الثلاثاء، 29 مايو، 2012



الرسام كريم رسن..
            في آخر صفحات منجزه
  

قطيعة
          الحداثة الثمانينية


"النص يحدثنا عن (استقلاليته) فأصغ أيها الآخر"
(شاكر حسن آل سعيد، أنا النقطة فوق فاء الحرف، بغداد 1998، ص40)



خالد خضير الصالحي


العـراق – البصـرة

 
1

كتبنا مرة عن (تقنية الخراب) باعتبارها المنجز الأخير لهناء مال الله وتنظيراتها في لندن، فكررنا ما قلناه في مقال سابق لنا، بان الفنانين يحافظون على مرتكزاتهم الأولى التي من الصعب محوها إلا بتحولات كارثية من وجهة النظر الطوبولوجية، وان هناء مال الله، هي الأخرى، قد (حافظت) على مرتكزاتها الأولية التي كانت قد أسست عليها البذور الأولى لرؤيتها، فلازمتها، وكانت بالنسبة لها نسقا ثقافيا شخصيا تحركت ضمن مدياته، وظلت أمينة عليه، رغم أنها كانت تقوم بالتنويع في رؤيتها الفنية، وفي معالجة موضوعاتها لتحافظ على درجة من القطيعة المحسوسة الضرورية لحيوية منجزها..... إلا ان كل ذلك ظل مرتكـِزا على مفهومها عن فنّ الحقيقة المحيطية الذي تشبعت به تجربتها حد الهوس، وهو ما تلمسته في تجارب العديد من مجايلي هناء مال الله  من جيل الثمانينات: (هناء مال الله، وفاخر محمد، وكريم رسن، وغسان غائب، وحيدر خالد، ونديم محسن، ونزار يحي، وإيمان علي، وهيمت محمد علي، وسامر أسامة، ومحمود لعبيدي، وحسن عبود، وهاشم حنون، وعاصم عبد الأمير، وإيمان عبد الله، وجسام خضر، وفاضل العكرفي، وجبار عبد الرضا، وعدنان عبد سلمان) أولئك الذين كتب عنهم فاروق يوسف في ذلك الوقت (مجلة آفاق عربية، ك2، 1994، ص69)، لقد "زلزلت الحرب أوصالهم"؛ فكانوا "يعيشون نوعا من الخلخلة"، إنهم جيل "لا يجمعهم شيء قدر رغبتهم في كتابة الفصل الأخير لنوع الحداثة الفنية"، التي كانت محاولات رسامي الثمانينات "المقدمة لهذا النوع من الرسم ".

2

مازال كريم رسن، منذ ذلك  الوقت وحتى الآن، حريصا على ذلك النمط من الحداثة التي اختطها جيل الثمانينات، وما زال سائرا في ذات المرتكزات التي أسست رؤيته: الأثر الإنساني، والحقيقة المحيطية، بما لها من قدرة استطاعت زلزلت الرسم الستيني ببقاياه التوفيقية التي ظلت عالقة بأذياله حتى مجيء جيل الثمانينات.
يبدو كريم رسن وكأنه يحاول ان ينسحب من مسؤولية رسم اللوحة حينما يعقد ما يسميه (امبرتو ايكو) "ميثاقا تخيليا ضمنيا مع المؤلف"، وهو عقد يتم اعتماده ضمنيا بين كاتب الرواية وبين القارئ الذي يحتاجه من اجل ان يتقبل الشطحات الخيالية للسرد، وكان كوليرج يسميه (تعطيل الإحساس بالارتياب)، وبه يتقبل القارئ ما يحكيه السارد باعتباره "قصة خيالية دون ان يعني ذلك أنها مجرد كذب، وان المؤلف يوهمنا فقط"، بما يخالف قوانين العقل والمنطق، وهو ما يحتاجه متلقو أعمال كريم رسن في تقبل ان ما ينظرون إليه ليس إلا شريحة من الجداران (بوصفها سجلا موضوعيا للبيئة والمحيط)، وأحيانا يتمادى كريم رسن  برسم طابوق في اللوحة؛ كما يقوم بإخفاء توقيعه في احد أقصى أطراف اللوحة تحت ركام العلامات وغلالات اللون؛  برغبة جامحة بالتواري خلف آثار سطح الجدار، وبذاك يعلن كريم رسن موت منتج الخطاب لصالح فاعلية اللوحة الفنية "فهو فنان محيطي أو بيئوي يحاول ان (يستلّ) من (لحظة) التقائه مع العالم المحيط (ما) يمكن ان يحقق تواصل معه" حيث تتم إحالة اللوحة إلى "(شريحة جدارية أو أرضية) منظورا إليها بصورة مجهرية أو تلسكوبية"  (آل سعيد، مقال منشور في الموقع الالكتروني لكريم رسن)، أو يعيد إنتاج فعل قوى الطبيعة والأثر الفني، عندها سيكون "المبدأ الأساس  لهذه (المرجعية) هو (لبدء) من المحيط وليس الانتهاء إليه".

3

حينما يكتب فاروق يوسف ان كريم رسن يجد مصادره في الفن لا في الحياة، وانه لا يستعين بذاكرته البصرية بقدر ما يستعين بمتحفه الخيالي، فان فاروق يوسف ينفي النصف الآخر من مصدري الأثر الفني في سيرورته الأخيرة نحو (القيمة الفنية)؛ وذلك لان اللوحة عند ذاك لا تكون "أكثر من (نسخة ثانية) لأي سطح كان: الأرض.... العمل الآخر ، إنها (تنصيص)" حسبما يؤكد آل سعيد (أنا النقطة فوق فاء الحرف، بغداد، 1998، ص 36)

4

يعود كريم رسن إلى معمار ثلاثي لأعماله ، حينما كانت بنية لوحته، وجغرافية عناصرها، ماثلة بزحزحة مختلفة هذه المرة، فقد كان فيما مضى يبني على الضروب الثلاثة التي وصفها سهيل سامي نادر قبل أعوام "الأول، حر يعتمد على موضوع تخطيطي عام، وتوزيع كيفي لبعض الأشكال العضوية والنباتية والرمزية، والثاني، يعتمد بالكامل على موتيفات صغيرة مغلقة هي رديف كتابة تصويرية، وضعت في حقول عمودية وأفقية، والثالث، يتخذ شكل اتجاه غرافيكي حر يستفيد من رسوم الأطفال من حيث التوزيع ونقاء الإحساس وكفاية التعبير الجوهري للخط"، بينما هو الآن يزحزح تلك الضروب الثلاثة لتتألف من: أولا، مساحات اللون الواسعة، وشبه النقية التي هيمنت على تجربته عقودا طويلة، ثانيا، بقع وضربات وبثور لونية ينفثها أحيانا على سطح اللوحة مباشرة وأحيانا بواسطة قوالب حروف لاتينية، وهي حروف غير قابلة للقراءة غالبا، على عكس تلك التي يكتبها محمد مهر الدين مقروءة ليوصل بها رسالة لغوية إلى المتلقي، ثالثا، أشكال مشخصة ملصقة ككولاجات، أو مرسومة بطريقة طفولية مشخصة.
تعود لوحة كريم رسن، شيئا فشيئا، مقارنة بمنجزه السابق، إلى بساطة تركيبية حيث تقل سماكتها التي كانت تجعل منها عملا يمتلك بعدا رابعا، من خلال العمق الذي تصنعه مختلف تجارب الحك، والحفر، والشطب التي كان يجريها في عمق اللوحة، وهو ما كان شاكر حسن آل سعيد يسميه "الحفر في لحم اللوحة، والكشف عن إمكانيات السطح التصويري المخبوءة فيها"، حيث كان كريم رسن يقوم "بمعالج السطوح بعدد من الأنسجة المتشكلة من اللون، والخدوش، والرسوم المحفورة، والخطوط اللاهية الموضوعة الواحدة فوق الأخرى" .  
كانت لوحة كريم رسن منغمسة في التجريد اللاشكلي إلا ان تطوراته الأخيرة بدأت تعود باللوحة إلى ان تنطوي على علامات كاليغرافية خطوطية تذكر بذلك الفن الخام، وفن المرضى العقليين، ونتاجات الفنانين الهامشيين    outsider artist، برسومه التي تتصف بفجاجتها، وبساطتها، وهي تشكل عند كريم رسن اللمسات النهائية في بناء اللوحة.

5

أرسل لي الرسام رسالة على الايميل كتب موضحا آخر اهتماماته "الجمالية والفنية بـموضوع (الأثر الإنساني والبيئي المحيطي)"، من خلال البحث "في الأماكن المخصصة للإعلان والعشوائية، حيث يـُعلن فيها عن كل شيء........... وتتسم تلك الأماكن بأنها غير منتظمة (عشوائية)، ومن كثرة ما الصق عليها وما ثبت عليها بواسطة آلات التثبيت (الكابسة)، وما نزع منها فصارت تبدو وكأنها عمل تجريدي كبير نفذ بوسائل مختلفة........... وفي كثير من الأحيان يمكن مشاهدة طبقات تصل سماكتها بضعة سنتمترات قبل إزاحتها بشكل كلي من مكان الإعلان مشكلة طبقات مملوءة بالصورة المجتزئة والكتابات غير المقروءة سوى أنها حروف كانت في السابق :كلمات، أو جملا لمادة إعلانية، وفي أماكن أخرى توجد كتابات كبيرة ورسومات قد تكون نفذت خلسة بواسطة بخاخات الأصباغ الملونة، وهي لمسات محمومة وسريعة لربما كان يريد فاعلها التعبير عن فكرة ما أو ليعلن عن ما بداخله من رفض لحالة ما. ولكنه قد يكون عارفا، أو لا بأنه قد ساهم بانجاز عمل فني بيئي مع عوامل أخرى كانت بالأصل موجودة، وقد يراه البعض بغيضا، بينما يتفاعل آخرون معه" كما فعل كريم رسن ذاته.
إن ديناميكية الإلصاق، الإزاحة، الكشط، وإضافة طبقات فوق أخرى هو جانب من اهتمامات (كريم رسن) الفنية والجمالية........ وفي هذا المعرض قد استجدت كثير من الرؤى والإضافات التقنية...... :الإلصاق المباشر لأجزاء من البوسترات والمصورات، واستخدام بيئة أو مواد مناسبة لها، واستخدام مواد أخرى كبخاخات الألوان الفنية، الأحبار، ألوان الاكرليك الحروف والكلمات المطبوعة والمرسومة، واستخدام الآلة الكابسة المستخدمة لتثبيت الورق على سطوح اللوحات. وفي الطبقات النهائية للوحة الفنية استجدت بعض الإضافات أيضا والمتمثلة ببعض الرسومات التشخيصية التعبيرية والتي عادة ما تكن بورتريتات شخصية"

6
إذا كانت هناء مال الله قد أسست ، أو اكتشفت (تقنية الخراب)، فيبدو ان كريم رسن يؤسس، أو يكتشف هو الآخر (تقنية الفوضى أو العشوائية).


السبت، 21 يناير، 2012

الرسامة إيمان عبد الله تحوّلُ الحرفِ إلى... سطحٍ ببعدين (=لوحةٍ)

الرسامة إيمان عبد الله
                                                                                       

                  تحوّلُ الحرفِ إلى...

                              سطحٍ ببعدين (=لوحةٍ)

                                                                                         خالد خضير الصالحي

1

لا تُنَوّعُ إيمان عبد الله كثيرا في تقنياتها الحروفية، كما لا تحاول ان تتوغل في الحرف باعتباره رؤية، كما حاول آل سعيد ان يعطيه، ويرفعه، ويتعامل معه من خلال الاوفاق والجداول السحرية، ولا ان يكون ذلك الحرف رسالة مواصلاتية بشكل مباشر، أو بشكل مبطّن، كما يقدمه محمد مهر الدين، فالمهم عندها ان يتحول الحرف (=الحروف) إلى سطح ببعدين يحمل ما تستطيع تحميله من مواصفات، أو اشتراطات اللوحة (العمل الفني) في جوهرها النهائي باعتبارها في النهاية مادة على سطح، أي ان لا تكون اللوحة في النهاية إلا عملا فنيا حتى وان ظلت تحمل ذكريات (الكل) الذي اجتُزِئَت منه (شريحةُ) اللوحة، ذلك الكل الذي لم يكن إلا مدونات متنوعة من: الاوفاق، والجداول السحرية، والرقى التي تنطوي: أرقاما وحروفا غامضة.

لا تشغل الرسامة إيمان عبد الله محمود نفسها كثيرا بالتهندس الرياضي الذي ينشغل به (كتّاب): الرقى، والاوفاق، والجداول السحرية من: معادلات، وقيم رياضية تتنافذ بين الأعداد والحروف.. فقد كانت تلك الرسامة تتحرك في مستوى أفقي داخل (المدونة): صعودا ونزولا، صعودا باقتباس صفحات المخطوطات أو أغلفتها، ونزولا إلى اجتزاء شرائح (مقاطع عرضية =أجزاء) منها، وبذلك يتواشج المحتوى والشكل بطريقة لا يمكن معه فصلهما حتى ولو لأغراض (امبريقية) دراسية، فـ"تظل اللوحة ككتاب (طرسا) لا غنى عنه.. ويظل الكتاب المحكيّ في مستواه الجديد، كتسجيل صوتيّ، أزلا له. (إلا تنم هذه المعادلة عن معنى (منزلة) البعد الواحد من البعدين؟) ولكن يظل المؤلف أزلا للقارئ، أزلا للعمل الفني أي مستقلا بوجوده لذاته" (آل سعيد، أنا النقطة فوق فاء الحرف، بغداد 1998، ص54)..
                                                             
2

لقد كانت إيمان عبد الله محمودا جزءا من اتجاه الفن المحيطي الذي حاول آل سعيد ترسيخه عند جيل السبعينات في مواجهة دعوات كان يقودها كتّابٌ في النقد التشكيلي تدعي، في خضم الحرب العراقية – الإيرانية وأجوائها القاتمة، ان نهاية الرسم العراقي، وأحيانا كانوا يقولون العالمي!، نهاية تعبيرية، تماثل ما انتهت إليه التعبيرية الألمانية؛ فاستطاع آل سعيد بث الروح في الفن التشكيلي العراقي لتتجه اهتمامات أهم الرسامين الثمانينيين: هناء مال الله، إيمان عبد الله، كريم رسن، غسان غائب... توجهات كانت تترسّخ في ثلاثة متجهات رئيسة من (التعرية الشيئية) التي شكلت، مع التراكم، جوهر الفن المحيطي، فكان هؤلاء : أما ان يتوجهوا إلى (تقنية الجدران)، باعتبارها حوارا واعيا أو خطابا مرسلا بين ساكني المدن عبر آثار تلك الجدران وهو ما كرسه آل سعيد وعدد من تلاميذه : كريم رسن وغسان غائب، بينما كرست هناء مال الله المتجه الثاني (تقنيات الأرصفة) في الفن المحيطي وهو تعرية الأرضيات والأرصفة باعتبارها حوارا (غفلا) بين المارة والمدينة، أي بين أقدام المارة والطاقات الفاعلة في الوجود الشيئي في المحيط (=المؤثرات الطبيعية) في الجهة الفاعلة وبين الأرصفة والأرضيات من الجهة المفعولة، وهو ما رفعته الرسامة هناء مال الله إلى (تقنية الخراب) بعد هجرتها إلى بريطانيا، حينما ارتقى إلى درجة التخريب الثقافي الذي نشأ في بنية الثقافة العراقية بعد الاحتلال، والذي ابتدأ بنهب وتخريب المتحف العراقي وبغداد باعتبارها (أرضية) الثقافة العراقية، وكانت (تقنية المخطوطات) ثالث المتجهات في الفن المحيطيّ العراقيّ، وهو اتجاه حاول العديد من الرسامين معالجته، كل وفق رؤيته المختلفة :فقد بدأ ضياء العزاوي منذ البواكير الأولى لمنجزه، وكرسه في سبعينات القرن الماضي حينما اتجه للاشتغال في ميدان المخطوطة التي عالجها بخصوصية استثنائية جعلتها مشروعا محيطيا للوحة؛ فأنتج لوحات (مخطوطات) تواشجت فيها: النصوص، والحروف، والأشكال المشخصة وغير المشخصة..

وكان كريم رسن يستقري لوحات الإعلانات التي تلصق فيها: صفحات الإعلانات والصور فوق بعضها لتتمزق بعد حين بدرجات متفاوتة، ويوضع عليها الصبغ، وكتابات (السبريه) ذات الغاز المضغوط والألوان المنفوثة؛ فحوّلها في معرضه الذي أقامه في قاعة (هيتيت غاليري) في تورنتو؛ ورفعها إلى مستوى تجربة رسم محيطية بامتياز، متتبعا تعريف آل سعيد لأهم مستويات العمل الفني، (وهو يعني تحديدا باعتقادنا، العمل التشكيلي واللوحة منه بوجه خاص): مستوى "المادة الأولية أي الصبغة اللونية والمواد المضافة على السطح، ثم مستوى التضمين: كالملصّقات، والمرقـّعات، والتجمعات، والحروف..." (أنا النقطة فوق فاء الحرف، بغداد، 1998، ص15)؛ وقد طبق آل سعيد آلية التناول (الشيئية) هذه في دراسته لمنجز كريم رسن، فحينما اعتبر اللوحة (تنصيصا) أو نسخة ثانية لأي سطح كان، اقترح دراسة لوحة كريم رسن من خلال "التوغّل في تجاوز السطح التصويري ذي البعدين.... من اجل الوصول إلى (ما قبله) أي إلى البعد الواحد..... عبر تقنية تنصبّ على أسلوب الحفر داخل لحم اللوحة، والكشف عن إمكانيات السطح التصويري المطمورة فيها" (آل سعيد، مقال وغير مؤرخ ومنشور في موقع الرسام كريم رسن).

وتوجه محمد مهر الدين بكتاباته إلى إيصال رسالة مبتورة ومعماة شكليا، ولكنها واضحة تأويليا وتحاول إيصال رسالة مواصلاتية، وحاول محمد الشمري استبطان الكتابات اللاتينية على علب الكارتون وإعادة إنتاجها في اللوحة..



3

لقد استعادت إيمان عبد الله محمود المخطوطات باعتبارها (شريحة) عتيقة من صفحة مخطوطة تمثل حوارا رفيعا بين المرسل والمتلقي ولكن دونما رسالة لغوية مواصلاتية، فاتجهت إلى عدد من المدونات لتحقيق ذلك منها : صفحات المخطوطات الصريحة، ومخطوطات الرقى الاوفاق والجداول والكتابات السحرية، والسطوح المدينية (أرضيات المدن، وآثار التعرية) التي تحدث بفعل أقدام العابرين، أو بفعل عوامل التعرية المختلفة، والحروف المجتزأة من صفحات خرابيش تبدو الأيدي التي كتبتها أما لا تجيد الكتابة أو لا تعرفها، فبدت تلك الكتابات تشابكا غير مقروء يعلو بعضه بعضا... فكانت الرسامة في كل توجهاتها السابقة، حالها في ذلك حال هناء مال الله وغيرها من الرسامين، تحيل كل الإشارات المحيطية، والأشكال، وربما المشخصات إلى ملمسية أو (تجريدية تقنية) فلم ترسم لوحاتها إلا بهدف ان تكون شرائح ينوب فيها الجزء عن الكل؛ مما يمنحها رضا بأنها لم تزل ترسم في منطقة داخل الواقع (المحيط) مهما بدت لبعض المتلقين وكأنها تعمل ضمن منطقة شديدة البعد عنه، وهو الأمر الذي حرص عليه الكثير من الرسامين، ليس بنتاجهم الفني، وإنما بتفوّهاتهم المدوّنة وبناء أجهزتهم المفاهيمية التي بقيت تمتثل لِمَا أسّست له جماعة بغداد وحرصت عليه في البقاء ضمن دائرة تقع في متناول يد المتلقين في كل الأحوال حتى وان نَأََتْ نتاجاتهم عن المشخصات وبدت سادرة في توجهها نحو التجريد التعبيري (آل سعيد وتلاميذه) والهندسي (محمود صبري) لتعوضها من خلال إدامة الصلة مع المتلقين عبر الجهاز المفاهيمي وتدويناته المنشورة..

الأحد، 25 ديسمبر، 2011

الى سلام الناصر .... مايشبه الرثاء

الى سلام الناصر .... مايشبه الرثاء


نَمْ بسلامٍ؛

فالقبرُ كافٍ لحاجاتِكَ الصغيرةِ

1

حين باغتني القاص ناصر قوطي بخبر موت الشاعر سلام الناصر، كنت وقتها في جريدة طريق الشعب، قبل سفري الى مدينة دهوك بقليل، فالتفتّ لحظتها الى الناقد ياسين النصير، محاولة ان ابوح عبره للحاضرين بشعوري في ذلك الموقف، قلت بأن سماع خبر موت (احدنا)، نحن المشتغلين بالكتابة والابداع، كاف ليثير في اوصالي رعدة من الرعب؛ فاشعر لحظتها ان مكانا سيشغر في خط المواجهة الاول في جبهة الثقافة العراقية امام الموت الذي يهددها بالتآكل، فأمتلئ شعورا ان على احدنا ان يردم ذلك المكان الشاغر بنفسه في خط المواجهة ذاك، واشعر لحظتها ايضا ان المسافة التي تفصل بيٍن الاحياء منا وبين الموت غدت، بعد هذا الحادثة، اقصر مما يجب..



وكعادتي، كانت مواقف الموت هذه تصيب مني مراكز التفكير، والكتابة، والقول بعطب فوري؛ فأشعر ان الكلمات لا تخرج مني طيعة وكانني اعاني غصة مميتة، فلم يكن سلام الناصر انسانا: شفافا، وجميلا، وزاهدا بالحياة وبالمطامع البشرية الزائلة فقط، انما كان عابدا، ناسكا في محراب الشعر الذي كان عنده عبادة تكفيه مؤونة الدنيا التي لم يكن يأمل سوى من الشعر شفاعة على مِحَنِها.. فقلت لنفسي ها انتَ اذن تستفيق بعد الاخرين، عقب موتهم، ولم يعد هنالك مايمكنك قوله، فنحِّ القلم جانبا؛ وانتحب قليلا؛ فالدموع لا تغسل المآقي وحدها؛ فدعها تزيل عنك ادران الحياة، ومخلفات احزان الدنيا..

2

يا صديقي سلام الناصر! .. نم بسلامٍ

ودَعِ الدنيا لنا نحن الطامعين بها

اكتفِ بزهدِك الجميلِ

واعرضْ عنها كما كنتَ فينا

****

حدّقْ في قبرِكَ الذي يبدو واسعا

وكافيا لحاجاتِك الصغيرةِ

حدّقْ طويلا بنوافذِ قبرِك المؤصدةِ

وعلّقْ اكفانَكَ بقضبانِه

تذوّقْ طعمَ هواءِ الارضِ قبل ان تغادرَها

وتنشّقْ رائحةَ ترابِها

****

لا تلتحقْ بالجموعِ التي سبقتْكَ

فدعْ خطواتِكَ وحيدةً كما كنْتَ بيننا

كانتِ النوافذُ والشرفاتُ تدعوكَ اليها

فألقِ أحجارَكَ السبعةَ

فنحنُ لا نستحقُّ من هذه الدنيا الا إيّاها!

****

اضحكْ في سرِّك علينا

فلقد ارحْتَ كاهلَكَ من كلِّ الأثقالِ

وها انتَ مهيّأ للطيران!

****

ياصديقي سلام الناصر

سلام لك مني

وسلام عليك:

يوم ولدت، ويوم متّ، ويوم تبعث حيا!

الثلاثاء، 10 مايو، 2011

الرسامة إيمان عبد الله تحوّلُ الحرفِ إلى... سطحٍ ببعدين (=لوحةٍ)

الرسامة إيمان عبد الله                             


           تحوّلُ الحرفِ إلى...


                    سطحٍ ببعدين (=لوحةٍ)


                                                     خالد خضير الصالحي

1

لا تُنَوّعُ إيمان عبد الله كثيرا في تقنياتها الحروفية، كما لا تحاول ان تتوغل في الحرف باعتباره رؤية، كما حاول آل سعيد ان يعطيه، ويرفعه، ويتعامل معه من خلال الاوفاق والجداول السحرية، ولا ان يكون ذلك الحرف رسالة مواصلاتية بشكل مباشر، أو بشكل مبطّن، كما يقدمه محمد مهر الدين، فالمهم عندها ان يتحول الحرف (=الحروف) إلى سطح ببعدين يحمل ما تستطيع تحميله من مواصفات، أو اشتراطات اللوحة (العمل الفني) في جوهرها النهائي باعتبارها في النهاية مادة على سطح، أي ان لا تكون اللوحة في النهاية إلا عملا فنيا حتى وان ظلت تحمل ذكريات (الكل) الذي اجتُزِئَت منه (شريحةُ) اللوحة، ذلك الكل الذي لم يكن إلا مدونات متنوعة من: الاوفاق، والجداول السحرية، والرقى التي تنطوي: أرقاما وحروفا غامضة.

لا تشغل الرسامة إيمان عبد الله محمود نفسها كثيرا بالتهندس الرياضي الذي ينشغل به (كتّاب): الرقى، والاوفاق، والجداول السحرية من: معادلات، وقيم رياضية تتنافذ بين الأعداد والحروف.. فقد كانت تلك الرسامة تتحرك في مستوى أفقي داخل (المدونة): صعودا ونزولا، صعودا باقتباس صفحات المخطوطات أو أغلفتها، ونزولا إلى اجتزاء شرائح (مقاطع عرضية =أجزاء) منها، وبذلك يتواشج المحتوى والشكل بطريقة لا يمكن معه فصلهما حتى ولو لأغراض (امبريقية) دراسية، فـ"تظل اللوحة ككتاب (طرسا) لا غنى عنه.. ويظل الكتاب المحكيّ في مستواه الجديد، كتسجيل صوتيّ، أزلا له. (إلا تنم هذه المعادلة عن معنى (منزلة) البعد الواحد من البعدين؟) ولكن يظل المؤلف أزلا للقارئ، أزلا للعمل الفني أي مستقلا بوجوده لذاته" (آل سعيد، أنا النقطة فوق فاء الحرف، بغداد 1998، ص54)..

2

لقد كانت إيمان عبد الله محمودا جزءا من اتجاه الفن المحيطي الذي حاول آل سعيد ترسيخه عند جيل السبعينات في مواجهة دعوات كان يقودها كتّابٌ في النقد التشكيلي تدعي، في خضم الحرب العراقية – الإيرانية وأجوائها القاتمة، ان نهاية الرسم العراقي، وأحيانا كانوا يقولون العالمي!، نهاية تعبيرية، تماثل ما انتهت إليه التعبيرية الألمانية؛ فاستطاع آل سعيد بث الروح في الفن التشكيلي العراقي لتتجه اهتمامات أهم الرسامين الثمانينيين: هناء مال الله، إيمان عبد الله، كريم رسن، غسان غائب... توجهات كانت تترسّخ في ثلاثة متجهات رئيسة من (التعرية الشيئية) التي شكلت، مع التراكم، جوهر الفن المحيطي، فكان هؤلاء : أما ان يتوجهوا إلى (تقنية الجدران)، باعتبارها حوارا واعيا أو خطابا مرسلا بين ساكني المدن عبر آثار تلك الجدران وهو ما كرسه آل سعيد وعدد من تلاميذه : كريم رسن وغسان غائب، بينما كرست هناء مال الله المتجه الثاني (تقنيات الأرصفة) في الفن المحيطي وهو تعرية الأرضيات والأرصفة باعتبارها حوارا (غفلا) بين المارة والمدينة، أي بين أقدام المارة والطاقات الفاعلة في الوجود الشيئي في المحيط (=المؤثرات الطبيعية) في الجهة الفاعلة وبين الأرصفة والأرضيات من الجهة المفعولة، وهو ما رفعته الرسامة هناء مال الله إلى (تقنية الخراب) بعد هجرتها إلى بريطانيا، حينما ارتقى إلى درجة التخريب الثقافي الذي نشأ في بنية الثقافة العراقية بعد الاحتلال، والذي ابتدأ بنهب وتخريب المتحف العراقي وبغداد باعتبارها (أرضية) الثقافة العراقية، وكانت (تقنية المخطوطات) ثالث المتجهات في الفن المحيطيّ العراقيّ، وهو اتجاه حاول العديد من الرسامين معالجته، كل وفق رؤيته المختلفة :فقد بدأ ضياء العزاوي منذ البواكير الأولى لمنجزه، وكرسه في سبعينات القرن الماضي حينما اتجه للاشتغال في ميدان المخطوطة التي عالجها بخصوصية استثنائية جعلتها مشروعا محيطيا للوحة؛ فأنتج لوحات (مخطوطات) تواشجت فيها: النصوص، والحروف، والأشكال المشخصة وغير المشخصة..

وكان كريم رسن يستقري لوحات الإعلانات التي تلصق فيها: صفحات الإعلانات والصور فوق بعضها لتتمزق بعد حين بدرجات متفاوتة، ويوضع عليها الصبغ، وكتابات (السبريه) ذات الغاز المضغوط والألوان المنفوثة؛ فحوّلها في معرضه الذي أقامه في قاعة (هيتيت غاليري) في تورنتو؛ ورفعها إلى مستوى تجربة رسم محيطية بامتياز، متتبعا تعريف آل سعيد لأهم مستويات العمل الفني، (وهو يعني تحديدا باعتقادنا، العمل التشكيلي واللوحة منه بوجه خاص): مستوى "المادة الأولية أي الصبغة اللونية والمواد المضافة على السطح، ثم مستوى التضمين: كالملصّقات، والمرقـّعات، والتجمعات، والحروف..." (أنا النقطة فوق فاء الحرف، بغداد، 1998، ص15)؛ وقد طبق آل سعيد آلية التناول (الشيئية) هذه في دراسته لمنجز كريم رسن، فحينما اعتبر اللوحة (تنصيصا) أو نسخة ثانية لأي سطح كان، اقترح دراسة لوحة كريم رسن من خلال "التوغّل في تجاوز السطح التصويري ذي البعدين.... من اجل الوصول إلى (ما قبله) أي إلى البعد الواحد..... عبر تقنية تنصبّ على أسلوب الحفر داخل لحم اللوحة، والكشف عن إمكانيات السطح التصويري المطمورة فيها" (آل سعيد، مقال وغير مؤرخ ومنشور في موقع الرسام كريم رسن).

وتوجه محمد مهر الدين بكتاباته إلى إيصال رسالة مبتورة ومعماة شكليا، ولكنها واضحة تأويليا وتحاول إيصال رسالة مواصلاتية، وحاول محمد الشمري استبطان الكتابات اللاتينية على علب الكارتون وإعادة إنتاجها في اللوحة..



3

لقد استعادت إيمان عبد الله محمود المخطوطات باعتبارها (شريحة) عتيقة من صفحة مخطوطة تمثل حوارا رفيعا بين المرسل والمتلقي ولكن دونما رسالة لغوية مواصلاتية، فاتجهت إلى عدد من المدونات لتحقيق ذلك منها : صفحات المخطوطات الصريحة، ومخطوطات الرقى الاوفاق والجداول والكتابات السحرية، والسطوح المدينية (أرضيات المدن، وآثار التعرية) التي تحدث بفعل أقدام العابرين، أو بفعل عوامل التعرية المختلفة، والحروف المجتزأة من صفحات خرابيش تبدو الأيدي التي كتبتها أما لا تجيد الكتابة أو لا تعرفها، فبدت تلك الكتابات تشابكا غير مقروء يعلو بعضه بعضا... فكانت الرسامة في كل توجهاتها السابقة، حالها في ذلك حال هناء مال الله وغيرها من الرسامين، تحيل كل الإشارات المحيطية، والأشكال، وربما المشخصات إلى ملمسية أو (تجريدية تقنية) فلم ترسم لوحاتها إلا بهدف ان تكون شرائح ينوب فيها الجزء عن الكل؛ مما يمنحها رضا بأنها لم تزل ترسم في منطقة داخل الواقع (المحيط) مهما بدت لبعض المتلقين وكأنها تعمل ضمن منطقة شديدة البعد عنه، وهو الأمر الذي حرص عليه الكثير من الرسامين، ليس بنتاجهم الفني، وإنما بتفوّهاتهم المدوّنة وبناء أجهزتهم المفاهيمية التي بقيت تمتثل لِمَا أسّست له جماعة بغداد وحرصت عليه في البقاء ضمن دائرة تقع في متناول يد المتلقين في كل الأحوال حتى وان نَأََتْ نتاجاتهم عن المشخصات وبدت سادرة في توجهها نحو التجريد التعبيري (آل سعيد وتلاميذه) والهندسي (محمود صبري) لتعوضها من خلال إدامة الصلة مع المتلقين عبر الجهاز المفاهيمي وتدويناته المنشورة..

الأحد، 31 أكتوبر، 2010

النحات العراقي هيثم حسن ... يخلق أساطيره الجديدة بخرق التخوم


النحات العراقي هيثم حسن



يخلق أساطيره الجديدة بخرق التخوم


خالد خضير الصالحي



اقام النحات العراقي هيثم حسن، وبدعوة من جمعية النحاتيين الكنديين، معرضه الجديد (ميثولوجيا) في صالة مركز النحت الكندي في مدينة تورونتو الكندية أواسط تموز القادم، فقدم 24 عملا نحتيا...

                             *******

كتبنا عن تجربتي هيثم حسن السابقتين : تجربة البرونز ثم تجربة المانيكانات؛ فأكدنا إن القدرة الاستثنائية للنحات هيثم حسن على تلمسه جوهر المادة (=شيئيتها) جعله يدرك أن طاقة التعبير التي استثمرها في البرونز طيلة السنوات السابقة قد استنفدت وبالتالي قد شارفت لديه على نهايتها، وصار عليه أن يغيرها هي، لا أن يغير أشكاله أو تكنيكاته فيها، فشعر أن المادة الجديدة المؤهلة للتعبير عن (العري) الجميل يجب أن تقترن بعنصرين مفقودين في تجربته سابقا، ولا يتيحهما البرونز: اللون والضوء.

بينما أسس تجربة حشود المانيكانات مما يبدو وكأنها قالب واحد صنع لينتج جيشا لا حدود له من المانيكانات التي يجري عليها آخر اللمسات التي تعطيها دفق تنوعها الذي يكفل أن لا يكون المعرض وكأنه منحوتة واحدة، كما كان شعوره بالعري الفاضح قد دفعه الى شتى الإجراءات الكابحة التي كان يجريها على كل منحوتة من تداخلات جراحية تجريدية تقتطع أجزاء من الجسد في عملية كبح، ربما لا واعية، للعري الداعر الذي يشعره في منحوتاته ربما بسبب امتلاء أجسادها.

                                        *******

قد يقرأ البعض عناوين منحوتات المعرض الأخير للنحات العراقي هيثم حسن دلالة لاشك فيها على توظيف الأسطورة في أعماله النحتية؛ إلا أننا نعتقد ان النحات، في هذا، يخلق أساطيره الجديدة في النحت العراقي حينما يخرق التخوم، او المياه الإقليمية بين النحت والرسم، ففي بحث استغرق محاولاته الأخيرة، حقق هيثم حسن ثلاثة خروقات مهمة أعانته في مسعاه هذا، وحققت له قطيعة واضحة (ضمن) النحت العراقي : الأول إبداله المواد التقليدية للنحت، والتوجه نحو مواد جديدة كل الجدة في النحت العراقي؛ فلم يعد الطين او البرونز او الخشب، المادة التي ينحت منها هيثم حسن أعماله؛ فقد حسم أمره، وهاهو الآن يستخدم ما يشاء من المواد المطاوعة التي تسع حريته، وتتقبل السبب الثاني، وهو إدخال اللون عنصرا بنائيا في منحوتاته، وليس كما كان يجري، بشكل تزييني، في بعض محاولات التلوين في النحت العراقي سابقا، ومن هاتين الآليتين الحداثيتين استطاع هيثم حسن إعادة النحت، او الأدق الفن التشكيلي، الى عصور وحدته الشكلية، حينما كانت (اللوحة-المنحوتة) ملونة ومجسمة في الوقت ذاته، وثالث الخروقات ان مشخصاته لم منفردة، ومعزولة، فلم يعد يحيطها الفراغ فقط من كل جهة، بل صارت، قبل ان يحيطها الفراغ، جزءا من عمل تشكله أحيانا مشخصات أخرى تتقاسم مع بطل المنحوتة الحيز، وأحيانا يتقاسم هؤلاء الاثنان الفضاء مع خلفية تسكنها : الأرقام، والخطوط، والآثار التي تركها الآخرون، وبذلك فهو يخلق أساطيره حينما يحاول ان يحول الحكاية، بتمظهراتها الشفاهية، والمدونة الى نص بصريّ، نص من العسير قراءته ولكن من العسير كذلك نكران الاعتراف بوجوده... نص اكتمل بوجوده تحول المنحوتة عمليا الى لوحة مجسمة، من خلال ممارسته (الرسم) على أجساد المنحوتات، او الرسم على جدار ليس تام التسطيح تستند عليه المنحوتة محملا إياه ما شاء من الكتابات غير المقروءة، بمعنى أنها لا تشكل نصا ذا معنى، وتكتفي فقط بوجودها البلاستيكي الشيئي، وبذلك تتحول المنحوتة الى لوحة غير مسطحة تستجيب لكل ما يعتقده هيثم حسن جزءا من فاعلية الرسم؛ فكان الاختلاف الأهم بين تجربة المانيكانات والتجربة الأخيرة، ان اللون في الأولى كان يبدو نابعا من المادة الأصلية للمادة بينما تنفتح الآن على تقنية أخرى من خلال اللون الخارجي الذي ينبع من اللون المضاف، لكنه لم يزل تواقا لاستثمار سحر وهيمنة الألوان وتأثيرها على المتلقي، من خلال استخدام اللون مؤثرا دراميا ودلاليا بترك النحات الألوان تقول ما تريد..
وهذا هو التحول الأهم الذي ادخله النحات هيثم حسن ضمن معرضه هذا؛ فشكل برأينا جوهر أسطورة النحت عند هيثم حسن..


 

الأربعاء، 27 أكتوبر، 2010

الرسامة الأردنية هيلدا حياري في تجربتها الأخيرة...

من
الإيقاع الداخلي..  الى الحركة العاصفة

خالد خضير الصالحي





العــراق ... البـصرة

قضت الرسامة الأردنية هيلدا حياري ردحا من تجربتها وهي ترسم، وتعيد رسم كواكبها الدائرية، والدوارة على بعضها، سنوات طوال، فكانت لوحاتها سماوات مرقشة بالكواكب والمجرات، أو جلودا منمشة تملؤها البثور، بيد ان رياح التغيير كانت تهبّ بشكل وئيد وغير محسوس، فجاءت تلك التحولات الأخيرة لتؤكد أنها كانت تتحرك في أفق يمكن قراءته من وجهين : وجه ضيق يحصر تجربتها في ان تكون اشتغالا على عدد محدود من عناصر اللوحة : اللون والتكوين، ووجه آخر يتبين حينما ننظر الى الموضوع من زاوية أكثر إشراقا حينما نراها عناصرَ لا حدود لمديات اشتغالها، فتبدو حينئذ تجربتها الأخيرة متميزة بنمط من خلخلة عناصر التجربة في مسعى حثيث لآفاق جديدة تتمثل في إنزياحات عناصرها السابقة، فكانت الحياري سادرة في الاشتغال على ذات الوحدات الصغيرة في كل لوحة مزحزحة إياها نحو سيرورات أخرى.


تشتغل هيلدا حياري على مرجعيات بصرية، قد تكون خفية حينا أو تحاول الرسامة إخفاءها، شانها شان كل المبدعين، فكانت تلك المرجعيات تظهر رأسها خلسة أو مواربة ولكنها يمكن ان تتبين معالمها عارية تحت الفحص المتمعن لنرى فيها ما ترسمه الطبيعة بكل تقلبات عناصرها، وألوانها : والأرض، والتراب.. وتحولاتهما؛ فكانت الطبيعة تدهشها الى درجة قصوى، وكانت الكثير من أعمالها ليست إلا تكثيفا لرؤيتها للعالم وما يدور حولها من وقائع بصرية، كما كان لها معين آخر غير معرّض للنضوب هو خيالها الجامح الذي كانت تتلمس فيه دوافع لا تقاوم لإعادة إنتاج كل تلك المرجعيات البصرية... وهو ما يسميه الناقد والتشكيلي السوري طلال معلا (التفكير البصري) الذي "سعت إليه (الرسامة) متحالفة مع تقنيات توّصف مجمل أعمالها.... بصور لها طاقتها ووعيها الداخلي.." ويصفه معلة بأنه كامن في اللاوعي كـ(مساحات الاشتغال في الكهوف الأولى) وبذلك لا تعدو اللوحة عند هيلدا حياري ميدانا سرديا بل واقعة شيئية مادية بصرية.
كانت التجربة الأخيرة للرسامة هيلدا حياري تعتمد الأشكال التي تصنعها الألوان، ومحيطاتها (الكفافية)، وما زالت تعتمد الستراتيج ذاته حتى الآن، ولكنها اليوم مازجت معها نمطا من الحركة الخارجية ففي حين كانت الحركة في معارضها السابقة حركة وئيدة وداخلية صارت أشكالها تبدو وكأنها منجرفة بقوة عارمة في إعصار يكتسح معه كل شيء .. وكأننا أمام نمطين من الشعر : أمام نمط ذا موسيقى صادحة مارشية ذات قافية رنانة، ونمط آخر ذا إيقاع داخلي يستشعره القارئ ولكنه عصي على التبيين اللغوي والإمساك العقلي... فكـأن ما يقوله الناقد البريطاني هربرت ريد بأن "الفن كله تطور لعلاقات شكلية"، ينطبق على هيلدا حياري في كل مراحل تحولاتها الفنية أكثر مما ينطبق على غيرها، فهي من أولئك الرسامين الذين لا تعني اللوحة عندهم غير ان تكون مشروعا لعلاقات بصرية شكلية، او لونية ذات محيطات (كفافية) تولّد أشكالا غير مشخصة لا حصر لها؛ فكان المتلقون، وحتى النقاد، يحارون في ابتداع مرجعيات تشخيصية يستلها خيالهم من الواقع المعيش أحيانا، ومن المحيط، بمعناه الوجودي الواسع أحيانا أخرى، فمنهم من قال أنها " صياغة مفتوحة الأفق بمستوى جمالي شاعري تغيب عنه الدلالات الرمزية طواعية .. بما لا تسمح به حساسية فنانة مفتونة بتلقائيتها وبانجذابها لخلاصات أشكال وضربات لونية تؤكد حضور ترددات إيقاعية عالية .. ودرجات ضوئية متضادة وحينا آخر متجانسة ..."، ومنهم من رأى أنها" لم تبتعد في تصميم جداريتها عن أيقوناتها الأثيرة السابحة في ماء الحياة بل أضافت خطوطا رمزية وأشكال (كذا) تشبه صور (كذا) اختزالية للبشر تلك الصور التي تملا لوحتها بالصخب والحركة والألوان ... نسيح في تفاصيل لوحة هيلدا كما لو كنا نقرا ذواتنا ليست الألوان فيها سوى الأفكار التي تؤرقنا أو هي النار التي تحرقنا ... أما الكائنات الصغيرة البيضاء والحمراء المؤثثة للفوضى والنظام في آن واحد .. فهي نحن قبل أن نتخلق بشرا إنها الصورة الأولى لحيواتنا ربما تريد هيلدا أن تثبت عقارب الزمن عند سور الطفولة وطقس العبث ..."، واخرون قالوا ان " لو حة هيلدا حياري هي نواة الشكل الأول حينما تعود إلى الأصل ... لوحة تخرج اللاوعي بتكويناته البدائية إنما المصقولة فهي تطلق كائناتها أو حيواتها التي غابت في زحمة الوعي عن الحضور .... كائنات بدئية ملونة وراقصة تفتش عن روح جديدة للوحة الصادرة عن اللاوعي ومهارة الوعي التشكيلية وبين هذا وذاك تفتيش عن الولادة الجديدة" ويقترح اخر ان نتخذ "الانتباه الى ما تقترحه علينا في لوحاتها الجديدة من إنتقالة فذة، حيث هذا الانفجار اللوني الأخاذ، والشكل الذي يواصل تحرره في علاقات بالغة الاختلاف عما كانت في أعمالها السابقة. كأن ثمة شعور بأن للون قد بلغ درجة متقدمة من النضج، بحيث يقدر على قيادة تقنية اللوحة أكثر مما كان يفعل الشكل في السابق. اللون هنا صار هو ما يخلق الشكل ويحرره في آن. هنا سيشعر المشاهد بأن حساسية الطاقة البصرية (التي تعيد هيلدا اكتشافها الآن في الفيديو آرت) ضاعفت لديها وعي حريات اللون بوصفها عنصر الفعل الأول في مرحلتها الجديدة".... وهؤلاء في كل ما قالوا، فإنهم إنما يلتمسون الأعذار لأنفسهم من اجل اقتراح مقاربة للتلقي تنسجم وذائقتهم وفهمهم لـ(دور) العمل الفني و(أهدافه)، ولكن لوحة هيلدا حياري تبقى، برأينا، نموذجا لعلاقات شكلية (مادية، شيئية، متيريالية) هي في حقيقتها تمثل الجوهر الحقيقي للرسم الذي يبدأ وينتهي مادةً توضع على سطح، بعد ان يتم التعامل معها بشكل خلاق.








الرسام صدر الدين أمين يؤسس تجربته من تواشج بساطات ثلاث: شكلية ومادية وتقنية

نسق فني
        (خارج ثقافي
                 the outsider art)





خالد خضير الصالحي
مثلما اجمع النقاد عندنا على ان (التعبير عن الروح المحلية) او الفولكلور العراقي هو جوهر تجربة الرسام فيصل لعيبي، لم يكن صدر الدين أمين، الفنان العراقي المغترب ليخرج كذلك عن توصيف اجمع غالبية النقاد عليه، حينما كانوا يصفونه بأنه فنان بدائي، لكن ما يثير الغرابة حقا أنهم لم يكونوا يكترثون إلى أهمية تبرير حكمهم، فلم يعرض اغلبهم أسباب مسلّمتهم هذه، وكان ذلك راجع على الأغلب بسبب ما يرونه من درجة الهوس التي كان يبديها الرسام صدر الدين أمين بالمحيط، والبيئة، وموجوداتهما من الكائنات التي يتخذها وسيلة بصرية بهدف الكشف عن المعطيات الجمالية الكامنة في ثنايا الكيان المحيطي
بصفته موضوعه الأثير وربما الوحيد، بينما تشكل لقى ذلك المحيط بوابة الفنان إليه، وهي بوابة ذات اتجاه نسغي ارتدادي، يبدأ من ذات الفنان نحو لقى المحيط، ويعود إليها؛ مما يؤكد اعتبار تجربته واحدة من التجارب التعبيرية ــ التجريدية العراقية التي تستلهم المحيط، وتحاول أن تَسِمَ ما تضمه من لقى المحيط بالقناعات الشكلية التي يؤمن الرسام صدر الدين أمين بها، والتي يبني وفقها منظومته الشكلية، ففي الوقت الذي آمنت فيه أعداد غفيرة من الرسامين العراقيين ان موضوع اشتغالها مستحثات الجدران العتيقة، فاتجهوا إلى تلك الجدران يستقرئون مستحثاتها الشكلية في السطوح التي يستنطقونها، ويجرون بحوثهم الأركولوجية عليها؛ لاكتشاف كوامنها الإشارية والعلاماتية، ومعالجة نسيجها، وإجراء تجاربهم عليها، باعتبارها مقطعا عرضيا، او شريحة نسيجية تحمل واقع الحياة الإنسانية في اصغر تفصيلاتها، من خلال اكتشاف مخلفاتها التي تشكل أثرا لمرور إنساني ترك إشارته على سطح المحيط: كتاباتٍ وآثاراً وحزوزا، ولكن صدر الدين أمين لم يرغب في تتبع آثار أولئك الرسامين وسواهم، فاتجه متجها داخليا حينما بدا يملأ سطح لوحته بكل ما حملت ذاكرته من كائنات عايشها طويلا؛ فاندغمت؛ وصارت جزءا من وعيه بالشكل في تداخله مع الطبيعة؛ فظهرت لوحته وهي تضم حشدا خليطا من البشر الذين يرتدي بعضهم أقنعة، ويضع بعضهم قروناً كما كان القدماء يرسمون السحرة على شكل شامانات، او حيوانات خرافية تمتزج أشكالها بحشود لا حصر لتنوعها من: اسماك، وقطط، وثعابين، وسلاحف، وطيور، و أقمار، ونجوم، وشموس، ونباتات، وزواحف، وأشجار، وورود في كرنفالات تشترك فيها كل هذه الجموع، لتمثل هذه الحكايات والأساطير معينا أساسيا في تشكيل البنية الثقافية المستمدة من الميثولوجيا الشعبية لمناطق الغابات الجبلية في العراق والتي أعاد صدر الدين أمين صياغتها من خلال فن عالي التقنية والصياغة البنائية.


كانت موضوعاته مليئة بالتماعات البراءة وسلطتها على الأشياء، غير عابئة بردود الفعل حول مدى التوافق بين تصوراتها وبين حقيقية تلك الأشياء، فمهما تكون الفكرة (ساذجة) بمعنى فطرية، او بمعنى أدق ان تكون خارج النسق الفكري (الحضاري) المهيمن؛ فإنها تشكل جوهرا رفيعا وحرا للمخيلة، نعده من مكملات الوعي (العقلاني).
فكانت الحكايات والخرافات والمعجزات والسحر تعبيرا عن حلم الإنسان وعن هدفه العظيم وكانت تلك الفنون (الخارج ثقافية) ” نمطا من الجمال النابع من السجية التي لم تشوهها الأحداث والنظريات وتقنيات الثقافة فتدثرت بدثار البساطة والعمق” فكانت هذه التجارب الفطرية متجاوزة لكل القيم المقبولة والمحظورة معا فيما يخص القواعد التي تموضع عليها الفن الرسمي المنتمي إلى قيم الثقافة؛ فكانت تسحر بموادها وتقنياتها وأشكالها المتجاوزة، وكانت فنونا تضرب بجذورها في عمق اللاوعي الجمعي البشري والفنون ( البدائية) والشعبية وفنون الأطفال والمرضى العقليين وقبلها فن الكهوف وفن الأقوام (غير المتحضرة) وهي كلها تستمد قيمها من البساطة الشكلية والمادية والتقنية في (نسق قيمي) تحتل فيه هذه البساطات الثلاث المرتكز الأساس من خلال تواشجها مع بعضها دونما انفكاك، ودونما قواعد مفروضة خارج هذه البساطات الشيئية.
يبدو ان قناعة صدر الدين أمين كانت تتجه في منجزه الأخير نحو تكريس إشارات المحيط باعتبارها أيقونات، على تنوعاتها الشكلية ومكونات أساسية في بناء العمل الفني؛ لأنه لم يكن يهدف إلى استضافة (المرجع) ليستنسخه بأية درجة كانت من التفاصيل على سطح اللوحة؛ فنسخ الشكل لم يكن من أهدافه بل “ترجمة الإدراك فنياً، أي تدمير المحيط نفسه لصالح ولادته الجديدة على سطوح التصوير”، وهو وعي يضمن تحرر منجزه المتحقق من خلال تشفير وتحوير أشكال المرئيات، فهو بالمقابل يؤسس نظاما تحكمه قوانين اللوحة أكثر مما تحكمه قوانين الواقع، فلم يكن يكترث لأية مركزية شكلية؛ فهو لا يحاول ان يقنن تدفق الأشكال الذي ينهي أية فاعلية للقوانين الاقليدية للمكان، ورغم ان صدر الدين أمين كان ينشئ نصا دونما مركز إلا انه حينما يترك كائناته تسيح على سطح اللوحة دونما ضوابط كان يدرّع أشكالها (البسيطة) فكانت تحاول عزل نفسها شكليا لتتخذ شكل (خلايا) مغلفة بجدار سميك أسود مغلق يعزلها عن العالم الخارجي المليء بالكائنات الأخرى التي ربما كانت تتصف بالعدائية، وبقدرتها على التهام بعضها بعضاً دون وجود ذلك الجدار، ربما هو إجراء دفاعي من الرسام ذاته بهدف تحصين أشكاله وعزلها قيميا من خلال عزلها شكليا عن المحيط، خوف ضياعها في هذا الخضم الهائل من الأشكال السابحة على سطح اللوحة كما تسبح الحجيرات في سائل موضوع تحت المعاينة المجهرية، انه حقل مترامي الأطراف من أشكال مشخصة تؤكد نزوعها والأدق تؤكد نزوع الشكل نحو أزله العلاماتي، الأشد بساطة من الناحية الشكلية والذي يختزلها إلى نظام بعدي هو بشكل ما نظام أقل من بعدين، نظام يتجاوز الخط (كبعد واحد) ولكنه لا يصل إلي حالة التشكل فهو محاولة للعودة إلي الوجود الجيني للشكل أو (الوجود الحجيري) لشكل الكائنات فلا يعدو ان يكون شكل الطير هنا أكثر من شكل يشبه حرف (ي)، ولا تكون الشمس إلا دائرة يخرج منها الضوء بشكل خطوط قصيرة تستقر على محيطها وهكذا.
إن الانقطاع الواقع بين أشكال الرسام صدر الدين يجعلها تقصر فن الرسم على انطباعات بصرية مفردة، تحقق وحدة واندماجا يستحيل أن يحققها الأدب القادر على تحقيق تتابعات حكائية وبذلك ينتهي البعد الاستطرادي والبنية الخطية، فلا وجود لذلك النظام الأرسطوطاليسي في التتابع عند بناء اللوحة في هذه التجربة إنها بنية متشظية لا مركز لها حيث تتناثر الأشكال فيها لتملأ سطح الفراغ، ملونة ومحاطة بخط (حقيقي) سميك أسود، وكأننا أمام نص تعويذة تعود إلي أبجدية صورية غائرة في القدم، أمام نصوص لا يمكن فك معانيها لافتقارنا إلى معرفة قواعد أبجديتها، أو أمام صور رسمها عقل طفولي لم تلوثه الحضارة باكتشافاتها ومعارفها، فلم يزل يرسم بأسلوب (عين الطائر) حيث تظهر كل الموجودات معاً دون أن يحجب أي منها الآخر، وخلال منظور ذي بعدين تتخذ فيه الأشكال ما يرغبه الرسام او ما يفكر فيه لا ما يراه وهو الجوهر الذي بدأ به الرسم تاريخه وانتهى إليه.
تتواشج بنيتا اللون (=المادة)، والأشكال المنعزلة، والتقنيات المادية، في جوهر اللوحة التي يرسمها صدر الدين أمين، فرغم اتخاذ كل شكل وحدة قائمة بذاتها، إلا أن تواشجاً قد نشأ بينها وبين (السائل) الذي تسبح فيه وهو ما يمنحها وحدة شكلية نصية صورية دوّنها آلافٌ من البشر الذين مرّوا أمام كهف الرسام فسجلوا علاماتهم؛ وبذلك كانت أعمال الرسام مقاطع من جدران عشرات الكهوف الملونة بألوان زاهية ذات روح طفولية تلقي بظلالها على منجزه من الناحية التقنية أيضا.
يمتلك الفنان صدر الدين وعياً شكليا يمتلكه القليلون، وعيا جوهريا في تأسيس فهم فن الرسم على بنية (مكانية ــ صورية) أي طوبولوجية، وعيا بصريا جمع في ثنايا ذاكرته ذخيرة ضخمة من أشكال (عناصر) المحيط القابلة للاستيعاب، وتكوين الصورة وفق عملية انتقائية داخلية تخضع لعملية تحولية من الأسلبة الملازمة لكل حركات الفن باتجاه تكريس وجود الموضوعة الدالة التي تنطوي على الجوهر الشكلي الكامن في قلب الرؤية حيث ظل ذلك الجوهر كامنا رغم كل التحولات التي تبدو وكأنها ستنال من وجوده.
ان بساطة العناصر البنائية (العناصر الشيئية) للوحة صدر الدين أمين: الشكل والمادة والتقنية تذوب في (نسق قيمي)، هذه العناصر الثلاثة من خلال تواشجها مع بعضها دونما انفكاك، ودونما قواعد مفروضة خارج هذه البساطات الشيئية، تشكّل الطابع الأهم الذي يسم تجربة هذا الرسام بأنه رسام بدائي او فطري او برأينا فنان (خارج النسق الثقافي) لفن الرسم (the outsider art).