السبت، 20 فبراير، 2016

ستبقى أخي شاكر رزيج حيا في ذاكرتي
حين نعى اتحاد الشطرنج العراقي الشطرنجي والكاتب والرسام العراقي شاكر رزيج، أحسست ان كل قناعاتنا (الراسخة) بالحياة هي محض وهم ليس إلا، وان القوانين المجحفة للموت لا تدع مجالا للشك بأنها ليست عادلة تماما فهي تطال، دونما مبررات، و حتى دونما مقدمات ، من لا يستحق الموت ، فقد كانت حساباتي ان (أبا صفاء)، الدافق بالحياة، بعيد إلى درجة كافية او مأمونة من الموت، فهو مازال ينتج الثقافة ويتواصل بالكتابة ويتابع نتاجات أدباء على مساحة مكانية وزمانية واسعة، (وبذلك) فقد كان عندي بعيدا عن الموت مسافة ، فذلك الدفق والفعالية كانت برأيي حصانة كافية له ضد أحكام الموت الجائرة.
فقد كان ذا مواهب متعددة رغم تقدمه بالعمر: فقد كان شطرنجيا متعدد الاهتمامات، ورساما ذا أسلوب متفرد، وكاتبا يتابع آخر نتاجات الأدباء والقصاصين والرسامين، ويكتب عنها في الصحف العراقية والمواقع الالكترونية، فكان في ذلك ذا أسلوب نقدي يتابع دقائق نتاجات المبدعين بمسؤولية وحرص، وكان يدافع عن كتاباته وعن مسؤوليته في الحفاظ على مستوى لائق يحفظ الكتابة من الهبوط او التعالي على المتلقي.
كان دائما يؤملني انه سيرتب أمر استضافتي لألقي محاضرة عن الفن التشكيلي في السماوة وكنت امني النفس في ذلك ولكن لم يدر في فكري انه سيدعوني بهذه العجالة لأحضر وداعه الأخير واكتب (آخر) الكلمات عنه، وهي كلمات بدت شحيحة هذه اللحظة من هول صدمتي بوفاته.
تذكر أخي شاكر إننا كنا متحيرين من منا سيكتب نعي الآخر واني أراك الآن تنصلت من ذلك وألقيت ذلك على كاهلي، وأنا لا أجد نفسي كفوا لذلك؛ وكما كتب ماركيز حينما صار قريبا من الموت “البشر مخطئون لو ظنوا أنهم يتوقفون عن الحب عندما يتقدمون في السن، في حين أنهم في الحقيقة لا يتقدمون في السن إلا عندما يتوقفون عن الحب” اثبت أخي شاكران البشر لا يتوقفون عن الكتابة حينما يموتون فهذه نصوصك ستبقى تقول ما أردت لها ان تقول، اثبت ان الناس يموتون فقط عندما يتوقفون عن الكتابة وهم أحياء…
آه يا شاكر….
“لو كنت أعرف أن هذه هي المرة الأخيرة التي أراك فيها تخرج من الباب لكنت احتضنتك ، وقبلتك ، ثم كنت أناديك لكي احتضنك وأقبلك مرة أخرى.
لو كنت أعرف أن هذه هي آخر مرة أسمع فيها صوتك لكنت سجلت كل كلمة من كلماتك لكي أعيد سماعها إلى الأبد .
لو كنت أعرف أن هذه هي آخر اللحظات التي أراك فيها لقلت لك ‘أنني أحبك’ دون أن أفترض بغباء أنك تعرف هذا فعلاً ..”
لكنك ستبقى أخي شاكر رزيج حيا في ذاكرتي،
ويقينا ستبقى كذلك في أذهان الكثيرين من محبيك،
ستبقى حيا في ذاكرتي ما حييت…

الرسام صدر الدين أمين يؤسس تجربته من تواشج بساطات ثلاث: شكلية ومادية وتقنية



نسق فني (خارج ثقافي the outsider art)
مثلما اجمع النقاد عندنا على ان (التعبير عن الروح المحلية) او الفولكلور العراقي هو جوهر تجربة الرسام فيصل لعيبي، لم يكن صدر الدين أمين، الفنان العراقي المغترب ليخرج كذلك عن توصيف اجمع غالبية النقاد عليه، حينما كانوا يصفونه بأنه فنان بدائي، لكن ما يثير الغرابة حقا أنهم لم يكونوا يكترثون إلى أهمية تبرير حكمهم، فلم يعرض اغلبهم أسباب مسلّمتهم هذه، وكان ذلك راجع على الأغلب بسبب ما يرونه من درجة الهوس التي كان يبديها الرسام صدر الدين أمين بالمحيط، والبيئة، وموجوداتهما من الكائنات التي يتخذها وسيلة بصرية بهدف الكشف عن المعطيات الجمالية الكامنة في ثنايا الكيان المحيطي
بصفته موضوعه الأثير وربما الوحيد، بينما تشكل لقى ذلك المحيط بوابة الفنان إليه، وهي بوابة ذات اتجاه نسغي ارتدادي، يبدأ من ذات الفنان نحو لقى المحيط، ويعود إليها؛ مما يؤكد اعتبار تجربته واحدة من التجارب التعبيرية ــ التجريدية العراقية التي تستلهم المحيط، وتحاول أن تَسِمَ ما تضمه من لقى المحيط بالقناعات الشكلية التي يؤمن الرسام صدر الدين أمين بها، والتي يبني وفقها منظومته الشكلية، ففي الوقت الذي آمنت فيه أعداد غفيرة من الرسامين العراقيين ان موضوع اشتغالها مستحثات الجدران العتيقة، فاتجهوا إلى تلك الجدران يستقرئون مستحثاتها الشكلية في السطوح التي يستنطقونها، ويجرون بحوثهم الأركولوجية عليها؛ لاكتشاف كوامنها الإشارية والعلاماتية، ومعالجة نسيجها، وإجراء تجاربهم عليها، باعتبارها مقطعا عرضيا، او شريحة نسيجية تحمل واقع الحياة الإنسانية في اصغر تفصيلاتها، من خلال اكتشاف مخلفاتها التي تشكل أثرا لمرور إنساني ترك إشارته على سطح المحيط: كتاباتٍ وآثاراً وحزوزا، ولكن صدر الدين أمين لم يرغب في تتبع آثار أولئك الرسامين وسواهم، فاتجه متجها داخليا حينما بدا يملأ سطح لوحته بكل ما حملت ذاكرته من كائنات عايشها طويلا؛ فاندغمت؛ وصارت جزءا من وعيه بالشكل في تداخله مع الطبيعة؛ فظهرت لوحته وهي تضم حشدا خليطا من البشر الذين يرتدي بعضهم أقنعة، ويضع بعضهم قروناً كما كان القدماء يرسمون السحرة على شكل شامانات، او حيوانات خرافية تمتزج أشكالها بحشود لا حصر لتنوعها من: اسماك، وقطط، وثعابين، وسلاحف، وطيور، و أقمار، ونجوم، وشموس، ونباتات، وزواحف، وأشجار، وورود في كرنفالات تشترك فيها كل هذه الجموع، لتمثل هذه الحكايات والأساطير معينا أساسيا في تشكيل البنية الثقافية المستمدة من الميثولوجيا الشعبية لمناطق الغابات الجبلية في العراق والتي أعاد صدر الدين أمين صياغتها من خلال فن عالي التقنية والصياغة البنائية.
كانت موضوعاته مليئة بالتماعات البراءة وسلطتها على الأشياء، غير عابئة بردود الفعل حول مدى التوافق بين تصوراتها وبين حقيقية تلك الأشياء، فمهما تكون الفكرة (ساذجة) بمعنى فطرية، او بمعنى أدق ان تكون خارج النسق الفكري (الحضاري) المهيمن؛ فإنها تشكل جوهرا رفيعا وحرا للمخيلة، نعده من مكملات الوعي (العقلاني).
فكانت الحكايات والخرافات والمعجزات والسحر تعبيرا عن حلم الإنسان وعن هدفه العظيم وكانت تلك الفنون (الخارج ثقافية) ” نمطا من الجمال النابع من السجية التي لم تشوهها الأحداث والنظريات وتقنيات الثقافة فتدثرت بدثار البساطة والعمق” فكانت هذه التجارب الفطرية متجاوزة لكل القيم المقبولة والمحظورة معا فيما يخص القواعد التي تموضع عليها الفن الرسمي المنتمي إلى قيم الثقافة؛ فكانت تسحر بموادها وتقنياتها وأشكالها المتجاوزة، وكانت فنونا تضرب بجذورها في عمق اللاوعي الجمعي البشري والفنون ( البدائية) والشعبية وفنون الأطفال والمرضى العقليين وقبلها فن الكهوف وفن الأقوام (غير المتحضرة) وهي كلها تستمد قيمها من البساطة الشكلية والمادية والتقنية في (نسق قيمي) تحتل فيه هذه البساطات الثلاث المرتكز الأساس من خلال تواشجها مع بعضها دونما انفكاك، ودونما قواعد مفروضة خارج هذه البساطات الشيئية.
يبدو ان قناعة صدر الدين أمين كانت تتجه في منجزه الأخير نحو تكريس إشارات المحيط باعتبارها أيقونات، على تنوعاتها الشكلية ومكونات أساسية في بناء العمل الفني؛ لأنه لم يكن يهدف إلى استضافة (المرجع) ليستنسخه بأية درجة كانت من التفاصيل على سطح اللوحة؛ فنسخ الشكل لم يكن من أهدافه بل “ترجمة الإدراك فنياً، أي تدمير المحيط نفسه لصالح ولادته الجديدة على سطوح التصوير”، وهو وعي يضمن تحرر منجزه المتحقق من خلال تشفير وتحوير أشكال المرئيات، فهو بالمقابل يؤسس نظاما تحكمه قوانين اللوحة أكثر مما تحكمه قوانين الواقع، فلم يكن يكترث لأية مركزية شكلية؛ فهو لا يحاول ان يقنن تدفق الأشكال الذي ينهي أية فاعلية للقوانين الاقليدية للمكان، ورغم ان صدر الدين أمين كان ينشئ نصا دونما مركز إلا انه حينما يترك كائناته تسيح على سطح اللوحة دونما ضوابط كان يدرّع أشكالها (البسيطة) فكانت تحاول عزل نفسها شكليا لتتخذ شكل (خلايا) مغلفة بجدار سميك أسود مغلق يعزلها عن العالم الخارجي المليء بالكائنات الأخرى التي ربما كانت تتصف بالعدائية، وبقدرتها على التهام بعضها بعضاً دون وجود ذلك الجدار، ربما هو إجراء دفاعي من الرسام ذاته بهدف تحصين أشكاله وعزلها قيميا من خلال عزلها شكليا عن المحيط، خوف ضياعها في هذا الخضم الهائل من الأشكال السابحة على سطح اللوحة كما تسبح الحجيرات في سائل موضوع تحت المعاينة المجهرية، انه حقل مترامي الأطراف من أشكال مشخصة تؤكد نزوعها والأدق تؤكد نزوع الشكل نحو أزله العلاماتي، الأشد بساطة من الناحية الشكلية والذي يختزلها إلى نظام بعدي هو بشكل ما نظام أقل من بعدين، نظام يتجاوز الخط (كبعد واحد) ولكنه لا يصل إلي حالة التشكل فهو محاولة للعودة إلي الوجود الجيني للشكل أو (الوجود الحجيري) لشكل الكائنات فلا يعدو ان يكون شكل الطير هنا أكثر من شكل يشبه حرف (ي)، ولا تكون الشمس إلا دائرة يخرج منها الضوء بشكل خطوط قصيرة تستقر على محيطها وهكذا.
إن الانقطاع الواقع بين أشكال الرسام صدر الدين يجعلها تقصر فن الرسم على انطباعات بصرية مفردة، تحقق وحدة واندماجا يستحيل أن يحققها الأدب القادر على تحقيق تتابعات حكائية وبذلك ينتهي البعد الاستطرادي والبنية الخطية، فلا وجود لذلك النظام الأرسطوطاليسي في التتابع عند بناء اللوحة في هذه التجربة إنها بنية متشظية لا مركز لها حيث تتناثر الأشكال فيها لتملأ سطح الفراغ، ملونة ومحاطة بخط (حقيقي) سميك أسود، وكأننا أمام نص تعويذة تعود إلي أبجدية صورية غائرة في القدم، أمام نصوص لا يمكن فك معانيها لافتقارنا إلى معرفة قواعد أبجديتها، أو أمام صور رسمها عقل طفولي لم تلوثه الحضارة باكتشافاتها ومعارفها، فلم يزل يرسم بأسلوب (عين الطائر) حيث تظهر كل الموجودات معاً دون أن يحجب أي منها الآخر، وخلال منظور ذي بعدين تتخذ فيه الأشكال ما يرغبه الرسام او ما يفكر فيه لا ما يراه وهو الجوهر الذي بدأ به الرسم تاريخه وانتهى إليه.
تتواشج بنيتا اللون (=المادة)، والأشكال المنعزلة، والتقنيات المادية، في جوهر اللوحة التي يرسمها صدر الدين أمين، فرغم اتخاذ كل شكل وحدة قائمة بذاتها، إلا أن تواشجاً قد نشأ بينها وبين (السائل) الذي تسبح فيه وهو ما يمنحها وحدة شكلية نصية صورية دوّنها آلافٌ من البشر الذين مرّوا أمام كهف الرسام فسجلوا علاماتهم؛ وبذلك كانت أعمال الرسام مقاطع من جدران عشرات الكهوف الملونة بألوان زاهية ذات روح طفولية تلقي بظلالها على منجزه من الناحية التقنية أيضا.
يمتلك الفنان صدر الدين وعياً شكليا يمتلكه القليلون، وعيا جوهريا في تأسيس فهم فن الرسم على بنية (مكانية ــ صورية) أي طوبولوجية، وعيا بصريا جمع في ثنايا ذاكرته ذخيرة ضخمة من أشكال (عناصر) المحيط القابلة للاستيعاب، وتكوين الصورة وفق عملية انتقائية داخلية تخضع لعملية تحولية من الأسلبة الملازمة لكل حركات الفن باتجاه تكريس وجود الموضوعة الدالة التي تنطوي على الجوهر الشكلي الكامن في قلب الرؤية حيث ظل ذلك الجوهر كامنا رغم كل التحولات التي تبدو وكأنها ستنال من وجوده.
ان بساطة العناصر البنائية (العناصر الشيئية) للوحة صدر الدين أمين: الشكل والمادة والتقنية تذوب في (نسق قيمي)، هذه العناصر الثلاثة من خلال تواشجها مع بعضها دونما انفكاك، ودونما قواعد مفروضة خارج هذه البساطات الشيئية، تشكّل الطابع الأهم الذي يسم تجربة هذا الرسام بأنه رسام بدائي او فطري او برأينا فنان (خارج النسق الثقافي) لفن الرسم (the outsider art).

الأحد، 10 نوفمبر، 2013

فن الرسم العراقي

ملاحظات ومقاربات



خالد خضير الصالحي

العـــــراق – البصـرةKhkhiraq@gmail.com


1

تفتقر الكثير من الكتابات التي تندرج عندنا تحت مسمى النقد التشكيلي لفن الرسم إلى ما يؤكد مسمى النقد فيها، والأمر الأهم المفتقد برأينا هو المقاربة الأمثل التي يتم بها تلقّي فن الرسم، وهي المقاربة الشيئية او الملمسية او المادية، وان ابرز من نبه إلى هذه المقاربة، في الكتابات العربية على حد معرفتنا، الناقد التشكيلي العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد، ورغم ذلك فلا يمكن إنكار ان مقاربات التلقي لفن التصوير بمختلف أنماطه، تتفرع إلى نمطين رئيسيين هما: مقاربة تعنى بالموضوع المنجز، وتلك مقاربة تسود حينما تتراجع شيئية العمل الفني إلى مرتبة ثانوية من الفاعلية، وهو ما يحدث في تناول فن الفوتوغراف أكثر من اللوحة المرسومة حيث تتراجع شيئية الصورة الفوتوغرافية إلى مستويات متدنية مقارنة بمادية اللوحة الفنية التي تهيمن على بنية اللوحة وبالتالي مقاربات تناولها، وهي مقاربة ملمسية تعنى بالمادة وتقنيتها فقد "ذكر مؤرخ الفن اليوس ريغل ان احد أنواع الإجراءات الفنية الذي يتوافق مع نوع بعينه من أساليب المشاهدة ينبني على تفحص الأشياء وإمعان النظر في خطوطها الخارجية، وهذا المسار يطلق عليه ريغل البَصَري، أما النوع الآخر للرؤية الذي يركز على الأسطح ويشدد على قيمة الجوانب الداخلية للموضوع، فيطلق عليه ريغل اللمسي او الإدراكي haptical ... ففي مستوى الخلق الفني، تنتج النظرة البصرية – في حال انتماء العين للرسام – الخطية والزاوية في حين تعنى الخلاقية اللمسية او الإدراكية بالأسطح. ووفقا لصيغة ريغل، يمكن تجميع مجمل الأشكال الفنية تحت عنوان الخطوط الخارجية و، او، اللون في المستوى والحجم. العين البصرية تعمل ببساطة على مسح سطح الأشياء أما اللمسية او الإدراكية فتسبر الأغوار لتجد متعتها في النسيج الداخلي، في المنظور اللمسي، تغدو الرؤية شكلا من أشكال اللمس" (الثقافة الأجنبية العدد 4 السنة التاسعة والعشرون 2008).

2

في تناولي لأشكال الرسام العراقي المقيم في بنسلفانيا صدر الدين أمين تقفز إلى ذهني المقاربة الموضوعية، وهي مقاربة تعنى بمقارنة بين الأشكال في الطبيعة، والأشكال في فن الرسم كذلك، فقد كان صدر الدين امين ينتقل بيسر بين (أحواض) الأشكال ليشكل لنا من هذه المصادر المتعددة أشكالا فوضوية في بنائها الداخلي (تقلق) المتلقي وتجعله يقف متسائلا عن فحوى هذه الأشكال (= الكائنات)، فكان ذلك الرسام يعيد إلى ذهني دائما العودة إلى ما طرحه عالم الرياضيات (رينيه توم) في سعيه لشرح نظريته في (الكارثة الطوبولوجية)، يقول (رينيه توم) "بوسعنا ان نميز صنفين كبيرين من قولبة الأشكال غير الثابتة، كل واحد منهما يقع في احد طرفي الموشور المستمر: الصنف الأول: أشكال لا شكل لها بسبب بنائها الداخلي المعقد جدا، فهي أشكال فوضوية ولا تخضع بيسر للتحليل، أما الصنف الثاني فهي تلك الأشكال التي تشتمل على عدد من الأشياء التي يمكن التعرف عليها غير ان تكوينها يبدو تناقضيا او غير اعتيادي، مثال على ذلك الكيميرا chimera ، وهي كائن أنثوي خرافي في الميثولوجيا اليونانية لها رأس أسد وجسم شاة وذنب حية وتقذف من فمها نارا، وغيرها من الكائنات الغريبة, والأشكال غير الثابتة التي تنتمي إلى النمط الثاني هذا، وهي الأشكال المتفرعة التي تقع نقطتها التجسيدية على العتبة بين حوضين او أكثر من الجاذبية، وان ظهورها يتذبذب دائما بين الجاذبين المجاورين، وتأثير ذلك هو إقلاق المشاهد وإزعاجه، تلك التقنية التي يعرفها الرسامون السورياليون ويستغلونها" (ر. روجرز، الشعر والرسم، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 1990، ص134).

3

روى الرسام ضياء العزاوي في ملف أصدرته عن النحات والرسام الراحل إسماعيل فتاح الترك إحدى المجلات العربية، بان الرسام الراحل كاظم حيدر علق على المعرض الشهير الذي أقامه إسماعيل فتاح الترك عام 1965، بعد عودة الترك من الدراسة في روما، بأنه، أي كاظم حيدر، لو حبس في غرفة لليلة واحدة لأنجز معرضين مثل معرض الترك، ولم يوافق ضياء العزاوي وقتها على ما قاله كاظم حيدر واعْتبَرَ ذلك انتقاصا من قدرة الترك، إلا أنني، في موضوع نشرته عن الراحل الترك، نظرت إلى الموضوع من زاوية واتجاه آخر، ووجدت ان كاظم حيدر كان (محقا)، كما وجدت ذلك لم يخلّ بمكانة الترك ورفعة إبداعه، وان جوهر القضية لا يتعلق بموقف او رأي لكاظم حيدر بمكانة الترك، بل بمفهوم وفلسفة كاظم حيدر والترك بفن الرسم والمقاربة التي ينظر كل منهما عبرها إلى فن الرسم، وبذلك يختلفان جذريا في أسلوبهما المتناقض في بناء اللوحة، فلم تكن اللوحة عند كاظم حيدر بناءً شكليا فقط، بل ومخططا فكريا تهيمن فيه (الدلالة) وعلى وجه التحديد (التعبير عن الروح المحلية) الذي كان من الصعب على التشكيليين القفز فوقه في ظل هيمنة النقد الذي يروج لهذا الاتجاه وهيمنته على الكتابة في هذا الحقل وعلى المنجز التشكيلي العراقي برمته، وتشهد بذلك أعماله في معرض ملحمة الشهيد الذي أسميته مرة: "(آنسات أفنيون) الرسم العراقي"، باعتباره (العمل) الذي احدث اكبر تحول في الرسم العراقي الحديث، حينما افتتح (معرض الشهيد) عصر الستينيات بعد ان ختم نصب الحرية لجواد سليم، عصر الرسم العراقي الخمسيني، او شكل النهاية المنطقية لذلك العصر، فانتقل، في هذا المعرض، مركز الثقل إلى (السطح التصويري) باعتباره "أهم مستوى من مستويات الوجود الفني"، وحيث صارت الأولويات تنطلق من، وتعود إلى "إعادة تجريب إنتاج المرئي بصور مختلفة... والاهتمام بالمادة التي يٌنفّذ بها العمل بعفوية وتلقائية وجرأة" فكان الوعي الرؤيوي للستينيين هو (الوعي المتجاوز) ذلك الوعي الذي يحاول البدء من جديد في كل مرة من خلال وعي عال بمعالجة المادة باعتبارها " رؤية بحد ذاتها ".
لقد كانت نظرة كاظم حيدر للوحة، باعتبارها بناء فكريا يستغرق وقتا طويلا للانتهاء منها، وهي نظرة تنتمي إلى كلاسيكيات فن الرسم رغم أشكاله الحداثية، وتنتمي إلى (حكائيات) روبنز وانجيلو ودافنشي، وكل اللوحات (القصصية) التي كانت تستلهم القصص المقدس، بينما تنتمي رسوم الترك إلى فهم مختلف تماما، فمثلما لم تولد لوحات فرنسيس بيكون وجاكسن بوللوك "من ساعات طويلة من التفكير في موضوع، ولا رسمت من نقاش، بل كانت تنمو من تلقاء نفسها، من صنيع من الرسم، او ربما من انفعالات العقل اللاواعي" كما قالت لليان فريدكود، فان الترك كان يعتبر اللوحة تجربة متيريالية (شيئية)، او مناسبة لاختبار المادة، ولم تكن لوحاته، لفرط إخلاصها لشيئيتها، بحاجة إلى عنوانات مثلا، فكانت عنواناتها لا تعدو ان تكون إشارات لتمييزها عن بعضها كعنوانات جاكسون بوللوك للوحاته حينما كان لا يكلف نفسه مشقة تلفيق عنوان مناسب لكل لوحة فيكتفي بترقيمها، وهو فهم دشن عصرا جديدا في الرسم العراقي هو جيل الستينات، وبذلك فقد شكّل الترك وعدد من مجايليه: ضياء العزاوي، ورافع الناصري، وصالح الجميعي، ومحمد مهر الدين، وعلي طالب، والــ(ـخمـسـ)(ـسـتـ)ــيني شاكر حسن آل سعيد، شكّلوا الوجه الآخر من العملة التي شكل فيها كاظم حيدر وجواد سليم وجهها الأول، وبذلك لم يكن كاظم حيدر وإسماعيل فتاح الترك إلا وجهين لعملة واحدة هي المخاض الستيني الذي انقض على قداسة الأشكال الخمسينية فيه كاظم حيدر بينما أسس الترك و(مجموعته) الطليعية (الرؤيا الجديدة والمجددين) فهما جديدا للوحة باعتبارها مغامرة متيريالية، او واقعة شيئية، لذلك كان الترك، مثله في ذلك مثل فرانسيس بيكون الذي لا يستغرق كثيرا في التفكير بموضوع اللوحة، فيكفيه ان يغمس فرشاته باللون، ويضعها على سطح اللوحة ليظهر وجه الشاخص الذي كان يظهر ويعاود الظهور في كل مرة بمظهر وقناع جديد.

الجمعة، 19 أبريل، 2013

الرسام سليمان علي ... الرسم والروحُ الكوردية



معرض (تحولات الفصول) في كاليري دهوك
  

الرسام سليمان علي
الرسم والروحُ الكوردية

                                                                     خالد خضير الصالحي



ان أولى الأفكار التي راودتني وانا أتنقل ببصري بين أعمال الرسام سليمان علي في معرضه (تحوّلات الفصول)، الذي اقيم في كاليري دهوك، كيف تمكّن هذا الرسام من التعبير عن روح الشعب الكوردي دون الحاجة إلى السرديات والايديولوجيا والمشخّص اللصيق بهما غالبا، وهو ذات التساؤل الذي يواجهني كلما قرأت أشعار شيركو بيكه س وعبد الله كوران وشاهدت اعمال اسماعيل خياط، كيف تمكّن هؤلاء من التعبير عن الروح الكوردية، بابسط الوسائل، ودونما أيديولوجيات نثرية تشكل خطرا على (شعريّة) المنجز ايا كانت طبيعته، وقد اعتبرت ذلك سؤالا جوهريا، واقتنعت أن الإجابة عليه تتلخص في أنهم استطاعوا تحويل الواقع المعيش، والثقافة، والمطامح، والطبيعة الكردية إلى مادة (نصّ) ممتلئة بالجمالية وبالشعرية.. وهو ما تمكّن من تحقيقه عدد من رسامي دهوك: عبد الرحمن كلحو، ستار علي، سيروان شاكر، سيروان باران، وكان احدهم سليمان علي الذي توغّـل في هذا الامر مسافةً لا بأس بها من النجاح؛ فكان سليمان علي واحدا ممن استطاعوا تشكيل (متحف بصريّ) من خلال تحويل كلّ شيءٍ يواجهه في الحياة الكوردية إلى لونٍ ينتمي إلى جوهر فعالية الرسم، بينما لم تكن للموضوع السرديّ عند رسامي دهوك اهميته التي تلمسناها عند غيرهم من الرسامين الكورد الآخرين.. لقد شعر ستار علي بسطوة اللون الضخمة في الثقافة الكردية، وأيقن ان المادة ومن ضمنها اللون هي المركز الذي تدور حوله أفلاكُ الرسم الكوردي، وان هيمنة السرديات على الرسم لا تَعِدُ بشيء، فاتجه بكل جهده إلى إعادة تأسيس تجربته اعتمادا على تفجير الطاقة التعبيرية للون فعاد إلى أحضانه عودةً تذكّر بعودة الانطباعيين في أواخر القرن التاسع عشر؛ فكان توجهه ان يحاول رسم خارطة جينية لفن (الرسم باللون) الذي سبق وتحوّل عند ادوارد مونيه في نهايات أيامه من تمثيل المشخصات إلى تجارب لون خالص تنطوي على روح ذلك المشخص بعد تحولات ضخمة، فاختفت معالم المشخّصات، والمدن، وشرفات البيوت، والقرى، والدبكات، والملابس، والجبال عند سليمان علي في مائياته ومن ثم في زيتياته؛ كما اختفت عند رسامي هذا النسق من مدينة دهوك، لتحل محلها بقعٌ لونية تحمل روحَ تلك المشخـّصات، والقرى، وشرفات البيوت، لتتبقى أرواحها الخليقية كما يسميها ال سعيد تحومُ وقد تخلت عن أشكالها (= قشرتها الخارجية) وارتدت دثار اللون.. وهو ما سبق للرسم العالمي ان مر به من خلال تحولين مهمين هما: التحولات الشكلية التي كان ثور بيكاسو وشجرة موندريان الشهيران نموذجيها الأكثر أهمية، بينما كانت تحولات مونيه اللونية الى اللمفيات تأسيسا لخارطة جينية أخرى مكملة في الرسم العالمي؛ وهو ما اتجه إليه سليمان علي ومجايلوه من الرسامين الكورد، ومن خلال اللون التقليدي: الزيت والاكريليك كمادة رئيسة.. فقد ادار سليمان علي ظهره لأشكال المشخصات بتصميم وإصرار وقناعة، ترسّخت لدى اخرين من نخبة رسامي مدينة دهوك في كردستان العراق.. فتحولت لوحته شيئا فشيئا إلى حشد من بقع الألوان التي لا تحيل إلى شيء من أشكال الواقع وبالتالي فقد انطوت هذه البقع اللونية على نفسها كدلالات، واكتفت بنفسها كطاقة جمالية دونما أسانيد خارج بصرية، لقد ووجد هذا الرسام نفسه مدفوعا بذات الرغبة التي تملكت مونيه، وهو يرسم ويعيد رسم الزهور المائية في البحيرة المواجهة لداره، فاستغرق في الرسم دهرا يعيد رسم المشهد ذاته في كل الفصول: لوحة بعد أخرى، ليكون الناتج بقعا تنكرت لمرجعياتها الشكلية واكتفت بوجودها الشيئي.. 

****


رغم التوجه (البعيد) عن التشخيص الذي انتهى إليه سليمان علي فقد شكّلت الطبيعةُ (اللغةَ المرئيةَ) حسب (جو كينيث سوارز) المرجعَ المهيمنَ بروحها الخفية التي تطلّ خلف كل ضربة أو خفقة سرّية لبقعة لون؛ فبينما يهيمن اللونُ الأسود على روح الشتاء الميتة؛ وتنطفئ الألوانُ، وتتحول اللوحة من الانشغال بـ(الرسم باللون) حيث تُرسمُ اللوحةُ بروح اللونِ وطاقتِهِ التعبيرية؛ تظهر روحُ الطبيعة حية من خلال باليتة ملونة ثرية يؤثثها الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر، فتنتقل روح الفصول بسلاسة غير معهودة؛ لتظهر تحولاتها من خلال بقع اللون والاختيارات الدقيقة لها، وحينا تتحول أجواء اللوحة إلى الرسم بالأسود والأبيض (الكونتراست) حيث انطفاء اللون وانطفاء الحياة معه..

****


مثلما يضيف العديد من الرسامين اللون الأبيض بعد الانتهاء من عمله بهدف خلق انزياح شعري مطلوب في اللوحة كان سليمان علي يفعل الأمر ذاته في تجربته التي اطلعت عليها بالألوان المائية إلا أنّ ذلك البياض سرعان ما بدأ بالتشظّي على مساحة اللوحة في أعماله بالألوان الزيتية والاكريليك إلى نثار كآثار حب الشباب على وجه جميل..

الأحد، 20 يناير، 2013




الرسامة والأكاديمية المصرية أمل نصر

                     تحوّلات المادة..
                                   وتشكّلات الصور


  
خالد خضير الصالحي
البصـــــــــــــــــــــــــرة
  
"تنمو في عمق المادة نبتةٌ قاتمة، كما تزهر في ظلمة المادة أزهار سوداء، سبق واكتسبت نعومتها، ونموذج عطرها" (غاستون باشلار، الماء والأحلام، المنظمة العربية للترجمة، ت: د. علي نجيب إبراهيم، ط1، بيروت، 2007، ص15)
***


تتعاملُ امل نصر مع سطح اللوحة، ومع الأشكال المجردة بإداء حر يستجيب لتقنية عفوية،  بأنسنةٍ قد يفتقرها الكثيرون؛ فتبدو أعمالُها وكأنها ناتج حنوّ مبالغ به تعامِل به الرسامةُ سطحَ لوحتها؛ فهي تعتكف الى سطح لوحتها، مثلما ينقطع النسّاخون والورّاقون إلى صحائفهم، يسوّدون اسطرها، فتندمج الرسامة بحروفها، كما يندمج هؤلاء، لترتحل إشاراتُهم التي يبثونها عبر الزمن القادم حينما تتنقّل من قارئ لآخر، وكلّ من هؤلاء، يضيف هوامشه على هوامش سابقيه، كما أضاف السابق هوامشه على هوامش سابقيه، حتى تتضخم تلك المخطوطات إلى ما شاء لها النص ان تتضخم، وهو ما يحدث لأعمال امل نصر؛ فبدت لوحاتها متشابهة بشكل مختلف ومختلفة بشكل متشابه، فهي تبدو متشابهة وكأنها لوحة واحدة قـُطـّعت إلى نتف متشابهة؛ وتبدو مختلفة لأنها لا يمكن ان  تكون متماثلة تماما كطبعات الأصابع التي لا يمكن ان تتطابق تماما...
***


حينما عنون الكاتب المصري (ياسر منجي) مقالا له عن الرسامة بعنوان: (أمل نصر.. بين سطوة (البكتوغرافيا) وعنفوان الهيولى القديم) فانه قصد بمقالته ان قوتين متعارضتين تتجاذبان تجربة امل نصر هما: قوة الفوضى، وهو ما يسميه جاستون باشلار، (العصيان الأبدي للمادة على التشكّل)، وسلطة النظام، "فالمادة في منظور عمقها تنقاد باتجاهين: اتجاه التعميّق واتجاه الانطلاق، ففي اتجاه التعميق تبدو غير قابلة للسبر، كمثل لغز، وتبدو باتجاه الانطلاق كقوة لا تستنفد، باعتبارها معجزة. وبالاتجاهين كليهما ينمـّي التأملُ خيالا مفتوحا " (غ. باشلار، السابق، ص15) وهو الصراع الذي نشب ذات مرة بين انغريس وديلاكروا، فوصفه (ريجيه دوبريه) بأنه صراع بين الحرية والسلطة ولكنه اعتبره كذلك، وفي الوقت ذاته، صراعا بين الخط واللون باعتبارهما ميدان الصراع وأداته وميدان تحققه الشيئي الذي نكون معنيين به باعتبار الرسم في النهاية واقعة مادية،   حينما مثل الأول الانضباط السلطوي،    بينما مثل الثاني الحرية ورفض القيود، الا ان كل تلك الصراعات كانت تتفجّر على سطح اللوحة من خلال الصراع بين فوضى العناصر وانضباطها، فكانت امل نصر تعامل اللوحة باعتبارها (صورة مادية) ان هي أخضعت لدرجة اكبر من الانضباط فستتجه إلى نظام لغوي بكتوغرافي صوري يفتقر إلى الاعتباطية (=الحرية) التي تتصف بها الكتابة الأبجدية لان الكتابة الصورية مرحلة تمثل اكثر مراحل التاريخ ترابطا بين الصورة والشكل المشخص، حينما اندمج الشكل بالمعنى لدرجة مازلنا نعيش بقاياها المتحجرة في لا وعينا الفني، واذا أفلتت السيطرة عن تلك (الصورة المادية) فإنها ستكون صدى للعصيان الأزلي للمادة ضد التشكـّل؛ وبذلك ستكون تجربة امل نصر بالرسم تجربة خاضعة لنوازع ورغبات متناقضة، وصراعات مستحكمة لا يمكن حسمها؛ فالعالم الذي نعيشه مهدد، كما يقول (بول فاليري)، بقوتين خطرتين تتنازعانه، وتهددانه هما: الفوضى والنظام، انهما قوتان يجب ان يخضعا معا لقدر مناسب ومتوازن من الكبح؛ وهو ما نجحت في تحقيقه امل نصر..
***

لا اعتقد ان امل نصر تضع في حساباتِها ان يجد المتلقي في أعمالها مشخـّصاتٍ أو أشباحَ مشخّصاتٍ؛ فقد يكفيها ان تكون مستمتعة بالخامة، والمفردات البصرية، دون ان تكترث لارتباط تلك الاشكال بالواقع؛ فهي تكتفي بمهمة تنتهي حالما تشعر أنها أودعت في تلك الأشكالَ روحَ المشخّص كامنةً في خطوطِها، وبقعِها، دونما حاجة للبحث عن مرجعيات شكلية لأي تفصيل كبر أو صغر في اللوحة، فقد ذاب المشخّصُ في السائل الذي تسبح فيه كلُّ الأشكال، والبقعُ اللونية، والعناصرُ الأخرى في لوحة امل نصر التي تحلم بتجليات صور المادة الصلدة، على نحو حميم نابذةً إغواءَ الأشكال الهشّة غير المجدية..  فما يشغل لوحةُ امل نصر ان تتحوّلَ ماديةُ (متيرياليةُ أو شيئيةُ) اللوحة، إلى صورة لا تشترطُ الواقعَ ومشخصاتِه مرجعيةً لها، أي ان يتحول الخيال المادي إلى خيال صوري وكفى.. فالمشخصات تفتقرُ، وتعيقُ الخيالَ الصوري وجمال الحلم اليقظ الذي يرافق انعتاق الصور من ربقة تلك المشخصات لأنها تحدد ذلك الخيال باطر شكلية واقعية (مادية المشخص) بينما يفترض بالخيال الحق ان لا تحده محددات مهما كان نوعها..
                                                                                    ***   
ان قيام امل نصر بانجاز لوحتها بتكنيك سريع يتيح فرصة لتدفق انفعالي تلقائي، لا يسمح للعقل الواعي الاشتغال بفاعلية للهيمنة على اللوحة، ويتيح للقوى اللا واعية، وللمصادفة ان تشكل احدى اهم القوى الفاعلة، فيبدو العمل وكأنه يمتلك دينامية تجعل منه اشبه ببناء من الأشكال المجردة التي تنطوي على قوى وتوترات داخلية تتوحد فى شكلٍّ مستقلٍ بذاته لا يشير إلى حياة خارجية..  

                                                   ***

تقول الكاتبة امل نصر عن تجربتها الفنية "تسعى أعمالي إلى اكتشاف الشكل من خلال اللون فأبدأ بطرح مساحات اللون بلمسات عريضة حرة، ثم أبدأ في اكتشاف الأشكال خطياَ فوقها، حتى لا أحاصر بالخطوط بل أستسلم لسطوة اللون وحضوره أولاَ، وفى بعض الأعمال نجد الأشكال تظهر وتختفى، تكبر وتتضاءل تنكشف وتطمر بقوة دافعة وفقاً لقانون عاطفي خاص باللوحة فلا نعرف أين تبدأ وأين تنتهى، حيث يُتاح للخواطر البصرية أن تسترسل وأن تتوارد، إنها فكرة التداعي الحر التي تطرح وفقها الأشكال والعناصر، ويحكم هذا البناء رغم حريته نوعاً من النظام الفطري الغريزي . وتظهر الصور بين الحين والآخر فى تدفقات غير متماثلة وفقاَ لآلية الطرح الخاصة بالذاكرة فتعطى حيوية للخيال في محاولة لتلمس تلك الطاقة التنظيمية الروحية التي تجعل حياتنا محتملة ومستمرة".
                                         ***

لم تكن امل ناصر رسامة فقط، إنما هي أكاديمية مرموقة، وناقدة تشكيلية.. كتبتُ مرة تعليقا على مقال نُشر لها في الفيس بوك: "تطرح الكاتبة والرسامة المبدعة امل نصر قضية غاية في الأهمية وهي إمكانية وجود: تجريد يتكئ على الواقع، وتمتص حواسُّه تفاصيلَ ذلك الواقع .. ويستند إلى الخبرات المباشرة .. تجريد لا يتناقض مع الحياة ولا ينسحب منها.. أي أنها تقدم إمكانية وجود تجريد مؤنسن، فيه روح المشخص رغم غياب جسد ذلك المشخص.. إنها تطرح أفكارها بلغة مفاهيمية خالية من ترهل اللغة البلاغية التي يقع في براثنها بعض الكتاب..." 









الجمعة، 18 يناير، 2013

الرسام هاني مظهر في معرض (تحية إلى ناجي العلي)..


الرسام هاني مظهر في معرض (تحية إلى ناجي العلي)..


 احتفاء بالرؤية الكامنة

  
خالد خضير الصالحي

بدت لنا تجربةُ هاني مظهر (في تحيته لناجي العلي) استبطانا جديدا، متصلا ومنفصلا في آن معا مع تجربة ناجي العلي باعتبار الأخيرة تحديا لثوابت تحجرت عندنا نحن متلقي الرسم الكاريكاتيري الذي استقر في أذهان الكثيرين منا أنه، على عكس أنماط الفن التشكيلي الأخرى، يضع، وبشكل معلنٍ، قَدَميه في طرفي البقعة الحرجة للرسم: يضع قدما حيث يعتبر الرسم الكاريكاتيري واقعة بصرية مادية (متيريالية)، وينقل الأخرى إلى حقل متاخم قريب يعتبر ذلك الرسم، مطالبا منه ان يكون جزءا من واقعة لغوية سردية تجسّدها التعليقات والشروحات اللغوية التي ترافق الرسوم الكاريكاتيرية لناجي العلي وتؤلف جزءا جوهريا منها حتى في رسومه التي (بدون تعليق) حيث يتوارى التعليق خلف العلامات المبثوثة في الرسم فيحل محله وجود مستتر ومسكوت عنه؛ حيث ان الكاريكاتير عند العلي، وفي ان واحد، يتناوب الاشتغال بين طبيعيته: المادية البصرية، والسردية، بحركة بندولية دائمة؛ مما يجعله خرقا لنسق الرسم حينما يهدر، او يحاول ان يهدر المشتركَ العامَ للحقل البَصَري، ونعني به (مادية التعبير) او الطبيعة الشيئية (المتيريالية) لمادة الرسم وللوحة، فالرسم الكاريكاتيري بما يتوفر عليه من (هيمنة) للغوي على خطابه يتصف بأنه حقل جامع لدرجة من الايقنة والتماثل البَصَريَّين مع درجة من اللاتماثل والاسلبة، وهي من مواصفات النسق البَصَري؛ وبذلك ينتمي فن الرسم الكاريكاتيري إلى نمط الحقول المختلطة التي يمتزج فيها الخطاب اللغوي والخطاب البصري: كالإعلانات، والسينما، والتلفاز، وبرامج الكومبيوتر ومواقع الانترنت، وكل الصور المرفقة بالكتابة والكتابات المقترنة بالصور، فتكون أهم المظاهر المختلفة هي كون الصورة الكاريكاتيرية لا تستحيي من الوظيفة التواصلية الابلاغية للخطاب، حاله في ذلك حال أنماط عديدة من أنماط الصور..
لقد كان ناجي العلي يتوسل إلى إحداث الانزياح الضروري اللازم في انتقال اليومي إلى شعرية الفن عبر الطبيعة الاستعارية لانتهاك حرمة الثوابت والقناعات (الراسخة) ومفارقة الدارج: مفارقة مضحكة حينا ومحزنة أحيانا أخرى، عبر وسيلتين متناقضتين ومتتامتين في آن معا من خلال تشاكل الكلام (اللغة) وعناصر الرسم (البصري)؛ فتمتزج عنده رسائل الخطاب في جانبها البصري، بالرسائل في جانبها اللغوي(التعليق)، فلا تهمل الرسالة عنده أيّا من الوسائل المتاحة في الكاريكاتير: العناصر الخطية وغير الخطية معا حينما تتعاضد مشكّلة خطابا: علاماتيا بما يشبه الكتابات الأولى التي تتمازج فيها الدلالات اللغوية والبصرية في وحدة لا انفصام لها، ولا يبين فيها العنصر الاشد هيمنة؛ فكان ناجي العلي يغترف بسهولة كبيرة من محتويات (متحفه البصري) الذي جمّع عناصره ومفرداته الأولى البصرية- النصية (الهيروغليفية)  من مناهل واسعة، فكانت تظهر بشكل أيقونات: أهمها الطفل الشاهد (حنظلة) من عين الحلوة، وحشد آخر من المفردات البصرية والتقنية التي تظهر هنا أو هناك في رسومه بشكل متواصل: كالأسلاك الشائكة، وبرميل النفط، وشواهد القبور، والهلال، والكوفية، واللاجئ الفلسطيني، وحقائب السفر، والحمامة، ونجمة داود، والملابس المرقّعة، والمرأة الفلسطينية (فاطمة) بدموعها التي تنسكب على خديها.. وأحيانا تظهر عناصر غير مشخصة: كالخطوط، والحزوز، والنقاط التي يقطّرها على صفحة الورقة مباشرة من الدواة، وإشارات الحركة، وبعض العلامات الدالة على الشعور كالتعجب والهلع المجسدة بعلامات بصرية، ووسائل التظليل والعتمة والضوء، كلها عناصر يعاملها باعتبارها تنتمي إلى (مادة التعبير)، أي إلى البعد المادي للوحة (=الحبر الأسود الفاحم غالبا)، فلم يكن الخط حدا فاصلا ولا أطارا، بل صرخة قلم مستفز وأداة تثوير وتحد بكل محمولاته التكوينية والأدائية؛ فخلاصة القول ان ناجي العلي لم يكن ينظر للكاريكاتير باعتباره فكرة سردية تقودها او تخطط لها اللغويات التي تتناثر في الرسم كتعليق او كأية نصوص لغوية او علاماتية أخرى فكان يولي اهتماما رئيسيا على ان يكون الكاريكاتير واقعة بصرية لها مقوماتها وعناصرها الشيئية كأي عمل تشكيلي..
ان المماثلة (التشابه) مع الشكل البشري وأشكال المشخصات عموما، التي يحرص ناجي العلي على الإخلاص لها، مقارنة مع تجارب أخرى، تجعلنا نعتبر منجزه تجربة رسم كاريكاتيري (واقعي) خضعت الى مشرط تجريد لا يرحم أوصلها أحيانا درجة شديدة من الاختزال المضطرد والاسلبة لنسق الخطاب البَصَري وملأها بكمِّ من الفراغات التي هي واحدة من أهم الإزاحات التي ترتقي باليومي إلى مرتبة الفن؛ فكان، إضافة إلى حسه الفني العالي، يمتلك عينا (باربوسية) متلصصة، واعية لمهمتها، رغم أنها تحاول أن تتشبه بعين الكاميرا المحايدة في السرديات، تاركة أمر اتخاذ أي موقف على عاتق المتلقي، فكان ناجي العلي يحاول أن ينأى بنفسه عن الانغماس في السرديات التي هي اضعف مقاومة أمام التلوث الايديولوجي ليتخذ لنفسه مكانا في الطرف القصيّ البصريّ تاركا متلقيه منغمسا في محنة التلقي التي لا تقل شدة عن اشد المحن تعقيدا ...
                                                  ***



يبني ناجي العلي متحفه البصري من أيقونات بصرية أهمها: حنظلة الطفل الفلسطيني من مخيم عين الحلوة الذي يدير ظهره للمتلقي وللعالم؛ والذي صار جزءا مكملا لرسومات ناجي العلي، ونال حب الناس فصار احذ الرموز المهمة في الثقافة الفاسطينية؛ لأنه صار رمزا للفلسطيني المعذب، والقوي رغم كل الصعاب، انه شاهد صادق وبالتاي لا يخشى أحدا، فاتخذه ايقونة يوقع بها ناجي العلي رسوماته..
تتكرر الأيقونة المهمة الأخرى، المرأة الفلسطينية (فاطمة)، وهي شخصية مثل الشخصيات الأخرى لناجي العلي، غير مهادنة، وذات رؤية شديدة الوضوح فيما يتعلق بالقضية، فعادة ما تكون مواقفها قاطعة ومخضبة بغضب المواقف الشجاعة، بعكس شخصية زوجها، الأيقونة الثالثة الأهم في منجز ناجي العلي، الفلسطيني الكادح نحيل الشارب صاحب الأقدام المفلطحة الغليظة للمزارعين، والذي ينكسر أحيانا تحت وطأة ثقل الحياة، بينما تتحكم السخرية بأشكال الأيقونات الأخرى: كشخصية السمين ذي المؤخرة العارية ممثلا به القيادات الفلسطينية والعربية المرفهة والخونة الانتهازيين. وشخصية الجندي الإسرائيلي, طويل الأنف, الذي يكون في أغلب الحالات مرتبكا أمام حجارة الأطفال, وخبيثا وشريرا.
                                                ***



 ان المحنة الأشد التي أتخيلها تواجه الرسام هاني مظهر، كلما واجه قماشة لوحة بيضاء يريد تحويلها الى لوحة فنية، كانت رغبته الجامحة في تفجير شعرية العناصر البَصَريّة التي تمنح لوحته من شاعرية أجواء الشعر، وقد افترضنا ذات مرة حرصه ان تتشاكل تجربته الفنية مع الشعرية ان لم تتشاكل صراحة مع الشعر ومع نصوص شيوخ الصوفية الذين انتج اعمالا ومعارض مكرسة لبعضهم، وهي المحنة التي نعتقده واجهها حينما كان يجد نفسه مدفوعا الى بناء لوحته من مستوى لوني طارد للبنية الغرافيكية (الخطية) بقوة، تلك البنية التي تشكل جوهر المادة التي يبنى منها الرسام ناجي العلي اعماله، وبذلك لم تكن العملية هنا في (تحية لناجي العلي) إعادة إنتاج لتلك الأعمال بشكل مشابه لأهداف بيكاسو حينما كان (يعيد) إنتاج رسوم أسلافه من الرسامين، وإنما كانت العملية إعادة تمثل للروح الكامنة في رسومات ناجي العلي، تلك الروح التي تبقى (علامة لا تنمحي) مهما تغيرت المادة وتقنياتها.. فلم تكن مهمة هاني مظهر في معرض (تحية لناجي العلي) تقتصر على تلقٍ قالبي  stereotypes للكاريكاتيرات (التخطيطية) لناجي العلي ومن ثم (تحويلـ)ـها إلى أعمال ملونة، فلم تكن أهدافه تنحصر فقط في إعادة تغيير أو إنتاج المادة المهيمنة لتلك الرسوم وإبدالها من كاليغرافية خطية إلى لونية، بل كان استراتيجه يتعدى ذلك إلى إيجاد آلية صالحة للتعامل مع رسوم ناجي العلي باعتبارها وثائق بصرية مادية (اركولوجية) لها القدرة على تلبس روح شكل آخر من أشكال الفن أكثر من اعتبارها وثائق سياسية تخضع لاشتراطات السياسية وأهوائها المتقلبة..  فيصطفي هاني مظهر الرؤية البصرية الجمالية الكامنة تحت أنقاض الفكرة السردية اللغوية في منجز ناجي العلي، وهي رؤية عصية على الاقتناص إلا للعين ٍالخبيرة، حتى ان بعض الكتّاب كانوا ينكرون أن يكون هنالك جانب بصري (مادي) جمالي خارج سرديات الرسوم الكاريكاتيرية لتجربة ناجي العلي، بينما يحاول هاني مظهر جاهدا ليس فقط استخلاص (روح) الفكرة الكامنة في منجز العلي، وإنما استخلاص (الرسم) الكامن في تلك التجربة، وإعادة إنتاج  تلك الرؤية البصرية من خلال مادة أخرى، حيث تتلبس حبريةُ رسوم ناجي العلي طاقةَ الألوان ونضارتَها وهي بيد خبير في تفجير الطاقة التعبيرية للون كالرسام العراقي هاني مظهر الذي لا يجد نفسه، كما نعتقد، سوى معنيا بـ(ـالقابلية على الرؤية)، رؤية جوانب بصرية يعتقد الكثيرون، كما قلنا، انها غير ذات (جدوى)، فــ"ـالرسم احتـفاء بالقابلية على الرؤية"، لذا سيكون واجبا على الرسام اكتشاف (الرؤية البصرية) الكامنة في العالم المرئيّ ومن ثم تحويلها الى (واقعة مادية جمالية) أي تحويلها الى رسم؛ وبذلك فهو يمسك مفهوم (إنتاج الحقيقة رسما) ذلك المفهوم الذي اكتشفه سيزان واحتفى به ايما احتفاء: ميرلوبونتي ودريدا وسلفرمان وكأنه القارة المفقودة في الرسم الحديث..
                                           ***



كتبنا مرة عن موقع هاني مظهر ما أسميناه (جينات الفن)، وهي صفات ثقافية موروثة: بصرية، ودلالية معا، تنتقل ليس فقط من عصر لآخر، ومن مرحلة تاريخية فنية لأخرى، بل ومن فنان لآخر، ومن أهم تلك الصفات الموروثة في فنون الشرق هي توحّد السماويّ والأرضي (امتزاج المادة والروح أحدهما بالأخرى)، الذي يجد تجسده في أشكال متعددة؛ فكانت عناصر اللوحة تنتقل من مستوى لأخر، من الشعريّ( التجريد) نحو الأرضي (التشخيص)، فكان هاني مظهر يبني لوحته على مستويين: تشخيصّي (نثريّ، وأرضيّ) ومستوى الباطن (الشعريّ والمقدس) وطابعه التجريدي اللا هندسي (العماء اللوني)، وبذلك تهدف آلية التأويل اللازمة لدراسة منجزه ليس كشف المستوى الباطن عبر المستوى الظاهر، كما هو معتاد، بل ومحاولة اكتشاف آلية بناء اللوحة من قبل الرسام هاني مظهر وآلية إنجاز التواشج بين المستويين وتحديد التتابع الزمني لهما أي هو نقل للتأويل من اللغوي الى البصري، وهي مهمة عسيرة كفايةَ.
***



ان عملية الانقطاع الشكلي بين الكتل اللونية – الشكلية التي كنا نزعم انها تجري في أعمال هاني مظهر التجريدية، والتي كان يحاول ردمها، او اعادة وصلها في حقيقة الامر، كان يخلقها البياض الموجود اساسا في اللوحة او المضاف لها، تحولت هنا إلى عملية تجري بين نظامين من العالم ومن الرسم: نظام شكّـل عناصره الخطية ناجي العلي، ونظام شكّـل عناصره اللونية هاني مظهر، فكان هذا المعرض ليس فقط توليفا لنظامين شكليين وانما نظامين فكريين يصبان بعد امتزاجهما في جرف ان تكون اللوحة ليس فقط نظاما شكليا تجريديا بل و(رسالة) جمالية من نمط خاص يبقي في نفس المتلقي احساسا وان غامضا بوجود تلك الرسالة وطبيعتها المحسوسة والغامضة معا..
                                               ***

هاشم تايه في معرضه (حياة هشة)



هاشم تايه في معرضه (حياة هشة)

تجربة عصية على التجنيس



خالد خضير الصالحي


يؤكد هاشم تايه، طوال السنوات التي قضاها مشتغلا بالفن التشكيلي، انه صاحب تجربة عابرة للتجنيس اولا، وانه كذلك مبدع عصي على التصنيف فهو واحد من المبدعين متعددي الاهتمام والإمكانيات، ومن (العابرين للتخصص)، والذين يشتغلون في المناطقِ التي يسميها سلفرمان وبرتراند رسل (المابين) أو (التخوم)، فكان ينتقلُ بيسر في مناطقَ التخومِ هذه؛ مرتكزا في ذلك على هيمنة على المادةِ التي يشتغلُ عليها: اللغةِ وهو يأخذُها  نحو الشعرِ، او الكتابةِ وهو يقودها تارة الى: النقدِ، واخرى الى الصحافةِ في ارقى مستوياتِها، والمادة وهو يطوّعُهُما على ديناميةِ الرسمِ والنحت؛ فلم يمتلك هوس اعادةُ اختبارَ قدرةِ الألوانِ التقليديةِ فقط، بل ويكتشفُ موادِّ جديدةِ لم يكنْ يتخيّلُها الآخرون قبله صالحةً للرسمِ، فكان يذكي القوانينَ الاستثنائيةٍ التي أسسها الرسامون الذين مارسواَ النحتَ نمطا إبداعيا (آخرَ)؛ ففتحوا فيهِ أبوابا لم يعد غلقُها ممكنا بعدهم..
***



 تعيدنا (حياة هشة) بشكل ما إلى (اسم الوردة) لـ(امبرتو إيكو)، الذي يقول في كتابهِ (حاشية اسم الوردة) ان "الأمر يتعلق ببيت شعري مأخوذ من كتاب لبرنار دو موراليكس (حول أشياء الحياة الهشة)".. ام تعيدنا لما يؤكد هاشم تايه بأنها مماهاة مع (الحياة الجامدة).. او (الحياة الساكنة) وهو ما يعبَّر عنه بالإنجليزية بـ (still life)؛ فيرجع صفة الـ(ـهشاشة) الى طبيعة المواد والخامات والسطوح التي أنجزت بها الأعمال التي التقطت من النفايات والشوارع؛ فبدت أعماله مخيبة للكثيرين بسبب توحّشها، ونشازها، وغرابتها، ولوثتها، وتلوّثها، وعدم أهليتها لأن تعلَّق على جدار نظيف في بيت، أو متحف، لأنها لا تطاق.. ويُرجعُ استثمار المواد غير التقليدية الى نزوع شخصي للتجريب، واستثمار الاثر الذي يطرأ عليها من فعل الطبيعة بشكل يجعلها تكتسب مظاهر وأشكالاً مثيرة، فتكون وعيا بصناعة أثر فني مفارق ببدائل عن المواد التقليدية في فن يعمل خارج منطقتي الرسم والنحت المعهودتيْن، وخارج الأعراف الفنيّة جاعلا النصّ البصريّ مجالا لاستضافة واستقبال واستدعاء لأية مادة في الحياة اليومية، ويعيد الممارسةَ الفنيّة إلى بدائيّتها كفعل حرّ يُنجز أثره بتطويع أية مادة مهما تكن بساطتها في محاولة منحها قدرة تعبيرية.
***



يبني هاشم تايه منجزه بناءً قصديا حسب (قانون) التشاكل الصوري، بجمع عناصر من الصعب جمعُها، فكان ذلك الجمعُ (القسري) يخلق الانزياحَ الاستعاري الذي هو جوهرٌ للجمالي، كما هو جوهر للشعرية، وهي آلية استخدمها السورياليون: سلفادور دالي، وماكس ارنست..

***



ظلت المحركات السابقة لتجاربه في الرسم فاعلة هنا: أولا، مازالت البساطة والقوة التي كان يجلّها الرسام الشاعر (وليم بليك) في التكوين الخطي؛ حيث البساطة والتخلص من الشوائب الزائدة، ثانيا، مازالت المقاربة السيكولوجية صالحة هنا حيث تؤكد شخصياته بانها ترميزات لمظاهر داخلية من شخصية الرسام، مشفّرة عبر كائنات متعددة، ومتناقضة في تركيبها ومواقفها، يبثها بشكل يغطي مساحة العمل.. يستلّها من مستوى غائر، مطمور في أعماق النفس الإنسانية، وثالثا، ظلت (سلطة المادة) الجوهر الأكثر فاعلية في  تجربة هاشم تايه؛ فقد كان هذا الرسام قد تخلى عن مواده التقليدية السابقة والأدوات التقليدية، وواصل الاشتغال على الخامات الاستثنائية التي تذكرنا بتجربة الألوان العطارية (=النباتية) التي كان يجمّعها من مصادر نباتية متنوعة، وعودته إلى تجربة الورق المقوى في معرضه هذا، والعلب الورقية (الكارتون)، والأسلاك، والخيوط، والقناني البلاستيكية، وعجائن يصنعها من الورق المقوى أو من مواد أخرى، يحاول بها تطوير تقنياته في: الخرق، والحرق، والقص، واللصق، والتمزيق، والتراكم، والحك، والشطب، وسوى ذلك من التجارب التقنية، وكنا صنفنا تلك المحاولات بانها تقع ضمن ما يمكن ان نسميه (بالتشكيل الفقير)، مستثمرا كل مادة في اقصى ما تقدمه من قدرة تعبيرية؛ فكانت طبيعة المادة المستخدمة تلقي بثقلها على العمل، فكان العمل يأخذ استراتيجا مختلفا في كل مادة مستخدمة في إنجاز العمل؛ وبما يلائم الحدود التعبيرية لكل مادة.
***



ان احتلال تجربةِ هاشم تايه مكانا ضمن المشهد التشكيلي في البصْرة؛ قد يثير مفارقة، ومحنة نقدية، كيف احتلتْ تجربةٌ مفارقة لـ(ـلانساق) المألوفةِ والأنماطِ السائدةِ من الفنون التشكيلية، مفارِقة بالمادةِ، وبالتقنياتِ، والوقوع في (المابين)، وهنا تكمنُ محنة المشتغلين بالنقد التشكيلي، وامتحانُ (قواعِدهم)!.
***



أقيم معرض (حياة هشة) لهاشم تايه بعد عدد من المعارض السابقة: (لوحات مشوية) 1992 في قاعة المتحف الوطني في بغداد، و(منفيات هاشم تايه) في المركز الثقافي في البصرة 2007، ومعرض للتخطيطات في اتحاد الأدباء في تسعينيات القرن الماضي..
***



في جلسة اقامها اتحاد ادباء البصرة حول معرض (حياة هشة) اعتبر الكاتب صباح سبهان بأن تايه يكشف عن المخبوء من تحت اقنعة الجمالي باشتغاله على انساق ومهيمنات متحررة من الاستهلاك، وبمقصدية باحثا عن المسكوت عنه عبر لغة ثرة قادر على الادهاش وقادرة على نزع الاقنعة عن الايديولوجيا, وان تجربة تايه تقبلتها النخبة من المتلقين وعزف عنها الجمهور العريض رغم انها تجربة خصوصية من ناحية الخامات الموظفة التي قد لا تقاوم الزمن ولكنها قادرة على اثارة شعور بالاسى فقد اضفت المادة شعورا محسوسا وقيما مضافة..
واعتبر الكاتب احمد صحن اعمال هاشم تايه بأنها تحمل دادائية بصرية يتعذر على المتلقي فك شغراتها ورموزها الا بعد الغور في المعاني الصورية ليجد الروح التي تتحرك مستمدة طاقتها من ربط الاشياء المستخدمة واخضاعها لقواعد التشكيل خالقا بذلك تاثيرا تفاعليا ناتجا من الاشارات الصورية المنبعثة من عالم اللوحة الدادائية التي جاءت محصلة حكمة ان اللاشيء هو كل شيء، وان معرض (حياة هشة) يثير جملة استفهامات ومعان لا متناهية تدعونا لان نتلقى طيات الورق المقوى المعمولة باليد حينما قام الفنان بالجمع بينها وبين المتناقظات متحولة الى قوالب لفظية تتفاعل مع النفس وتحرك بوصلتها ضمن سياق الفن المضاد..
واعتبر التشكيلي عبد الرزاق الحلفي اعمال هاشم تايه رد فعل للشعور بالفراغ ولا جدوى الحياة التي يعيشها الناس في العراق فكانت تجربته في معرض (حياة هشة) محاولة للخلاص من قيود المنطق الذي فقد فاعليته، واستعادة لمنطلقات الدادائيين والياتهم في التعبير عن قسوة الحروب وجشع الانسان والافكار السلفية التي اصبحت عائقا بوجه الحياة..