الأربعاء، 26 فبراير 2020

مع كتابات.. خالد خضير الصالحي: النقد الفني هو التذوق في أعلى مستوياته ويستند على الحياد

 الاثنين 24 شباط/فبراير 2020


خاص: حاورته- سماح عادل
“خالد خضير الصالحي” ناقد تشكيلي وأدبي عراقي، ولد في 19 حزيران 1956 في مدينة البصرة أقصى الجنوب العراقي، وتخرج من جامعة البصرة (كلية الفنون الجميلة.. قسم الرسم)، كتب في نقد الفن التشكيلي والشعر المئات من المقالات، عمل في الصحافة رساما ومصمما ومحررا، ومدربا دوليا بلعبة الشطرنج وحكما دوليا ولاعبا.
ومن مؤلفاته:
– هاشم حنون.. الواقعة الشيئية.
– قيم تشكيلية في الشعر العراقي.
– الشطرنج للمبتدئين (ترجمة).
– تشكيليو البصرة 2017.
إلى الحوار:

(كتابات) متى بدأ شغفك بالرسم وكيف طورته؟
– غالبا ما ينتمي الشغف بالأشياء إلى حقب غائرة في حياة الإنسان، إلى مرحلة الطفولة حينما اكتشفت أن صفحة الورقة في دفتر الدراسة لا تصلح للكتابة فقط، وأن هنالك نمطا آخر من (الكتابة) هي الرسم، التي صارت وسيلة أثيرة للتعبير عن الوعي الجمالي الطفولي.
أن هذا الفهم الأولي الغائر في الطفولة الذي تعلمناه من أهلنا، ومعلمونا، كنا نفهم الرسم كما نفهم الكتابة، باعتبارها مفردات دالة، فكنا نستبدل مفردات الرسم بدل مفردات الكتابة، وهو الخلل الأول الذي إن لم يتغير، فسيتحجر لاحقا لينتج متلقيا نثريا سرديا لقضية غير سردية، وهو ما انصب جهدنا النقدي فيه.
فقد انصب جهدنا على عملية التلقي، والمقاربات النقدية اللاحقة على الجانب الجمالي الاسثطيقي، ولا ينصب على المقاربات التأويلية، ولكن محنة الكتّاب، والكتابة، أنها الأقرب إلى (المقاربة التأويلية)، حتى وإن كتبوا عن حقل مختلف هو الحقل الجمالي (الفن التشكيلي). وكما أن محنة علم الأديان انتماؤه لحقل العلم، وليس لحقل الدين، وكذلك محنة الرسم في انتماء علم الجمال إلى حقل الكتابة والتأمل الفلسفي، ولا تنتمي إلى (الواقعة الشيئية) التي هي جوهر الفن التشكيلي..
(كتابات) احكِ لنا عن عملك بالرسم ولما توقفت عنه؟، ولما اخترت مجال النقد للفن التشكيلي؟ حدثنا عن اهتمامك بالنقد الأدبي؟
– كنت أشارك في معارض الفن في ثمانينيات القرن الماضي في مدينة البصرة، في أقصى الجنوب  العراقي، واشتغلت ونشرت في العديد من الصحف العراقي كرسام لنصوص الشعر المنشورة ومنها صحف: “الزمان والمدى”، وأكملت دراستي في أكاديمية الفنون الجميلة قسم الرسم في البصرة، بينما نشرت مقالاتي عن الفن في فترة متأخرة مقارنة بالرسم.
ولكنني أدركت أن التميز والتفرد هو أهم سمات الإبداع، وأنني يمكن أن أحقق ذلك بالكتابة أكثر مما أحققه بالرسم؛ فالثقافة العراقية، والعربية مليئة بالتجارب الفنية التي من الصعب تخطيها، ولكن حقل الكتابة التشكيلية النقدية حقا، مازالت أرضا بكرا لم تحرث بعد، برأيي؛ فاتجهت إلى الكتابة، وكتبت عشرات المقالات، وعددا من الكتب المنشورة، والتي هي قيد النشر. أما النقد الأدبي فأنا أمارسه حينما أجد مشتركات له مع الرسم، ومع الصورة، وتعالقات الصورة الشعرية والصورة المرئية.
(كتابات) كتابك قيم تشكيلية في الشعر العراقي، حدثنا عنه؟
– كنت ومازلت أحاول الاشتغال على التخوم التي توصل الشعر بالرسم، فأصدرت كتابي (قيم تشكيلية في الشعر العراقي)، تناولت فيه تجارب عدد من الشعراء العراقيين عبر ثيمات بَصَرية، فقد كنت أؤكد دائم: “الاشتغال من خلال اللغة، وهو إحدى نِعَم الكتابة النقدية التشكيلية، ومآسيها في الوقت ذاته، وهو أمر يتلمّسه النقادُ المهتمون بالفن التشكيلي، وبالشعر معا، فقد أكد الناقد التشكيلي “سهيل سامي نادر” مرة “أن لا وجود للنقد الفني بوصفه حركة مستقلة، إنه نص يختلط بنصوص أخرى.. إنه لا ينفصل عن التقاليد الأدبية، فخطته أدبية، أوصافه وتعابيره، ولاسيما لغته كلها، وطريقته في الحكم”.
ولأننا كنا قد بدأنا علاقتنا بالثقافة، مثل آلاف قبلنا، بمحاولات في كتابة الشعر، وقراءته، باعتباره حاضنة أولية للثقافة، فقد وجدنا في أنفسنا هوى لقراءة الشعر، وقراءة النقد الذي ينشر عنه، ودراسة آليات ذلك النقد، إلا أن الصلة الوثيقة التي تربطنا بالرسم ونقد الرسم جعلتنا نبحث، معظم الوقت، في تخوم، العلاقة بين هذين النمطين الإبداعيين، رغم أنهما من طبيعتين مختلفتين: طبيعة لغوية، وأخرى بصرية، إلا أننا نشعر أننا نتلمس وشائجهما قوية بشكل محسوس، وهذه هي وجهة نظرنا التي نزعم أنها خبرت كلا الفنين بدرجة لا بأس بها، وهو ما يجعلنا، وما زلنا نحاول التعامل مع الجوانب البصرية للقصيدة، أو ما تسميه “هناء مال الله” (العناصر التكوينية للوحة) بشكل يجعلها أمامنا وكأنها لوحة، باحثين فيها عن الجوانب البصرية، وعن ما يربطها بالرسم من الناحية البنائية”.
لقد حاولت أن أبقي الرّسم مجازفا بإطلاق عينه المبصرة في حقل لغويّ خاصّ ويدفع بها، بلا تحفظ، من أجل أن نرى الرسمُ بـ: ألوانه، وخطوطه، وأشكاله، وسطوحه، وفضاءاته وهي تتقلّب في كلماتٍ قُدِّر لها، هي الأخرى، أن تصنع، بمنطقها الخاص، التأثير الذي اجتهدت بصناعته، بطريقتها الخاصّة، على سطح مرئي، وحاولت أيضا أن أفتح الحدود بين الشعر والرسم لإجراء عمليات تبادل مصالح بين تخومهما المشتركة، لتغدو الصورة مجالاً حيوياً يستثمر فيه الشعر والرسم رأسماليهما وطاقاتهما في إنتاج نصّ ذي طبيعة هجينة تضافرت في تشكيلها قوى مخلوقيْن لم يكفا عن تمثيل قرابتهما ورغبتهما في أن يتباريا على سطح موحّد.
من يستطيع أن ينكر اليوم ذهاب الرسم في الشعر، ونزول الشعر في الرّسم؟ من يقدر على دحض جوهر عملهما المشترك القائم على الرؤية والتشكيل؟ أليس هناك من أطلق على ضرب من الشعر ذي نزعة تصويريّة بالشعر التشكيليّ؟
إنّ الرسم والشعر عاشا في وفاق دوماً، وفي صداقة يُغبطان عليها، في أغلب الحضارات، وفي صلة لا تتقطّع أسبابها، وتعلّم أحدهما من الآخر، وما يزالان يتجاوران، أو يتداخلان، ويلتصقان ببعضهما كتوأمين يحكي أحدهما حكاية الآخر بمتعة. وما يجعل الشعر والرسم قريبيْن من بعضهما تمركزهما في الانشغال بقيم التشكيل الجمالي لعناصرهما الأساسيّة.. وعلى أساس إحساسهما بجوهرهما المشترك راح الرسم يتدخل في حياة الشعر، ومضى الشعر يتدخل في حياة الرسم، وصار بإمكانهما أن يأتلفا في نص مشترك على سطح جامع تتفاعل فيه قواهما ووسائلهما، وتتحاوران صانعتيْن دراما مشتركة من الكلمات والخطوط والألوان. وإذن غدا ممكناً تحقيق تداخل، أو دمج مثاليين بين الرسم والشعر في فضاء موحد يسمح بتعميق تضافر عناصرهما الأساسية عن طريق تطويع الكلمات، وتحويلها إلى أشكال مرسومة على سطح تصويريّ.
ضم الكتاب موضوعات تناولت تجارب عدد من الشعراء العراقيين، منهم: “حسين عبد اللطيف ومؤيد حنون ومجيد الموسوي وعادل مردان، وجبار الوائلي، ورنا جعفر ياسين، ووديع شامخ، وإلهام ناصر الزبيدي، ومحمد طالب محمد، ومصطفى عبد الله، وعلي النجدي، وكاظم اللايذ، وعبد الخالق محمود، وسلام الناصر، وأحمد العاشور” وغيرهم..
قال عنه الناقد التشكيلي والشاعر “هاشم تايه”، تحت عنوان (انفتاح الحدود بين الشعر والرسم) بأنني كنت فيه “منطلقاً ممّا بات أقرب إلى قناعة راسخة لدى كثيرين، بولادة الفنون جميعها سواء أكانت قوليّة أم مرئيّة من رؤية بالعين لعناصر مختلطة في صورة أولى تتسم بالتشوش، والفوضى، والضبابيّة، وتخضع لخيال نشط يجتهد في انتخاب عدد من تلك العناصر المختلطة، لتشكّل بالتحامها مع بعضها نواة صورة جديدة مقترحة لتحولات مفتوحة يصنعها الخيال، وتنتهي بإنتاج تكوين صوري ذي عضويّة مهيّأة للتفتح والحياة، وبالوسع تمثيلها بمادة بصريّة أو لغويّة، منطلقاً من هذه القناعة يحاول خالد خضيّر الصالحي، وهو ناقد تشكيليّ مثابر، أن يختبر عُدّته النقديّة المنتمية إلى حقل التشكيل، في قراءة نصوص شعريّة مستعيناً بعدد من المفاهيم التي أنتجها هذا الحقل، وخاصّة مفهوم (الشيئيّة) الذي أطلقه هيدغر في كتاب عنوانه وموضوعه (أصل العمل الفني)”.
وكتب الشاعر “وديع شامخ” عن الكتاب: “خالد خضير الصالحي مبدع متعدد المواهب: رسام، وخطاط، وشطرنجي، وناقد تشكيلي، وشاعر، ولقد تأخر الشاعر في أعمال خالد منتجا.. لكنه تواصل مع الشعر من حقل التأويل/النقد..  فكان هذا الكتاب وفاءً للأدب وللشعر منه خاصة. وهو ليس مقالات متفرقة تُجمع في كتاب كما شاع في إنتاج الكتاب التقليدي، لكنه مقالات ينتظمها متجه واحد، وموضوعات واحدة هو الشأن الأدبي والشعري العراقي وبالأخص قصائد النثر منه باعتبارها اتجاها مهيمنا في الشعرية العراقية، وإن كان برتراند رسل يعرف الفلسفة في كتابه (حكمة الغرب) بأنها اشتغال في مناطق التخوم التي تفصل بين العلوم المختلفة، فقد ارتضى خالد خضير الصالحي الاشتغال في مناطق تخوم مماثلة تقع في المياه الإقليمية للرسم والشعر معا، مناطق تخوم مرتكزها الفكري الأساس: إن الرسم والشعر يتجهان من، ويصبان في، منبع واحد مادي متيريالي لا سردي.. وكان هذا الكتاب تطبيقا عمليا لهذه الفكرة (النصية- الشيئية)..
أشاطر صديقي خالد متعة الكشف الشعري في هذه التجارب الشعرية، والتي تمثل بلا شك جزءا حيويا من المشهد الكلي الإبداعي العراقي”.
(كتابات) وماذا بشان كتابك (تشكيليو البصرة)؟
– من إصدارات اتحاد أدباء البصرة صدر كتابنا (تشكيليو البصرة)، عام 2017، وهو كتاب نقدي وليس كتابا في تاريخ الفن، حيث بينت مقدمته: ”لقد حاولنا في كتابنا هذا (تشكيليو البصرة)، أن نفارق، أو ربما نتكامل مع ما كتب سابقا عن الفن التشكيلي في البصرة، فقد حاولنا تجنب التدوين التاريخي والسوسيولوجي، متجهين إلى محاولة كتابة (الواقع) التشكيلي في محافظة البصرة من وجهة نظر نقدية تفهم مادية العمل الفني باعتبارها جوهر الفن؛ فتناولنا تجارب بعض الفنانين منفردين، وقصرنا مهمتنا على فن الرسم، وبعض من نتاجات النحت والفوتوغراف والخزف، وهو ما توفر لدينا في الوقت الحاضر آملين أن نستكمل بحثنا في أساليب تشكيليي البصرة ونعيد نشره في طبعة قادمة”.
وقد تضمن الكتاب دراسات عن الفنانين، منهم:
الرسامون: محمد راضي عبد الله، وعلي طالب، ومحمد مهر الدين، وسلمان البصري، وفاروق حسن، وعجيل مزهر، وفيصل لعيبي، وعيسى عبد الله، وعفيفة لعيبي، وجبار عبد الرضا، وحامد مهدي، وهاشم حنون، وعبد الملك عاشور، وهاشم تايه، وكامل حسين، وجنان محمد، وصدام الجميلي، وصلاح جياد، وعدنان عبد سلمان، وطاهر حبيب، وجعفر طاعون، وفؤاد هويرف، وجاسم الفضل، وياسين وامي، وسمير البدران، وأزهر داخل، ومحمد مسير، والكاريكاتيري كفاح محمود، وناصر سماري، وصبري المالكي، واسماء الحساني، ويوسف الناصر، وخالد خضير الصالحي (بقلم محمد خضير).
النحاتون: إسماعيل فتاح الترك، ومرتضى حداد، ومحمد ناصر الزبيدي، ونوري ناصر طاهر.
الخزافون: مي جبار المظفر.
الفوتوغرافيون: معين المظفر، وحيدر الناصر، وصفاء ذياب، عبد المهدي الغرابي.
الخطاطون: رعد عبد الرحمن عبود.
وملاحظات قصيرة عن عدد كبير من الفنانين التشكيليين البصْريين.
(كتابات) ما تقييمك لحال الفن التشكيلي العراقي وهل يمر بمشكلات؟
– الفن التشكيلي لا ينفصل عن الوعي الثقافي كونه يتجه في النهاية، شاء أم أبى إلى المرور عبر وعي المجتمع الذي هو المتلقي الافتراضي لذلك المنتج. إن التردي الثقافي الذي يعيشه العرب، وضعف مساهمتهم بالحضارة، وبالإنتاج الثقافي العالمي يجعل الفن التشكيلي متأثرا بذلك، كونه ناتج واقع متخلف وبعيد عن الثورات الفكرية والتقنية التي يعيشها الفن في العالم المتقدم.
(كتابات) في رأيك هل يواكب النقد غزارة الإنتاج في العراق سواء على مستوى النقد الأدبي أو الفني ولما؟
– النقد الفني هو التذوق الفني في أعلى مستوياته، حيث يستند ذلك التذوق على المعرفة والخبرة والحياد وانتفاء المعيارية، والانغماس في تفحص الواقعة التشكيلية من خلال عناصرها المادية، ولقد تخلص النقد، في آخر تحولاته، بدرجات متفاوتة، من محاولة: تفسير، وتوضيح العمل الفني، وإيضاحه ليفهمه الآخرون. وإرشاد الفنان وغيرها من المرتكزات المعيارية، وأن جهده الأساسي رأينا الآن ينصب على دراسة العمل باعتباره واقعة شيئية مادية.
ليس المطلوب من الناقد الركض وراء التجارب الفردية لمتابعتها، تلك مهمة من يكتب في الصحافة، النقد حقل ثقافي له مشروعه الخاص وإن كان يقارب التجارب الإبداعية كنماذج تطبيقية.
(كتابات) ما تقييمك لحال الثقافة في العراق وهل يمكن الحديث عن نهضة ثقافية؟
– يعيش العراق الآن وضعا غير مؤات لنمو الثقافة، أولا بسبب افتقار النظام الحالي إلى الحاجة، والشعور بأهمية الثقافة في بناء المجتمعات المتحضرة، وهو أمر راجع إلى المفاهيم القروسطية التي تهيمن على النظام العراقي الحالي، وكما قال أمين معلوف مرة أن هناك عناصر في التطور الراهن للعالم مصدرها الثقافة العربية، وأهمها الشعبوية المتنامية، ونحن نضيف إليه التطرف الديني، وذلك راجع برأينا إلى نمط الاقتصاد الريعي الذي تأسست عليه الحضارة العربية عبر الغزو والجزية، ومازالت تعتمد على الاقتصاد الريعي الذي تشكل جوهره أموال النفط (البترودولار) التي بدأت تمول كل الحركات المتطرفة من أجل إنتاج ثقافتها.. لذلك نجد الآن تراجعا لمراكز الثقافة العربية بسبب افتقارها إلى النفط، كمصر التي شهدت اندحار الإيديولوجية القومية العربية قابله نهوض للإسلاموية المتطرفة في دول النفط ومنها العراق، لقد امتلكت القوى الإسلاموية عوائد النفط فأسست نظامها الذي ليس في مكوناته الفكرية مكان للثقافة.
(كتابات) في رأيك هل سيكون للثورة العراقية تأثيرات على الثقافة والفن سواء في الداخل أو الخارج؟ وما توقعاتك بشأن الثورة العراقية؟
– أتوقع منها الكثير، لأن الشعب انتفض الآن بسبب إداركه بأن القوى الحاكمة تتاجر بالدين كما تاجرت القوى القومية واليسارية الأخرى بالوطنية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية.

السبت، 22 فبراير 2020


باريس عبر النافذة ، 1913 من قبل مارك شاغال
(ترجمة بتصرف)
كتب شاغال في سيرته الذاتية "باريس!"، "لم تبد أي كلمة أحلى بالنسبة لي!" بحلول عام 1911، عندما كان عمري 24 عامًا، كان هناك، وذلك بفضل راتب قدره 40 روبلا شهريًا من أحد الأعضاء الداعمين في مجلس الدوما الاختياري الروسي.
بعد انتقال مارك شاغال إلى باريس من روسيا في عام 1910، سرعان ما أصبحت لوحاته تعكس أحدث الأساليب. في فيلم "من خلال النافذة في باريس"، أصبح الدين ديون شاغال للتكعيبية الاورفية لروبرت ديلوناي واضحًا من خلال الشكال المتداخلة نصف الشفافة ذات اللون الزاهي في السماء فوق المدينة. كان برج إيفل، الذي يظهر في مشهد المدينة، موضوعًا متكررًا أيضًا في عمل ديلوناي. بالنسبة لكلا الفنانين، كان بمثابة استعارة لباريس وربما الحداثة نفسها. قد تشير تجارب شاجال هذه أيضًا إلى التجربة المعاصرة، حيث حدثت القفزة الأولى الناجحة في عام 1912. وتشير الأشكال الأخرى إلى الفنان الأصلي فيتبسك. هذه اللوحة هي نسخة مكبرة من عرض نافذة في صورة ذاتية رسمت قبل عام واحد، حيث قام الفنان بمقارنة مسقط رأسه بباريس.


تمت قراءة العمل (باريس عبر النافذة) بقيام الفنان بالنظر غربًا إلى منزله الجديد في فرنسا، وشرقًا إلى روسيا. ومع ذلك، رفض شاغال التفسيرات الحرفية لرسوماته، وربما كان من الأفضل التفكير فيها كإثارة غنائية، على غرار الشعر البلاستيكي الملموس لأصدقاء الفنان بليز سيندرارز (الذين أطلقوا على هذه اللوحة الفنية) وغيلوم أبولينير.
بعد سنوات من رسم شاغال "مشروبات الجندي"، ذكر أنه استلها من ذاكرته المليئة بصور الجنود القيصريين الذين تم تهجيرهم مع عائلاتهم خلال الحرب الروسية اليابانية التي دارت بين عامي 1904 و1905. يشبه الرجل المجند في الصورة، مع إبهامه الأيمن الظاهر من النافذة، وإصبعه الأيسر الذي يشير إلى الكأس، الرجل ذو الوجهين في (باريس عبر النافذة) حيث يتوسط كل منهما عالمين داخليين مقابل الخارج الفضاء، الماضي والحاضر، وهمي وحقيقي. في لوحات كهذه، من الواضح أن الفنان فضل حياة العقل، والذاكرة، والرمزية السحرية على التمثيل الواقعي.

الرسام هاني مظهر ..




الصـــــــــــور الأولــــــــــــــــى

في مقال سابق لي عن الرسام العراقي المغترب في لندن هاني مظهر ، وكان بعنوان (تجربة الرسام العراقي هاني مظهر .. يتجاذبها مستقطبان رئيسيان من الفن الرافديني) افترضت بداية وجود مايشبه النظام الجيني الذي ينقل مورثاته من العام الى الخاص في التجارب الفنية، اي من الحركة العامة في الفن لتنتهي مستوطنة التجارب الفردية، فافترضت انتقال جينات الفن الرافديني القديم إلى جيل الفنانين المعاصرين وتحديداً الرسام هاني مظهر، وأهم هذه الصفات الثقافية الموروثة هي توحّد السماويّ والأرضي في ذات التجربة ، فلقد استند الفنّ العراقّي السومري إلى نظرة دينية شاملة للكون ... وكما يقول أنطوان مورتكات ، ويؤكد بأن(روح ذلك العصر امتزجت فيه المادة والروح أحدهما بالأخرى) ... بل أنهما راحا منذ البداية يوطّدان طابع الفن السومري في الصورة المنفردة وفي تركيب الأشكال أيضاً، فلقد استمرت الصفتان الأساسيتان تتصارعان في الفن العراقي الرافديني القديم وعلى مر العصور.
فجاءت تجربة هاني مظهر متجاذبة من ذات المستقطبين الرئيسين للفن الرافديني، وهما يشكلان عنده معاً البؤرة المولدّة لكل إبداعاته، فقد شكَّل المقدس( الإلهي، السامي، الشعريّ، الخيال المطلق) والأرضيّ ( الحّسي، عالم المشخّصات بما فيها من أشكال وعلامات ) عناصر (ميزانسين) لوحة هاني مظهر، وذلك تبعاً إلى درجة الشدّ التي يمارسها أحد هذين المستقطبين، حيث يفرض كل منهما طبيعة عناصر اللوحة عنده، فيقترن المقدس بالتجريد في درجاته المتطرفة (العماء اللوني)، بينما يجرّ الأرضيّ اللوحات إلى الموجودات الأرضية المشخصة ، وتدخل ضمنها العلامات ومنها الهندسية.
فكان يستعين بتقنية الإشارات العشوائية في إعادة ترتيب وموازنة عناصر اللوحة وبالتالي نقلها من مستوى لأخر، من الشعريّ( التجريد) نحو الأرضي (التشخيص) ، أي من الباطن (العماء) إلى الظاهر من خلال إجراء عملية الانقطاع التي وصفناها في مقال سابق عنه ، والتي يخلقها البياض المضاف إلى اللوحة ، وهو ما يوفر فرصة لاستثمار تقنية حقل الإشارات العشوائية مترامي الأطراف من المتعرجات ، وإن لم تكنْ تلك التقنية كافية، فستكون نتيجتها توفر الشروط اللازمة من أجل تحقّق فعاليّة العلامات باتجاه تشكل تكوينات خطية، قد تحدث بصفة عرضية، ولكنها في النهاية توصي وتؤدي إلى ظهور أشكال لا تحتاج سوى إلى إضافة لمسات طفيفة من الخطوط لتتحول إلى مشخصات ( أشكال أرضية) من خلال تحقق الاندماج الشكليّ كنتيجة أخيرة، فيبدأ هاني مظهر بإضافة إشارات ( علامات) هي مرحلة وسط بين العماء وبين التشخيص، ونقصد بتلك العلامات بعض الأشكال الهندسية، والإشارات الكتابية، كالمثلثات والدوائر والحروف والإشارات المرافقة لها، والأرقام والخطوط والنقاط ومجزءات كل تلك العلامات، وبذلك يحتكم هاني مظهر في النهاية إلى الجانب العقليّ من الرسم، والذي يعود باللوحة إلى سماتها الأرضية ( الحياتية) المفقودة فتغزو العلامات المشخصة أخيراً سطح اللوحة وعمائها اللوني .
الا انني الان بدأت ااقرأ هذه القضية بشكل اخر ، وهي انها قوة وحركة بندولية تتأرجح بين جاذبين رئيسين هما: مشخصات الواقع من طرف ، والمعطيات المجردة (=السحنة اللونية والشكل الهندسي واللامشخص) في طرف مناقض، فكان بندول تجربته يتأرجح تارة صوب المماثلة (الحرفية) مع مشخصات الواقع وتارة صوب لوحة تتسيدها الدلالات التعبيرية للون دونما وجودٍ محسوس لأية علاقة مشخصة، سوى تلميحات هندسية، ذلك راجع برأينا الى تشبّع الرسام هاني مظهر بأشكال المشخصات وتوفره على مقدرة لونية عالية تجعل تجربته في حنين دائم لتلك العناصر، فرغم محاولاته المستمرة لابقاء خيط رفيع يربط اشكاله بمشخصات الواقع الا انه يبقى رساما تجريديا متمكنا ، تهيمن على لوحته اشارات ليست مشخصة ولكنها ذات طبيعة هندسية يحاول ان يجعلها مهيمنة شكلية في بناء لوحته، وكأنما كان يحاول التخلص من انطباعاته الذاتية وشحنها بعناصر معرفة (موضوعية) تكبح جماحها، وبذلك فهو، حتى وان اتخذ (اشكال) الواقع، وغالبا ما تكون هندسية، فانما يقدمها عبر مسبقات يقينية، كما يسميها باشلار او من خلال (هندسة ملموسة) على حد تعبير meny ،وبهذا يعكس هاني مظهر رغبة متطرفة وخفية في (تهندس الرؤية) وهو ما دفعه الى البناء على (بلورة هندسية)، تماما مثلما يبني هاشم حنون وفاخر محمد تجربتهما في الطرف الاخر من التجريد على ( بلورة مشخّصة)، وغالبا ما تكون تلك البلورة الهندسية، عند هاني مظهر، مثلثا مقلوبا (قد يمكن الانتباه الى دلالاته الانثوية والجنسية في لوحة هاني مظهر ، كما قد يمكن التذكير بدلالاته الخصوبية كما هو عند هناء مال الله)، هذه البلورة الهندسية تهيمن لونيا وتكوينيا على طوبولوجيا اللوحة غالبا، وبذلك يؤنسن هاني مظهر اشكاله المجرّدة والايحاء بشخصنتها من خلال استلالها من الشكل المشخص، بذلك فقد ترك الباب مواربا للعودة ثانية الى (الصورة المادية) التي تحقق ارضاء سريعا للنفوس التي تبحث عن ضالة مشخصة، فكان هاني مظهر يتعامل مع تلك (البلورات الهندسية) باعتبارها (الصور الاولى) حيث الرياضيات الغامضة التي تتسم بالافتقار الى الوضوح الشكلي الكافي ، انه اذن يلجأ الى نمط من هندسة مبسطة و(مشاعة)، تبحث عن (بساطة جوهرية) هي ما يبحث عنها الرسام ذاته، فتنتهي اليها تجربته حيث تستعاد اشكال الواقع من خلال اصغر عناصره الهندسية التي تشكل حدا كامنا في النفس الانسانية في مراحلها (القبعلمية) حيث الصور الهندسية شديدة الاغواء للحواس، وحيث يتم النظر لأية اشكال مغلقة باعتبارها اشكالا طوبولوجية مغلقة كما يقرر ر. روجرز، لتشكل (بقعة) لونية تشكل بدورها (كميات ممثولة) هي في منزلة ما بين الملموس والمجرد يشتغل العقل فيها للوصول الى درجة من التوفيق بين (الرياضيات) والهندسة، بين القوانين والوقائع، فينجذب الفكر نحو( بناءات) اكثر تجريدا مما هي واقعة، نحو (حقول تصورية) تتقبل التمثل الهندسي، الذي لم يصل الى حدود التجريد الرياضي، وبذلك تثبت العقول البشرية ، مهما توغلت في الاستنارة، ان ظلالا من اثار الانسان القديم ما زالت تسكننا، بل وتسكن حتى ارقى العقول تجريدا.
يتأرجح بندول تجربة هاني مظهر، وهو في بحثه التجريدي في ثلاثة اقانيم مختلطة ومتواشجة تماثل المراحل الكبرى في تحول العقل البشري نحو التجريد وهو ما فصله باشلار بعمق حينما شخصها بأنها: الحالة الملموسة ، حيث يتلهى العقل بالصورة الاولى للظاهرة، ثم الحالة الملموسة المجردة حيث يضيف العقل من عندياته الرسوم الهندسية مستندا في ذلك الى (البساطة)، واخيرا (الحالة المجردة) حيث يباشر العقل بمعالجة المعلومات المأخوذة طوعا من حدس الميدان الواقعي والمنفصلة طوعا عن التجربة المباشرة، فكان هاني مظهر يتنقل بيسر خلال هذه الاقانيم منذعقود.











الاثنين، 17 فبراير 2020



الخزاف حازم الزعبي





        البساطة الاولية .. 
                  والصعوبة التجريدية

"العمل الفني حوار بين المبدع وأداة التعبير الخاصة به" (جاكوب كورغ)




خالد خضير الصالحي

 يحاول الخزاف الأردني حازم الزعبي أن يجسد , في قطعه الفخارية , أهم الصفات الجوهرية لفن الفخار , تلك الصفات التي وضعها الناقد البريطاني ( هربرت ريد ) في طرفين قد يكونان متقابلين , أن لم يكونا متناقضين هما : ( البساطة الأولية ) و ( الصعوبة التجريدية ) , حينما يقول : (( الخزف ابسط الفنون جميعاً بسبب كونه أكثرها أولية , كما كان اشدها صعوبة كونه اكثر تجريداً )) (1) , فأعمال حازم الزعبي ترتكز في قوتها التعبيرية على الطاقة التعبيرية للمادة ذاتها باعتبارها المهيمنة الأعظم , حيث تكمن طاقة العمل الفني التعبيرية في شيئية الطين , وفي قدرته الكامنة على التعبير , وهي قدرة خالصة ومتحررة من كل رغبة في تقليد مشخصات الواقع , فمع أن الفخار فن تجسيمي , فهو من وجهة نظر ( هربرت ريد ) , يكون بأكثر معاني التجسيم تجريدية , فمن خلال المعالجة التقنية لمادة الطين بالنار والاكاسيد والألوان والتزجيج , تنبعث الطاقة التعبيرية كناتج أصيل لتفاعلات تلك العناصر وبذلك يكون الفخار شأنه شأن (( كل صيغ المعرفة والتعبير , تحتوي على طاقات خلاقة كبيرة لا مناص لها من أن تتدخل في تركيب المادة التي تعالجها )) (2) , وحيث يتم إنتاج ما يسميه جاكوب كورغ ( العالم التصويري ) طبقاً لمبدأ مستقل ليس هو الا متيريالية المادة ( شيئيتها ) .
  شيد حازم الزعبي منجزه من أنماط ( متباينة ) من الخزفيات هي : الجداريات والأدوات الاستعمالية و المنحوتات المفخورة , ولكل منها سمات تتفرد بها عن الأنماط الأخرى من خلال اقتراب القطعة الفخارية من إحدى الثنائيتين اللتين تقفان متعارضتين يتجاذبان السمة التعبيرية وهما : الجاذب البصري والجاذب النفعي , و أولهما يقع في المنطقة الجمالية الشعرية , بينما يقع الثاني في المنطقة الاستعمالية والنثرية و أحيانا الإيديولوجية .

 

 





   منحوتات الطين المفخور


             أنجز حازم الزعبي عدداً من المنحوتات الطينية المفخورة , وهي منحوتات تعبيرية قد لا تنتمي سوى إلى آليات فن الفخار , فهي تنتمي إلى فن النحت المعرض للنار بعد إنجازه , فهي ليست الا منحوتات طينية مفخورة تتصف بهيمنة المشخص (الشكل الإنساني) عليها , أنها شخوص يشخصون بقاماتهم فارعة رغم الألم وآثار المآسي البادية عليهم من شقوق , و رضوض , وكدمات , و أسلبة وتحوير في الشكل الطبيعي للبشر , وبذلك يكون هذا النمط اكثر أعمال الزعبي التي يوظف فيها البصري لخدمة ( النثري ) , فلا تعود تنتمي إلى فن الفخار سوى بمادتها ( الطين ) , وهذه المادة ليست قاصرة على فن الخزف , سوى بآلية إنتاجها باستخدام الفرن الحراري .








قطع استعمالية

 يحاول حازم الزعبي جهده تعطيل نفعية الخزفيات التي تبدو مهيأة لمختلف الاستخدامات النفعية واقصارها على أن تكون عملاً فنياً مهيئاً للعرض فقط , أي تكريس فعاليتها البصرية من خلال تكريس التقنية العالية في الأشكال والمعالجات المتيريالية ( تشيؤ المادة ) .

 


الجداريات الخزفية


 أنجز حازم الزعبي أعدادا وفيرة من الجداريات الخزفية وهي خزفيات تشكل قطيعة مع تاريخ فن الخزف , وتشكل توجهاً مضافاً لجهود عدد من أهم الخزافين العرب  كـ ( سعد شاكر ) و ( طارق إبراهيم )  وغيرهما في التخلص من طغيان (النوع) وقواه المسيطرة , تلك القوى المعيقة التي تمنع المنجز من ان يشكل قطيعة مضافة لكتابة تاريخ النوع من خلال الصدام الخلاق الناشئ بين توجه المبدع وقانون النسق مما يؤدي بالنتيجة إلى تحقيق ( لهجته الفردية IDIOLECT    ) ضمن النسق وهو ما نجح به أولئك  الخزافون الكبار ومنهم ( حازم الزغبي ) .   

بيليوغرافيا :
  1. 1957 ولد في اربد
  1. 1982 تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد
  2. 1993 راس جمعية التشكيليين الأردنيين