو غني بدلالاته، فتعددت مستويات التلقي و القراءات، لقد كان (فيه) مكان لمتلق عام، هو المتلقي عابر السبيل الذي يمر تحت لافتة النصب، كل يوم، بينما يكمن متلق متخف وهو الرقيب أو بمعنى أدق الدولة، وهي الجهة الممولة لمشروع النصب والتي كان بذهنها تصورات وأهداف تختلف بدرجة أو بأخرى عن تصورات جواد سليم، وأخيرا توجد فسحة لمتلق ثالث هو المتلقي الفعال المنتج للخطاب الواعي لدلالاته بفضل امتلاكه لأدوات منتجة للمعاني. وقد ظهرت خطابات بنَت هوامشها المتراكمة على نصب الحرية تمثلت بعشرات المقالات التي نشرت عنه طوال العقود التي مضت على انجازه، إلا أن اهمها كان ثلاثة كتب هي قراءات النقاد جبرا إبراهيم جبرا وعباس الصراف وأخيرا شاكر حسن آل سعيد، بينما كانت قراءة آل سعيد هي القراءة الوحيدة التي تتمتع بتوظيف آليات قراءة فعالة في إنتاج المعنى، وقد توجهت قراءتـَي جبرا إبراهيم جبرا وعباس الصراف إلى قارئ افتراضي هو صنو المتلقي العابر الذي يبحث عن ما يبحثه ذلك المتلقي، فغلبت عليها لغة العواطف والتجميع الوثائقي ومجمل الفهم الرسمي الأيديولوجي للنحت ولأهداف نصب الحرية، بينما اتجهت قراءة آل سعيد لتنوير المتلقي الفعال الذي يهدف طوال الوقت على تطوير آلياته في اكتشاف وخلق المعاني.

6. مستوى وحدات النصب:

يتصف نصب الحرية بكونه مبنيا من وحدات (أجزاء منفردة)، ووحدات (أجزاء مجتمعة)، فقد قسم شاكر حسن آل سعيد النصب إلى أربع وحدات … (وهو ما يقرره آل سعيد) تؤكد معمارية النصب، وقد تنبه العديد من الدارسين، إلى أنها تستعير بنية الختم الأسطواني بعد ان يترك بصمته على سطح الطين الطري، والبيت الشعري العربي الكلاسيكي (شطر و عجز)، لكنه برأيي اقرب إلى البيت الشعري العربي الكلاسيكي المدور و الجملة العربية التي تقرأ من اليمين والتي تشكلها أجزاء فرعية هي الكلمات التي تناظرها في النصب المنحوتات المنفردة وتجمعات الوحدات لتشكيل موضوعات مستقلة، وقد تجاوزت في هذا البيت الشعري المفترض وحدات من الشطر إلى العجز، هذا إذا اتفق القارئ معي إن وضعي لنقطة الفصل بين الشطر و العجز هي الشمس التي تتوسط النصب وتقوم مقام النقطة، أو الفارزة في النثر ( = انتهاء الشطر و بداية العجز) .إلا أننا نعتقد، استنادا إلى هذه النقطة، إن مستويين ممكنين في (تقسيم) وحدات النصب: أولا ، اعتبار النقطة ( = الشمس) ذروة الموجة الجيبية في ارتفاعها، حيث تبلغ دراما الحدث أقصى شحنتها عند تلك النقطة، بينما يحدث تحول درامي بعدها فيميل الفعل إلى الاستقرار، ويحدث تحول في طبيعة البناء والتصميم وكبح للخشونة الإنجازية التي عمد جواد سليم إلى انتهاجها في القسم الأول في النصب، وكذلك تبدأ المتجهات والحركة الفيزيائية بالخفوت، وتستقر الشخوص وتنعم بالهدوء، فقد بدأت مرحلة أخرى. بينما يحتم تقسيم آخر إلى اعتبار النقطة تلك نقطة وهمية تجاوزها جواد سليم عند التنفيذ، لذا فقد فسم الباحثون وحدات النصب حسب ما يحلو لهم (ويمكن العودة لهذه التقسيمات إلى كتاب شاكر حسن آل سعيد عن جواد سليم). إن تقسيمي لوحدات النصب تنبع من أسباب بصرية وأخرى تخص الدلالة بتقسيم النحت وفق:

7. التقسيم الثيمي:

أولا، التظاهرة والشهداء، ثانيا، الثورة، ثالثا، البناء.

8. مستوى العلاقة (الأيديولوجي _ البصري):

رغم هيمنة فكرة (خارج بصرية) على جواد سليم حينما أراد عمل النصب، هي تجسيد نضال الشعب العراقي لتحقيق الثورة، فقد كان الحس الفني ( = البصري) قد هيمن على بنائية النصب من ناحية الأشكال المفردة ومن ناحية توزيعها على مساحة النصب.

9. مستوى البنى الهيكلية:

استعار جواد سليم بنى هيكلية (خطوط الفعل المتجه) خفية أسس عليها تركيب وحدات النصب، منها وخطوط دائرية تؤلف بنية حلزونية و بنية أرتفاعية شاقولية (المربع والأقفاص) وظهرت في عدة منحوتات للفنان دخلت في بنائها القضبان بشكل رئيس وأهمها السجين السياسي، وقد دخلت تلك القضبان في تكوينات النصب في تكوين الثورة وفي الجزء الأيسر (تكوين البناء) حيث ترتفع الأشجار والسنابل، وحيث تفتقد الحركة، ونجدها حتى في تكوين العامل الذي هو في لحظة استرخاء واتساق قامته المديدة، والمزارعون وهم يتجولون بين مزروعاتهم التي ارتفعت من الأرض وأينعت، واستعار جواد سليم البنية المسطحة للجملة المكتوبة من خلال الرسم بالحجر (النحت البارز).

لقد تتبع شاكر حسن آل سعيد خطوط الفعل المتجه متتبعا بذلك خطى الكسندر بابادوبولو في رسم المتجهات الخفية في الرسم الإسلامي.

10. متجهات النصب البنائية:

كانت معظم منحوتات النصب جانبية وأنجزها النحات بأسلوب النحت البارز ( =الريليف)، بينما هنالك منحوتة واحدة تصور طفلا يقف بمواجهة المتلقي وأيضا الجزء الأمامي من منحوتة الثور، وهما المنحوتتان اللتان أنجزهما النحات بأسلوب النحت المجسم، وذلك راجع برأيي إلى انه كان يهدف، كما كانت تهدف الرسوم والمنحوتات العراقية والفرعونية القديمة إلى إبراز الوضع الأمثل، فكانت المنحوتة التي لا تحقق ها الوضع يضطر إلى انجازها بأسلوب النحت المدور.

11. مستوى نمط النحت:

النحت البارز هو (نحت ببعدين)، بمادة نحتية (مجسمة) أي إنهاء البعد الثالث في النحت، فقد أنجز جواد النصب نحتا بارزا، فإنما قام باستلهام قيم الرسم ببعدين وتطبيقها في النحت، فبينما يكون النحت البارز نحتا ببعدين أو رسما بمادة مجسمة، أي انه نحت تم إنهاء البعد الثالث فيه بدرجة ما، أو ربما هو رسم أضيف له البعد الثالث بدرجة ما، وبذلك كان جواد سليم، بإنجازه النصب نحتا بارزا فإنما كان يستلهم قيم الرسم في انجاز اثر ينتمي للنحت.

12. جمع وجهتي النظر في الفن السومري:

nasb 5تجمع صياغة الثور وجهتي نظر مزدوجتين ( = منظورين معا) فقد جمع النحت البارز للجانبين والنحت المجسم للمواجهة، وهو ما استدعى تغيير قوانين المنظور ومنح الثور القدرة على التفاتة كتلك التي في النصب.

13. شظايا الحضارة الشخصية:

14. من شظايا حضارته الشخصية يدخل جواد سليم العديد من اللقى التي ظهرت في بعض لوحاته السابقة وهي في الواقع من مقتنياته الشخصية في حياته اليومية، وقد رصد منها آل سعيد الديكة الخزفية التي سبق وظهرت في لوحة (زفة في شارع 1956).

15. القواعد الارسطو طاليسية (بداية ، ووسط ، ونهاية):

حرص جواد سليم على البعد الحكائي إلا أن ذلك لم يؤثر على البنية الشيئية للنصب فبدا النصب مبنيا بناء أرسطيا من: بداية ووسط ونهاية.

16. الجمع بين الرسم والنحت :

حيث ادخل جواد سليم مؤثرات تنتمي إلى بنية الرسم المسطحة كالخطوط والحزوز وآثار الوشم التي كانت تعمق الفعل الدرامي في النصب، هذا إضافة إلى أن النحت البارز رسما بالحجر.

17. البعد الديني:

حيث تعتقد نزيهة سليم إن قيام جواد سليم بتقطيع أقدام منحوتات النصب علاقة بتحريم التشبيه بالجسد الإنساني في الدين الإسلامي، إلا أن هذا الأمر ليس مؤكدا برأينا حيث لم يتحقق لدينا فاعلية الجانب الديني في رؤية جواد سليم.

18. اللغات الثانوية :

حيث ادخل جواد سليم العديد من المؤثرات الفرعية التي أسميناها (اللغات الثانوية) ومنها: مستوى التنفيذ ( = خشونة و نعومة التنفيذ)، الحركة والسكون، الشاقولي والمدور، المدركات الشكلية (البروفيل والأمامي، الريليف والمدور، التحوير ومماثلة الواقع)، وكل الفقرات التي لم نفصل الحديث فيها ستكون موضوعا لاحقا سنكتبه عن نصب الحرية إن شاء الله.

السبت، 15 يوليو 2023






 عودة ثالثة الى:

 

المثلثات الذهبية.. والاقانيم الستة.. للرسم التشكيلي العراقي

 

 خالد خضير الصالحي

15 (تموز) 2009

 

 

1

اتفق الكاتبان: صادق الصائغ في مقاله (واقعية الكم: شفرة المستقبل او عندما تصب العلوم في بؤرة فنية واحدة) الذي نشره في مجلة (تشكيل)، التي تصدر عن وزارة الثقافة العراقية، العدد الثالث،2009 وفيصل لعيبي في مقاله (المثلث الذهبي في الرسم العراقي الحديث) الذي نشره في الموقع الالكتروني (الفنان العراقي)، على ان مثلثا ذهبيا كان قد تشكل في الفن العراقي كان أثره ضخما في نقل الفن العراقي، وربما كانا يقصدان بشكل اخص الرسم العراقي، إلى تخوم الحداثة الفنية، إلا أنهما اختلفا بالفنانين المشكلين لهذا المثلث الذهبي، فقد اعتبر فيصل لعيبي أول قطب في هذا المثلث الرسام فائق حسن مبررا اعتباره إحدى بوابات الحداثة في الرسم العراقي بأن "فائق حسن حطم تماما الشكل التقليدي السابق وقدم لوحة فنية معاصرة تتميز بالحيوية والحس العالي والمستوى الفني الرفيع - لم تكن جديدة على مستوى الإنجاز الغربي طبعا - لكنها تعتبر ثورة فيما يتعلق بالرسم العراقي- الذي كان يحاول تقليد الأشياء التي أمامه وبحذر اقرب إلى الخوف منه إلى الثقة، كانت ضربات فرشاة فائق من القوة والحساسية والجرأة ما جعل اللوحة العراقية آنذاك تخطو خطوتها الكبرى، مجتازة تلك المحاولات التي كانت سائدة في الرسم العربي المعاصر ... إن (فائق حسن) الحساس والعفوي والغزير يشكل الزاوية الأولى في المثلث الذهبي للرسم العراقي الحديث، حداثة وواقعية وحيوية ومرونة لانتقالات مفتوحة على اكثر من أفق . مع فائق انتهى عصر الهواية وتقاليد رسامي النزهات البرئية واللهو وأيام العطل. وبدأ عصر الرسم كفن معني بالمجتمع والبيئة والإنسان، ليس كشكل فقط بل كموضوع أيضا . ومعه أصبحت اللوحة العراقية تملك عالمها الخاص وموضوعها المتميز ومعه دخلت الحداثة (المودرنيزم) في الفن إلى العراق ..."، بينما اتفق الكاتبان: الصادق ولعيبي حول اعتبار جواد سليم القطب الآخر في ذلك المثلث الذهبي كونه من وجهة نظر فيصل لعيبي "كان فنانا معاصرا يحاول إيجاد العلاقة الصحيحة بين تراثه الغني وبين الحياة المعاصرة وتقاليد الفن الحديث، وهي قضية شغلت كل الجهد والوقت اللاحق لفن (جواد سليم) ... هكذا جاءت البساطة والتشكيلات المركبة والألوان الشرقية والموضوع المحلي بأسلوب يمزج فن القرن العشرين بالسومريين والآشوريين والمسلمين، من فن (بيكاسو) قي القرن العشرين و فن (يحيى الواسطي) في القرن الثالث عشر الميلادي، من السومريين إلى التكعيبية"، بينما كان من وجهة نظر صادق الصائغ قد عالج "واقعية شكله... بغنائية تعبيرية تنسجم مع تكوينه النفسي، مضفيا على شخوصه انسجاما ورضا يتناسبان مع مزاجه الشخصي ومع تطلعات الطبقة المتوسطة الآخذة في الصعود؛ وبهذا المزاج البهيج التقط جواد جمال التماهي البادي على وجوه الشخوص البسيطة الماثلة أمام كامرته، مجسدا، كما فعل غوغان، جمال السذاجة والبراءة في الحياة البدائية".

























2

يتفق الكاتبان على ان القطب الآخر لحداثة الرسم العراقي هو الرسام محمود صبري (ولد عام 1927) فهو من وجهة نظر فيصل لعيبي "كرس جهده الهام في إيجاد العلاقة الأساسية بين الفن والمجتمع، فمع محمود أخذت الأفكار الاجتماعية الجذرية تبرز في العمل الفني ... أن الفكر الثوري في الفن لم يبرز بمعناه الجمالي والفلسفي والاجتماعي إلا مع (محمود صبري) والى حد ما(جواد سليم) و (شاكر حسن آل سعيد 1925 – 2004) في خمسينيات القرن الماضي ... ان أعمال هذا الفنان شهادة عميقة على العلاقة القوية بين الفن والمجتمع وتطور الوعي ودور المثقفين في ذلك"، وبذلك يسقط فيصل لعيبي المرحلة الأهم من انجازات محمود صبري أي واقعية الكم التي لولاها لما احتل محمود صبري أهميته التي احتلها الآن، ... بينما كانت أهميته، عند الصائغ، تتمثل في "ان نظرية اكتشاف المخفي القائم ما وراء الواقع، اتخذت لديه وجهة أخرى، فقد لوحظ، منذ البداية، انه كان الأكثر اهتماما، بشواغل الفلسفة والهم الاجتماعي، كما انه كان الأكثر ميلا إلى ان يتخذ هذان الهمان مكان الصدارة في لوحاته"

ويذكّر الصائغ ان البعض قد صعب عليهم وهم يتتبعون أعماله الأولى ان يستجيبوا لرغبته، فيلقوا عليها ستار النسيان، وان الكثير منهم، وربما كان محمود صبري احدهم، مازالوا يضمرون حنينا لذلك الحضور الغائب لتلك الأعمال، ففضلوها على (المتاهات) التي تضعهم فيها واقعية الكم.

3

ويعتبر صادق الصائغ القطب الآخر هو الرسام شاكر حسن آل سعيد، الذي انشغل، من وجهة نظر الصائغ "في بداياته بالهم الواقعي نفسه، متجنبا هو الآخر، الاعتماد على المعنى الأحادي للشكل،متهجسا ملامح جديدة يخفيها المجهول... وفي مرحلته الأخيرة، اتخذ شاكر، انطلاقا من روحانياته، الحدوس الصوفية والمغيبات والعقل الباطن، طريقا لتفكيك المنظور الواقعي وإعادة تركيبته من جديد، ونظرا لاهتماماته الفلسفية الموازية لاهتمامات صبري، فقد ثبت رؤيته الفلسفية هذه في بيانين تشكيليين: البيان التأملي الأول والبيان التأملي الثاني، وفي كلا البيانين كانت الحقيقة الجوهرية التي بحث عنها شاكر، وكذلك تلك التي بحث عنها جواد ومحمود، حقيقة أيديولوجية، أي أنها صورة الواقع الخارجي مع إيقاعات جمالية ترتكز على بنية التكوين، باعتباره الموضوع المركزي لجماليات الشكل".

4

لقد أثارت آراء كل من الكاتب صادق الصائغ والرسام فيصل لعيبي عندنا ملاحظات كثيرة منها ان: الفن العراقي المعاصر قد نشأ، منذ لحظات تأسيسه الأولى، في خضم الحداثة العالمية، وخلال مرحلة مهمة في الفن العالمي، وان كل الأساليب المدرسية الانطباعية التي قدمها الفنانون العائدون من مقاعد الدراسة في الأكاديميات الخارجية التي درس فيها المبعوثون الأوائل، ليست إلا أساليب مدرسية تعلموها لأغراض تعليمية فتحجر البعض بها بسبب ضعف ثقافتهم البصرية، كما ظل البعض مكتفيا بها، ومنهم فائق حسن الذي طور تقنية عالية في الفن الانطباعية شفعت له وأهلته ان يكون المعلم الأول في الفن العراقي كمدرس فن، وذلك برأينا لا ينتقص من قيمته كمبشر بحداثة بصرية قائمة على شيئية اللوحة، الا ان فاعليته الاساسية كوته معلم رسم من طراز انطباعي رفيع.

5

نعتقد أيضا ان الكاتبين الصائغ ولعيبي كانا يتجهان إلى نقطة واحدة من اتجاهين مختلفين، فقد كان (التعبير عن الروح المحلية بأساليب اللوحة المسندية الحديثة) هو الأمر الحاسم لديهما معا، إلا أنهما اختلفا في الانجاز الأهم لكل رسام ليؤهله ليكون ضمن متجه الحداثة، ففيما اعتقد فيصل لعيبي ان قدرة الفنانين على الامتثال لتلك اللازمة هو الأمر الحاسم والمهم في حداثيتهم، وهو ما توفر لهؤلاء في مراحلهم الأولى، كان الصائغ يعتبر الأمر الأكثر أهمية يتمثل بقدرة الرسام على إعادة تعريف تلك اللازمة القبلية والخروج بنتائج (جديدة) منها، وهو ما فعله هؤلاء في مراحلهم المتأخرة التي اعتبرها الصائغ الجزء الأهم في انجاز هؤلاء وامتثالهم لشرط التعبير عن الروح المحلية بأساليب حديثة، فكانت واقعية الكم وبغداديات جواد سليم والمرحلة التجريدية (البعد الواحد) عند جواد سليم مراحل مهمة وشرعية في تأسيس فن محلي ممتثل للحداثة، وهذا هو السبب الذي جعلهما يغفلان اعتبار كاظم حيدر واحدا من اقانيم الفن العراقي بسبب كونه شكل مرحلة وسيطة لم تمتثل لشروط الكاتبين وتعريفهما وربما ذائقتهما، رغم ان تجربته تعد، برأي الكثيرين، واحدة من أهم المراحل الانتقالية في الفن العراقي بين مرحلة الخمسينات، او مرحلة الرواد، وبين مرحلة الستينات التي وضعت الفن العراقي وفن الرسم منه بشكل اخص على تخوم الحداثة فكان الرسام كاظم حيدر رأس الحربة في ذلك من خلال منجزه وخاصة معرض الشهيد الذي بشر بجيل جديد في الفن التشكيلي العراقي هو جيل الستينات.

6

نحن نعتقد بحاجتنا إلى ننفض أيدينا من شرط (التعبير عن الروح المحلية) باعتباره لازمة قبلية لصفة الرسم ولصفة الحداثة، ونعيد تقييمها باعتبارها ليست سمة موضوعاتية قدر ما تكون قيمة بصرية ليس إلا؛ وبذلك فسيكون المجال رحبا لإعادة تعريف قيم الحداثة في الفن العراقي واعتبار منجزات هؤلاء الرسامين في مراحلهم الأولى والتالية بوابات شرعية لحداثة الرسم العراقي التي فتح أبوابها هؤلاء ورسخت حضورها الأجيال اللاحقة لما بين الخمسينات والستينات، واعتبار كل من: فائق حسن وجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد ومحمود صبري وكاظم حيدر اقانيم مهمة في تأسيس حداثة الفن التشكيلي العراقي القائم على مرتكزات بصرية أكثر منها موضوعاتية، ونعيد تشكيل مفاهيمنا وقيمنا على أساس ان تحقق الواقعة الشيئية هو الأمر الحاسم في أحكامنا بشان فن الرسم في العراق

7

بعد عدة أشهر من مقالي ذاك، توفر تحت يدي مقال مهم للناقد فاروق يوسف نشره قبل أعوام في مجلة آفاق عربية، العدد 3-4 عام 1995، وكان بعنوان (رسمنا.. خصوصيته بين خلوده وفناء الأساليب) يبحث فيه ذات المشكلات التي ناقشناها نحن الثلاثة: صادق الصائغ وفيصل لعيبي وكاتب السطور، فآثرت إعادة كتابة مقالي السابق، داعيا المعنيين بالرسم العراقي مناقشة هذه القضية المهمة.

8

يؤكد فاروق يوسف في مقاله المهم "ان الرسم بطبيعته الإنكارية يقيم اتصاله بماضيه عن طريق الانفصال... وان أي تحول فني لا يولد في رحم التحول الفني الذي سبقه... وان التحول الفني لا يبشر بمجيء تحول فني آخر"، أي ان الرسم هو فن بـ(لا تاريخية)، وان تجربة الحداثة العراقية وظفت الصلة بالجمهور لأهداف نفعية و"انجاز الأسلوب الشخصي ... باعتباره غاية"، و"التوفيق بين وهم (المحلية) وبين التيار العالمي للفن"، وان بيان جماعة بغداد للفن الحديث الأول الذي يعده الكاتب أهم البيانات الفنية العراقية كان السبب في تحول "الكثير من العلاقات الملتبسة بين الفكر التاريخي من جهة وبين الرسم من جهة أخرى إلى بديهيات ألحقت الكثير من الهزائم بالرسم" وقد صنعت هذه الأفكار فيما بعد "عقدا مستعصية لا يمكن استئصالها بسهولة من جسد فكرنا الفني: الأصالة، المحلية، التراث، الهوية، وكلها تنبع من مصدر واحد: الخصوصية"، ويخلص الكاتب إلى ان السبب الجوهري في ذلك "ان فكر الخمسينات، كان محصورا في منطقة البحث عن الأسلوب، فاندفع إراديا إلى هزيمته، إذا لم اقل حتفه، فالأسلوب لا يبحث عنه، وهو لا يستدعى بطرق آلية، وليس هنالك مخطط جاهز لبنائه " وهو ليس (وصفة جاهزة)، ويخلص إلى "ان الخمسينات بعظمتها لم تمنح الرسم الحديث في العراق سوى ثلاثة رسامين: جواد سليم، ومحمود صبري، وشاكر حسن آل سعيد"، وهو بذلك يتفق تماما مع صادق الصائغ في تحديده الأسماء الثلاثة للمثلث، ولكنه يختلف معه كونه يعتبره مثلثا لمرحلة الستينات، كما انه يختلف مع الصائغ ومع فيصل لعيبي بان سبب خلود هؤلاء الرسامين افتقارهم للأسلوب بمعناه الذي طرحته جماعة بغداد للفن الحديث، ويسمي فاروق يوسف ذلك (قلقهم الأسلوبي)، فقد كان هؤلاء "قد سعوا إلى إنكار وجود أية قوة بإمكانها ان تملي عليهم نوع واتجاه حركتهم وسلوكهم الفني... فقد جرّ، كل واحد من الرسامين الثلاثة، الرسمَ في اتجاه خصوصيته (الشخصية)"، ويضيف فاروق يوسف إلى هؤلاء الثلاثة اثنين من الستينيين: كاظم حيدر وإسماعيل فتاح الترك، ويحدد أهميتهما في كونهما "الممهدين للفكر بالأسلوب، العابثين بعناصر اللوحة وبالمواد"، ولم يعد الرسم بعدهما مثلما كان الرسم قبلهما ففي "عام 1965 بدأ الانسلاخ من فكرة (المحلية التصويرية) التي هي تفسير نظري قائم على سوء فهم فكري"، ويخلص فاروق يوسف إلى استنتاج هام جدا بأن خصوصية الرسم العراقي "لا تستند إلى قانون فكري مسبق، إنها خصوصية فعل الرسم لذاته، وهي لذلك تتخطى حدود المزاج الاجتماعي، إنها تنتسب إلى الرسم باعتباره قوة مخلصة، وهي تخليه من إمكانية الخضوع للمحرضات الخارجية "، وأخيرا أكد فاروق يوسف انه "لا يحفل بفكرة الأسلوب، بل يسعى إلى إثارة الانتباه إلى أهمية ان نرى خصوصية أي رسام"، وبذلك كان يفهم القضية باعتبارها مصيرا فرديا تحل فيه الخصوصية الفردية محل الأسلوب الجمعي الوهمي.

9

لقد أثارت آراء كل من الكاتب صادق الصائغ والرسام فيصل لعيبي عندنا ملاحظات كثيرة منها ان: الفن العراقي المعاصر قد نشأ، منذ لحظات تأسيسه الأولى، في خضم الحداثة العالمية، وخلال مرحلة مهمة في الفن العالمي، وان كل الأساليب المدرسية الانطباعية التي قدمها الفنانون العائدون من مقاعد الدراسة في الأكاديميات الخارجية التي درس فيها المبعوثون الأوائل، ليست إلا أساليب مدرسية تعلموها لأغراض تعليمية فتحجر البعض بها بسبب ضعف ثقافتهم البصرية، كما ظل البعض مكتفيا بها، ومنهم فائق حسن الذي طور تقنية عالية في الفن الانطباعية شفعت له وأهلته ان يكون المعلم الأول في الفن العراقي كمدرس فن، وذلك برأينا لا ينتقص من قيمته كمبشر بحداثة بصرية قائمة على شيئية اللوحة، إلا ان فاعليته الأساسية كوته معلم رسم من طراز انطباعي رفيع.   

10

ان الكتاب ثلاثتهم في اتفاقهم واختلافهم حول أركان مثلث الحداثة في الرسم العراقي، إنما كانوا يتجهون إلى نقطة واحدة من اتجاهات مختلفة، فقد كان (التعبير عن الروح المحلية بأساليب اللوحة المسندية الحديثة) هو الأمر الحاسم لديهم جميعا، إلا أنهم اختلفوا في الانجاز الأهم لكل رسام ليؤهله ليكون ضمن متجه الحداثة، ففيما اعتقد فيصل لعيبي ان قدرة الفنانين على الامتثال لتلك اللازمة هو الأمر الحاسم والمهم في حداثتهم، وهو ما توفر لهؤلاء في مراحلهم الأولى، كان الصائغ يعتبر الأمر الأكثر أهمية يتمثل بقدرة الرسام على إعادة تعريف تلك اللازمة القبلية والخروج بنتائج (جديدة) منها، وهو ما فعله هؤلاء في مراحلهم المتأخرة التي اعتبرها الصائغ الجزء الأهم في انجاز هؤلاء وامتثالهم لشرط التعبير عن الروح المحلية بأساليب حديثة، فكانت واقعية الكم وبغداديات جواد سليم والمرحلة التجريدية (البعد الواحد) عند جواد سليم مراحل مهمة وشرعية في تأسيس فن محلي ممتثل للحداثة، وهذا هو السبب الذي جعلهما يغفلان اعتبار كاظم حيدر واحدا من اقانيم الفن العراقي بسبب كونه شكل مرحلة وسيطة لم تمتثل لشروط الكاتبين وتعريفهما وربما ذائقتهما، رغم ان تجربته تعد، برأي الكثيرين، واحدة من أهم المراحل الانتقالية في الفن العراقي بين مرحلة الخمسينات، أو مرحلة الرواد، وبين مرحلة الستينات التي وضعت الفن العراقي وفن الرسم منه بشكل اخص على تخوم الحداثة فكان الرسام كاظم حيدر رأس الحربة في ذلك من خلال منجزه وخاصة معرض الشهيد الذي بشر بجيل جديد في الفن التشكيلي العراقي هو جيل الستينات، بينما كان فاروق يوسف يعتبر ان القلق الأسلوبي والخصوصية الفردية والعصيان على الامتثال إلى (الأسلوب) أو الطابع المحلي هو الأمر الحاسم الذي جعل هؤلاء الرسامين الثلاثة يعدون من الفنانين الخالدين من جيل الخمسينات، وبذلك تكوم الإشكالية الحضارية لعصر النهضة العربية التي تبلورت في مفهوم (التعبير عن الروح المحلية بأساليب اللوحة المسندية الحديثة) هو الأمر الحاسم فكان موقف الامتثال الذي أبداه الرسامون فائق حسن ومحمود.صبري وجواد سليم هو الذي جعل فيصل لعيبي يعتبرهم أركان المثلث الذهبي، بينما كانت إعادة النظر التي أبداها الرسامون: جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد ومحمود صبري هو الذي دفع صادق الصائغ إلى اعتبارهم أعمدة المثلث، بينما كان فاروق يوسف يعد تمردهم على الثبات الأسلوبي وتأكيدهم على الخصوصية الفردية هو الأمر الحاسم في اعتبارهم الحداثة المنبثقة من جيل الخمسينات باتجاه الستينات.

11

ملاحظاتنا التي توضح رؤيتنا للرسم العراقي ببعده التاريخي والى الان:

1. ان مقترحنا لمثلث الرسم العراقي يتألف من تجارب:

فائق حسن كتقني ومعلم كبير في الفن العراقي، ومن ارفع المستويات.

شاكر حسن ال سعيد من خلال تركيزه على أهمية الرؤية concept  وتوجهاته الاسلوبية في البحث التجريدي التعبيري الذي وصل الى الذروة.

كاظم حيدر كونه قد شكل بوابة الحداثة الى فن الستينيات العراقي.

2. نحن لا ندعي ان لرأْينا او آراء الذين بحثنا ما كتبوه له افضليةً على الآراء الأخرى، انما لان اراءهم مشفوعة بتبريرات نظرية مما يجعلها ليست فقط ناتج الذائقة الشخصية التي لا تناقش كونها ذوقية ليس الا..

3. ان الفن العراقي المعاصر قد نشأ، منذ لحظات تأسيسه الأولى، في خضم الحداثة العالمية، وخلال مرحلة مهمة في الفن العالمي، وان كل الأساليب الانطباعية التي قدمها الفنانون العائدون من مقاعد الدراسة في الأكاديميات الخارجية التي درس فيها المبعوثون الأوائل، ليست إلا أساليب مدرسية تعلموها لأغراض تعليمية فتحجر البعض عندها بسبب ضعف ثقافتهم البصرية، فتمسكوا بها بل واكتفوا بها، ومنهم فائق حسن الذي طور تقنية عالية في الفن الانطباعي؛ فشفعت له وأهلته ان يكون المعلم الأول في الفن العراقي كمدرس فن، وذلك برأينا لا ينتقص من قيمته كمبشر بحداثة بصرية قائمة على شيئية اللوحة، إلا ان فاعليته الأساسية كونه معلم رسم من طراز انطباعي رفيع.   

4. نعتقد بحاجة الفن العراقي إلى نفض أيدينا من شرط (التعبير عن الروح المحلية) باعتباره لازمة قبلية لصفة الرسم ولصفة الحداثة، ونعيد تقييمها باعتبارها ليست سمة (موضوعاتي) قدر ما تكون قيمة بصرية ليس إلا، وذات طابع فردي ليس إلا؛ وبذلك فسيكون المجال رحبا لإعادة تعريف قيم الحداثة في الفن العراقي واعتبار منجزات هؤلاء الرسامين في مراحلهم الأولى والتالية بوابات شرعية لحداثة الرسم العراقي التي فتح أبوابها هؤلاء ورسخت حضورها الأجيال اللاحقة لما بين الخمسينات والستينات، واعتبار كل من: فائق حسن وجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد ومحمود صبري وكاظم حيدر اقانيم مهمة في تأسيس حداثة الفن التشكيلي العراقي القائم على مرتكزات بصرية أكثر منها موضوعاتية، ونعيد تشكيل مفاهيمنا وقيمنا على أساس ان تحقق الواقعة الشيئية هو الأمر الحاسم في أحكامنا بشان فن الرسم في العراق.

5. ان الجماعات الفنية، التي كان هؤلاء الاقانيم كلهم تقريبا يترأسونها وكانت سببا في بعض مكانتهم في التشكيل العراقي، كانت هذه الجماعلت تقوم لحاجات اجتماعية اكثر منها لحاجات فكرية، وقد حاول الخمسينيون وبعض الستينيين، وقليل من الأجيال الأخرى، حاولوا تأسيس جماعات قائمة على مرتكزات أيديولوجية، ولكن لم تؤد الا الى مصادرة فردية الابداع الذي وصفه فاروق يوسف انه ابداع لا تاريخ له، وبالتالي فهو يسلك مسلكا لا يمكن التنبؤ به قبل حدوثه، انما تأتي التبريرات بشأنه، من قبل المنظّرين، بعد حدوثه، واعتقد بصحة راي ذكره لي الصديق الفنان العراقي المقيم في لندن يوسف الناصر، بان الجماعات الفنية وطروحاتها قد اخرت التطور الطبيعي للفن العراقي مدة كان يمكن ان نقطعها باتجاه الحداثة الفنية، وان الرسامين اعتبروا أسلوب جواد سليم مدرسة فبدأوا بتقليدها وكان الواجب اعتبارها على الأقل أسلوبا شخصيا، او ما كتبته عام 2004، في صحيفة الزمان اللندنية، كان عليهم اعتبار أسلوب جواد سليم مقترحا تطبيقيا لقضية التعبير عن الروح المحلية، وكان يجب ان يمتلك كل رسام مقترحه المستقل. 

6. لقد حدثت مسافة بي المنجز المتحقق للرسامين العراقيين في جيل الستينيات، وبين الجهاز المفاهيمي والخطاب الناتج عنه، فقد كانت تجاربهم الفنية قد تخطت في تجريبيتها الخطاب الخمسيني الذي ظل كما هو تقريبا يعتاش على المقولات ذاتها واهمها الصلة الوشيجة مع المتلقي، والتعبير عن الروح المحلية، مما خلق ما اسميته ذات مرة (شيزوفرينيا ثقافية) في ندوة اقامتها صحيفة المدى قبل سنوات، وقد جرت محاولتان مهمتان لتجديد الخطاب والجهاز المفاهيمي مع الإبقاء على ادامة الصلة مع الجمهور، عبر التوكيد على التعبير عن الروح المحلية بأساليب اللوحة المسندية كما يصفها ال سعيد، فابتكر محمود صبري ما اسماه واقعية الكم التي تضمنت في المنجز المتحقق اعمالا تجريدية هندسية (موندريانية) رافقها خطاب يؤكد ان التجربة مازالت ضمن المنحى الواقعي، ولكنها واقعية الكانتوم الذرية التي تعنى بجوهر الظواهر وليس برؤيتها السطحية!، بينما برر شاكر حسن ال سعيد تجربته التجريدية التعبيرية (التابيسية) باستدعائه الخطاب الصوفي ليثبت للمتلقي ان التجربة مازالت تمتثل لقبلية شرط الروح المحلية ولكنها روح صوفية غير تشخيصية!..