الخميس، 10 أغسطس، 2017

غسان غائب يخرج اللوحة من سطحها
2007/07/01

غسان غائب يخرج اللوحة من سطحها
الرسم العراقي يتحرر من معايير السوق

خالد خضير الصالحي
شارك الرسام غسان غائب في المعرض المشترك الذي اقيم في البحرين مؤخرا في صالة البارح للفنون، مع الفنان نزار يحيي، وفي توصيف خارجي لحجم مشاركته، وطبيعة أعماله نقول انه قد شارك بأثني عشر عملا تشكلت من مواد مختلفة، وخمسة اعمال ورقية ومواد مختلفة، وعملين ينتميان الي النحت: احدهما عبارة عن الة طابعة مع اسلاك شائكة مع شعر لمحمود درويش، والاخر عبارة عن كتاب سميك نصفه مربوط باسلاك شائكة والنصف الاخر خريطة العراق محروقة وعليها عش فيه بيضتان.
حينما شاهدت المعرض السابق للرسام غسان غائب في دار الاندي،2005 والذي كان بعنوان (الوشم)، احسست ان هذا الرسام الذي طالما فتنني بمنجزه السابق، قد وصل بأسلوبـه ذاك، وبالرسم التجريـدي العراقي الي نقطـة حرجة، او ربما الي نقطـة تقاطـع لا يمكن مواصلة الطريق معها بالاتجاه ذاته: حينما انتهي فعل الرسم لديه، وبدأ يهيمن فعل الطلاء من خلال سطوح مسطحة، واسعة، ترسم بسكين الرسم لا بالفرشاة، وكانما كانت فكرة (الطلاء) استعارة لوظيفة (طلاء الجدران) من خلال "استعارته لسطوح جاهزة من الحياة اليومية ودمجها بسطوحه التجريدية... واستعارته لأقمشة بأشكالها الهندسية الجاهزة... مصاغة بهيئة الانزياحات للمواد الخام والمساحات اللونية وليس بفعل الرسم.... ليمارس وجده وانبهاره بما يؤديه الاكتشاف للأشكال الهندسية ضمن طاقة الخامات... والسطوح الطلائية الواسعة.... والاشكال المشخصة هندسيا" كما تذكر بحق الناقدة الرسامة د.هناء مال الله في كتيب معرضه في دار الاندي (مع اعترافنا بتصرفنا الكبير في تقطيع واختيار هذه النصوص)، وتخلص هناء مال الله الي ان خطابه حتي معرض دار الاندي كان "لا يحتاج الي معني محدد"، رغم اننا نعتقد انه يظل، بمنأي عن معني محدد سواء كان بحاجة اليه ام لا، او ربما كانت هناء مال الله تقصد بالـ"معني المحدد"، معني سرديا مستمدا من الواقع اليومي كما انتهي او حاول ان ينتهي اليه في معرضه هذا في البحرين.

مواد مختلفة لصنع اللوحة
لم تعد اللوحة عند غسان غائب سطحا يوفر فرصة لمعالجة المادة تقنيا (اللون غالبا)، بل صارت مناسبة مكانية ليس لها توصيف هندسي محدد، فهي ليست سطحا بالضرورة، ولا مادة تقليدية ( لونا) هدفها توفير فرصة لأستخدام شتي المواد الجاهزة Ready made الغريبة بشدة احيانا عن مواد الرسم التقليدية: نبات الليف، وخيوط محاكة كالسجاد، وأقمشة وأنسجة غريبة ومتنوعة، ونباتات يابسة، وكتب محترقة، وأسلاك شائكة، وملصّقات، وفحم، والياف، وهي مواد تخلق مختلف العلائق التي لا تتصف بالثبات بالضرورة.
لقد كتب البعض عن استخدام الرسام غسان غائب لمواد واقعية ككولاج او كمواد جاهزة، فكانوا يصفونها بانها عودة للواقع بشكل ربما يذكّرنا بما كتبه زهير غانم (علي ما اتذكّر) مرة خلال الثمانينات‘ حين اعتبر تجربة شاكر حسن ال سعيد في البعد الواحد تجربة واقعية هي في جوهرها (استنساخ) لسطوح الحيطان، وبذلك فهي لا تختلف عن اشكال نقل الواقع ومشخصاته الي سطح اللوحة، وكان هذا الرأي وقتها ــ بالنسبة لي علي الاقل- فكرة تقف علي الضد مما كان سائدا في تناول ما كان يعرف بتجربة البعد الواحد، وكانت الفكرة تذكّرني بما طرحه قبلا احد مؤلفي كتاب (الانسان ورموزه) لكارل غوستاف يونغ حينما كان يعتقد ان الرسم التجريدي هو، في وجه من الوجوه، عودة الي النظرة المجهرية للمادة، حيث يقترب شكل سطح اللوحة التجريدية من اية صورة فوتوغرافية لقطرة تحت معاينة مجهرية، وبذلك فهو شكل من الاقتراب من (جوهر المادة)، او ربما كانت شكلا اقل تطرفا مما طرحه الرسام محمود صبري في واقعية الكم كتخريج لاتجاهه التجريدي الهندسي.
يثور تساؤل هنا: هل ان المحاولة الحالية لغسان غائب هي محاول لردم قطيعة كرستها عقود من التجربة التجريدية للرسم العراقي مع سواد المتلقين، فاذا بهذا الرسم يرتدّ الان علي يد غسان غائب، وينقلب علي عقبيه عائدا الي (عناصر الواقع) الجاهزة التي تعيد لهذا الرسم العراقي قوة الوشائج مع المتلقين، وخاصة مع اولئك المتلقين الكسولين الباحثين عن المعاني والتأويلات بعد ان حاول التجريد العراقي خلق متلق من نمط مختلف آخر، متلق ترتبط (تأويلاته)، أو عملية التلقّي لديه مع عناصر السطح التصويري، وعناصر العمل الفني المادّيّة؟، وهل يمكن اعتبار التجربة الاخيرة لغسان غائب ارتدادا حينما تتوجه الي نمط (قديم) من المتلقين؟،

التحرر من معايير السوق
وهل يمكن قبول تخريج الناقد فاروق يوسف لتجربة غسان غائب في هذا المعرض، حينما يصف الرسام غائب بأنه كان يحاول ان "يتحرر من معايير السوق التي قتلت مواهب كثيرة كان في امكانها ان تفعل الكثير في الحياة الثقافية العربية" ويبدو ان فاروق يوسف كان يعني بـ"معايير السوق" هنا امتثال الرسامين لاشتراطات الرسم لتجريدي السائدة في الرسم العراقي حاضرا، ويخرّج مضمون اعمال غسان غائب الاخيرة بأن غسان غائب كان يحاول ان "يعيش محن شعبه وبلده فصار اليوم رساما اخر، رساما مختلفا، لقد اصابته الحروب التي انعكست في دفاتره خرابا اسود، فصار يجد في كل شيء من ذلك الخراب نوعا من المرآة التي تشير اليه، صار يلتقط اشياء تعيد الي سطح لوحته الحياة المريرة التي عاشها، لم يعد يعنيه ان يكون مقبولا في سوق التداول الفني بقدر ما عنيه ان يكون موجودا في اعماله بصفته ذاتا تتشظي ويتعرض جزء عظيم منها للنفي والفقدان والغياب"، ويبدو الناقد فاروق يوسف منساقا هنا بأسباب تخصه لا تعنينا ولكنه ايضا قد يكون منساقا بتصريحات للرسام ذاته الذي قال عن اعماله في رسالة خاصة لي قد يكون عممها علي اخرين وهذا ما ارجّحه "... من خلال معايشتي للحرب خلال السنوات السابقة، وما آلت اليه من تبعات تدميرية شملت الانسان والبيئة، امست هذه النتائج تشير، وتؤشر الي عجز وخلل في الفكر الانساني باعتباره نمطا فكريا يسوّق قيمه، وايديولوجياته عن طريق القسوة وغريزة العدوان، فحاولت الولوج، والاستنجاد بالحضن البيئي حيث الطمانينة والسمو، فاستخدمت بعض العناصر والخامات الطبيعية من البيئة المحيطة بي، والمستعملة في العراق، والتي من شانها خلق جّو من التوحد مع البيئة الام المفعمة بالدفء... وفي اعمال اخري، ونتيجة لتداعيات الاحداث الاخيرة ــ السيارات المفخخة ــ حاولت العمل علي مادة الفحم الطبيعي كنتيجة لقتل وتهشيم وتصدّع الفكر الانساني اليوم. وقد حاولت العمل خارج المالوف وبكل جرأة، علي ما اعتقد، لكسر الرتابة القاتلة والمخجلة التي يتبناها اليوم اغلب فنانينا لاجل ارضاء زبون، ولسنين طوال، وهم يعملون علي نفس السطح، ونفس التقنية، ونفس النمط... واعتقد ان من المخجل ان تجري يوميا مجازر، وتدمير منظم لبلدنا، بينما يستلقي الفنانون بنشوه وخدر، فأنا اشعر بواجب اخلاقي تجاه اهلي ووطني حينما اعرض جزءا من الدمار والالغاء الذي يتعرض له شعبنا"
وكيفما كانت مواقف الاخرين بشأن التجربة الاخيرة لغسان غائب فأننا نظر اليها باعتبارها محاولة تجريبية تسير متساوقة مع خط تجريبي بدأه هؤلاء الفنانون الذين تجايلوا في مرحلة من مراحل الفن التجريدي العراقي: غسان غائب، ونزار يحيي، وسامر اسامة، وبشكل مختلف نوعا ما هاشم حنون، فقدموا كشوفات ومعالجات تصطف مع فهمٍ شيئيٍ للرسم يعد، مقارنة بما سبق، فهما حداثيا متقدما، ومتساوقا، مع تحولات طبيعية في الرسم العراقي، وان ماقدمه غسان هنا يحتاج وقفة تأمل بعيدة عن المقاربات (الخارجية) التي تغترف مفاهيمها من خارج الواقعة الشيئية لمادية اللوحة من اجل ان يكون النقد في مستوي هذه الظاهرة التي شكلها هؤلاء الفنانون المجددون في الرسم التجريدي العراقي.

Azzaman International Newspaper - Issue 2736 - Date 2/7/2006

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2736 - التاريخ 2/7/2006





الأحد، 20 نوفمبر، 2016

التلصّص.. ومؤسسة المراقبة الشاملة
او (إمبراطورية النظرة المحدِّقة)
خالد خضير الصالحي

























(نص المحاضرة التي لقيتها (صباح يوم السبت الموافق 19 تشرين الثاني 2016)، عن التصوير الفوتوغرافي ضمن المنهاج الثقافي لاتحاد الادباء والكتاب في البصرة)
"في العُرْي كلُّ ما هو ليس جميلاً فاحشٌ"
(روبرت بريسون - مخرج سينمائي فرنسي)
التلصّص.. ومؤسسة المراقبة الشاملة او (إمبراطورية النظرة المحدِّقة):
الفوتوغراف العاري (nude photography) والفوتوغراف الجنسي (sexual photography) نموذجا..
الجذر الجيني في الفن التشكيلي
ان ما اعنيه بالجذر الجيني في الفن التشكيلي هو تتبع بنية شكلية متكررة في ثيمة محددة، فقد تتبع الناقد البريطاني هربرت ريد في كتابه (الفن والمجتمع)، الجذر الطبيعي (الحيواني او النباتي)، الذي تحول الى (اصل تجريدي)، للكثير من الزخارف التي كان اصلها سحليات وتحولت الى تشكيلة زخرفية فضاع اصلها الطبيعي بمرور الزمن.
وقد بحثنا في الجذر الجيني للوحات صلب المسيح عند جريكو وتحولها الى تجريد في اعمال هاشم حنون، كما ان لوحات التظاهرة او المسيرة في تجارب فيصل لعيبي ومحمود صبري وهاشم حنون ولوحة التظاهرة لفائق حسن اعدناها الى جدرها في ريليفات الموكب الرافدينية القديمة حيث موكب يقدم فروض الطاعة والولاء للاله.
جذر الفوتوغراف.. جهاز رسم المنظور
كان الرسم الكلاسيكي في عصر النهضة ناتج كاميرا وهمية هي جهاز رسم المنظور الذي يفترض اللوحة مقطعا من مخروط ينطلق من نقطة التلاشي البعيدة لتلتقي الخطوط في عين الرسام (=عين الكاميرا) اللوح الذي ترسم عليه خطوط المنظور، ولم يفعل التصوير الفوتوغرافي سوى بناء هذا المخروط من خلال صنع صندوق الكاميرا المكونة من: ثقب للتلصص، و(لوحة) تقطع مخروط النظر.. نسميها الغرفة المظلمة (كما اسماه ابن الهيثم camera obscura باللاتينية)، ثم اكتشفنا ان بارت اسماها (الغرفة المضيئة) وله كتاب عنوانه (الغرفة المضيئة.. تاملات في الفوتوغرافيا)، وهو ابسط تعريفات الكاميرا واثبتها باعتبارها ثقبا للتلصص واستراق النظر، بالمعنى الباربوسي (نسبة إلى هنري باربوس في روايته الجحيم)، وهو تعريف يفتح بابا لإعادة تعريف الفوتوغراف، وإعادة تقييم أهدافه، ويكون مبدأ (التلصص) فيه استراتيجا ثابتا من مبادئ (قوانين) التصوير الفوتوغرافي...
التلصص من ثقب (قانون هيدجر)
ان التلصص ليس الا حوارا (صراعا) متبادلا بين: ارادة متلصصة ونموذج (موديل) فتمارس هاتان الارادتان لعبة الكشف والإخفاء من خلال فرض درجة من استراق اللقطات عبر البحث عن طيات العري الأكثر أهمية، ارادة تلصص من جهة وموديلٍ عارٍ يتفنن في حجب وإظهار ما يرغب من جسده، وعبر هذا الصراع بين الرغبات المتباينة في ما يسميه هايدجر "النزاع القديم بين الفجوة المضاءة وحالة الإخفاء" (هايدجر، معنى الفن، ص76) أي (صراع الاخفاء والكشف)، فتتوتر خيوط الشد في اللقطة الفوتوغرافية، ويكشف (الجسد: الضوء – الظلام) عن نفسه شيئا فشيئا، ولكنْ خارج ما أمكن من سلطة الايدولوجيا لصالح أن تعيش اللقطة كينونتها كواقعة شيئية يلعب قانون (الكشف – الإخفاء)، (الضوء – الظل)، (السواد - البياض) الدور الأساس في بنائها الشيئي..
(إمبراطورية النظرة المحدِّقة)
نعتبر الصور جزءا جوهريا من نظام المراقبة الشامل الذي يسود العالم الان؛ فتتخلق من خلال ذلك، ما يسميها فوكو (إمبراطورية النظرة المحدِّقة) )التي يخلقها ما تبثه في مختلف الاشكال والاتجاهات، ملايين الكاميرات الخفية التي تراقب الواقع، وتراقب تحركات البشر، وتهدف إلى خلق نظرة مركزية؛ تستقبلها عين مركزية غير مرئية تهدف في النهاية إلى رؤية اللامرئي: كاميرات في مخازن البيع واخرى في الدوائر، والشوارع، والمطارات، والاجواء، وربما غرف الفنادق وربما حتى دورات المياه..
مرتكزات نظم المراقبة الشاملة
او (شبكة النظام المعقلن) او (المؤسسة العقابية)
كان فوكو يطرح في كتابه (المراقبة والمعاقبة) ان المجتمع الحديث ليس "اقل رقابية ووعقابية من مجتمع التنوير وما بعده لان السلطة اليوم تمتلك تكنولوجيا تيسر المراقبة"، وعنده ان (شبكة النظام المعقلن) او (المؤسسة العقابية) ترتكز على ركيزتين اساسيتين هما:
اولا، القانون الجنائي وهو (واقعة لغوية).
وثانيا، السجن "وتظل دلالته بصرية" (ص34)، اي انه (نظام بصري)، او (قابلية رؤية)..
بنتام ونموذجه الشهير للسجن 1791
ان دلالة السجن البصرية ناشئة عن ما يسميه فوكو panotisime وهي صفة لهندسة السجن الماخوذ من المرتسم الشهير الذي اقترحه المهندس (بانتام) في العام 1791 والذي أسس فيه منظومة مراقبة كان يسعى أن تكون (منظومة للنظرة المحدقة)، حيث يقوم برج في الوسط والزنزانات حوله حيث تكون مكشوفة ومرئية من قبل الحراس المراقبين. ٍاي انه تحقق اخر لواقعة التلصص وتأسيسا لاولى نظم التلصص على الواقع من زاوية خفية، فكان السجن بالتحليل الفوكوي النهائي نظاما بصَريا للنظرة المحدقة الكلية ذات المتجه الواحد من الحارس تجاه السجناء، بينما تخلق الكاميرا نظاما بصريا بمتجه متبادل يشكله طرفان هما: ثقب الكاميرا والموديل، ويكون فيها (الجسد) العاري مادة بصرية يقع الاشتغال عليها.. فكان السجن مغمورا بالضوء ولا مكان للظلال فيه؛ وهو ما ينطلق منه التصوير الجنسي حينما يغرق الجسد بالضوء، بينما يبدأ التصوير النودفوتو من الجسد الغارق بالظلمة..
تلصص السجن هو نظرةٌ محدقة
إن تلصص السجن هو نظرةٌ محدقة تراقب تحركات الجسد اجتماعيا باعتبار السجن جزءا من نظام اجتماعي شامل للمراقبة، بينما يختلس النودفوتوغرافي النظر إلى سحنة الواقع (الجلد) وثنياته، وطياته الخبيئة، وعبر ملايين الكاميرات المنتشرة الان حول العالم (أداة رؤية كلية)؛ فكان واحدا من أهم مهامها اتخاذها الجسد موضوعا للرؤية، فهي كذلك منظومة شاملة لمراقبة الجسد، وتسجيل حركاته وسكناته في مشروع لمراقبة جلد العالم وجلد الجسد بطريقة كلية..
الفوتوغراف الاسود والابيض طريقة تفكير
يؤكد هارولد دافيس(ص16) من كتابه:
Creative Black and White Digital Photography - Tips and Techniques (20
ان التصوير بالاسود والابيض هو (طريقة تفكير) مختلفة، حتى انه يعنون الفصل الذي يشرح فيه الفوتوغراف الاسود والابيض thinking in black and white .. ويعتقد ان الصورة الملونة لا يمكن ان تتحول الى صورة بالاسود والابيض بشكل حقيقي ان لم تنطو على الكونتراست (السواد الفاحم) مادة بنائية..
(الاسود– الابيض) (الظلمة – الضوء) (الكونتراست) هو تجسد بصري لصراع (الحجب – الكشف)
تنتصر إرادة الحجب على ارادة الكشف في النود فوتو nude photo بينما تنتصر إرادة الكشف (الثقب المتلصص للكاميرا وارادة الموديل العاري) في الفوتوغراف الجنسي sexual photo الذي يتوجه نحو دوافعه الجنسية؛ بينما لا يتوجه النود فوتو إلى كشف الطيات (المحرمة) كما يطمح الفن الجنسي الخليع؛ فتوجهاته ذات مرتكزات جمالية بهدف اكتشاف سحنة جسد الموديل : قشعريرة جلده، وطياته، وانحناءاته، أي الجسد بوصفه واقعة شيئية... مما يحصنه من الانزلاق إلى نفعية غير مستساغة، كما هو حاصل في الفوتوغراف الجنسي.. فحين يوضع الموديل العاري تحت سطوة الكشف (وهو نمط من التعرية البصرية) فان أهدافه تنحصر في التحسس البصري لسحنة الجسد أي بساطة تحسس (شيئيته) ..
ورغم ان النود فوتو (الفوتوغراف العاري) هو صور تتناول العري الا انها لا تضع ضمن اهدافها اهدافا جنسية مفضوحة لصالح تقديم رؤية جمالية للجسد الانساني مما يجعل نمط الصورة العارية الجمالية اكثر نجاحا باستخدام نمط التصوير الاسود والابيض لتيسير هيمنة الظلام عليها وتقنين عملية الانكشاف الى ادنى درجاته الممكنة..
اختراق الجسد بصريا
"إن كانت دراسات الممارسات التي تقع على هذا الجسد، والذي يوقعها كذلك على أجساد آخرين، هو موضوع الفلسفة في هذا العصر"، كما يقول مطاع صفدي؛ فان واحدا من أهم موضوعات الفوتوغراف الأسود والأبيض هو الجسد الإنساني بهدف اختراقه بصريا... إيذانا بـ"ولادة جسد مختلف" من لونين، يلفّه الظلام، ويلسعه الضوء بقوة في أجزاء نمطية منه .. جسد يختلف عن سحنة الأجساد التي أنتجها الرسامون قبل اختراع الفوتوغراف.
القوى الدينية والعولمية: تغطية الجسد مقابل تعريته
اننا نحاول تتبع خطى فوكو في مساهمته بإعادة كتابة تاريخ الجسد الذي تطور من مرحلة اعتباره قوة عمل (نتذكّر كتاب دور العمل في تحول القرد إلى إنسان لانجلز) إلى مرحلة الجسد المسيّس الذي ينبغي إخضاعه إلى مؤسسة الجسد المنضبط، فيما يبدو التشريح (اناتومي) منهمكا في ما تحت جلد الجسد، ثم إلى مرحلة الجسد السلعة، وكلها تسعى حثيثا لرؤية (اللامرئي) الذي يصفه فوكو بـ"ـما يجري إخفاؤه وطيّه" من قبل هذه الاستراتيجات؛ وما بين الجسد المنضبط والجسد السلعة، وهي كلها مؤسسات بصَرية مرئية، تتضافر قوى الإعلان العولمية إلى وضع الجسد بأكبر درجة ممكنة تحت التعرية من خلال الإعلانات، وبين القوى الدينية المتطرفة التي تحاول أن يصل الجسد تحت هيمنة نمطها للحجاب إلى اكبر درجة ممكنة من الحجب، بينما تنتفض من تحت الرماد مرحلةٌ أخرى لـ(ـلجسد – الواقعة شيئية) التي تماثل شيئية اللوحة.. وهي مرحلة يرفض فيها الجسد أن يخضع لإكراهات شركات الإعلان في التعرية واكراهات القوى المتطرفة في الحجب، وتقدّمُ نموذجََ الجسد – الجمالي (الواقعة الشيئية) كنمط يوتوبي للجسد رغم انه ما زال يخضع لقانون الإخفاء – الكشف ذاته ولكن بأهداف تتخلص باضطراد من نفعيتيها، إلا أن ذلك أمر نظري فبالتحليل النهائي تحاول كل مؤسسات المراقبة والهيمنة أن تحاول الوصول إلى تأهيل الجسد وتنميطه وولادة المجتمع الانضباطي الشامل، فحتى مؤسسة الانضباط الجمالي تهدف إلى تقنين مقاساته.
تصوير الجسد عمل غير حيادي
إن تصوير الجسد عمل غير حيادي .. يجب أن يكون متلصصا بشكل استثنائي، وان تشمل هذه السمة كل فن التصوير من اجل اكتشاف الزاوية، واللقطة الاستثنائية (التلصص والكشف)، فقد كان ميرلوبونتي يقارن في كتابه (العين والعقل) 1960، بين العلم وفن التصوير الزيتي بان العلم ينظر إلى الأشياء من أعلى في حين ينغمس فن التصوير في عالم الرؤية، ففتحة صندوق الكاميرا هي أكثر من فتحة لتقنين دخول كمية من الضوء، فقد كان يتحدث عن جسد العالم الحيّ ولحمه، الجسد الذي هو "تفاعل تبادلي بين الضوء والظل" (عصر الصورة ص 102).
الـتصوير العاري (nude photography)
.. محاولة اعادة الصورة الفوتوغرافية الى حقل التشكيل
لقد بقي الفوتوغراف يحمل صفة التعارض بين اليد والعقل فالرسام التشكيلي كان فنانا مبدعا اضافة لحرفيته التي يجب ان تكون عالية، اما الفوتوغرافي فكان حرفيا يمارس مهنة، و عكس الصور الجنسية sexual photography كانت الـصور العارية (nude photography) واحدة من محاولات اعادة الصورة الفوتوغرافية الى حقل التشكيل، اي الى التحول من نظامها الاشاري الى نظامها الايقوني من خلال تقنين عملية الانكشاف (=انحسار الضوء وهيمنة الظلام) وايضا انسنة عمليات الانطمة الالية للفوتوغراف: التبئير، واختيار اللحظة والتاطير..
النزوع الداخلي للصورة الفوتوغرافية لتاكيد طبيعتها المادية (الشيئية)
رغم اختلاف طبيعة فني الفوتوغراف واللوحة التشكيلية بسبب اختلاف نظاميهما، حيث "ينتمي التشكيل الى نظام الايقونة، وتنتمي الصورة الفوتوغرافية الى نظام الاشارة" (ريجيه دوبريه، حياة الصورة وموتها) الا اننا نعتقد ان الصورة الفوتوغرافية تنطوي على نزوع داخلي لتاكيد طبيعتها المادية (الشيئية)، من خلال التخلي عن جزء من نظامها والاتجاه صوب تحويل طبيعتها الاشارية الى ايقونية، متوسلة بالعديد من الوسائل التي تضمن تكريس الطبيعة الشيئية للصورة: كإنهاء الجزء الاعظم من المهمة الابلاغية للصورة الفوتوغرافية، وتفعيل اكبر درجة محسوسة من فاعلية الاخفاء في صراعها بمواجهة الانكشاف؛ فحيثما تضيق فاعلية الانكشاف: تهيمن الطبيعةُ الشيئية للصورة الفوتوغرافية، وتضمحل الطبيعة الابلاغية؛ لذا نجد انماطَ الصورة الفوتوغرافية الابلاغية الاخبارية في الصحافة تتوسّل على اتمام اهدافها الابلاغية (ايصال معلومة اخبارية سردية عبر الصورة) باستخدام نصوص اللغة التي تساهم في اتمام مهمتها السردية، وكذلك تتوسل بوسائل شكلية اخرى من خلال هيمنة الضوء في الصورة الصحفية..
، وقد حضرالجلسة جمع من مثقفي محافظة البصرة فاغتنت المحاضرة بوجودهم ومداخلاتهم المهمة.، وادارها الصديق الكاتب صباح سبهان باجادة وتمكن كان اثره واضحا في ادكاء روح الحوارات، حيث تداخل السادة: د. عباس الجميلي، القاص قصي الخفاجي، القاص باسم القطراني، الدكتورة خلود جبار، الشاعر علي الامارة، الشاعر محمد صالح عبد الرضا، الرسام شاكر حمد، الناشط يوسف عبد الجبار الدغمان، الاستاذ الدكتور سعيد الاسدي، الكاتب جاسم العايف، الرسام عبد العزيز الدهر.. فشكرا لكل هؤلاء .. واقدم هنا ملخصا للمحاضرة استكمالا للفائدة، ومواصلة للحوار بشانها مع بعض الصور التي لم نتمكن من تقديمها بسبب فني في جهاز العرض..

الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2016

الفوتوغرافي صفاء ذياب..الفقدان موت مؤجل

الفوتوغرافي صفاء ذياب







الفقدان موت مؤجل
يذهب مؤلفو أهم الكتب الصادرة في القرن الماضي عن "الفوتوغراف"، إلى أن الصورة الفوتوغرافية هي: "سليلة الحنين" (ريجيه دوبريه ،حياة الصورة وموتها، ص39)، و"الموت جوهرها" (رولان بارت، الغرفة المضيئة، ص19)، وانها "تذكار موت" (سوزان سونتاغ، حول الفوتوغراف،ص24)، اي انهم في النهاية يتفقون ان جوهر الفوتوغراف هو بعث لأجداث ذكرى ميتة، وهو ما اجده جوهرا للتجربة الفوتوغرافية للشاعر الفوتوغرافي صفاء ذياب، فقد كانت صوره الفوتوغرافية نظرة الم بفقدان شيء ما: فقدان (موت) الطفولة عندما تنقضي في ظل الحرمان والفاقة، اطفال في اتعس انماط طفولتهم، ابواب في اخر لحظات حياتها كبقايا أبواب وبيوتا متهالكة تنتظر موتها .. وحيوات فقدت القها وهي تنقضي تعاسة والما..


الأحد، 2 أكتوبر، 2016



(inspiration of walaa belal)
المعرض الشخصي للرسامة ولاء بلال في قاعة (لمسات) في القاهرة


التـوالد الابـدي للصــور



                                                                                                               









خالد خضير الصالحي
اقامت الرسامة المصرية ولاء بلال (الاسكندرية) معرضها الشخصي (inspiration of walaa belal) الذي اعتبرت ولاء بلال الرسمَ فيه ليس الا خيالات واحلاما وايحاءات، وضم المعرض، الذي اقيم في قاعة (لمسات) في القاهرة، نتاجاتها الاخيرة على (تنوعاتها الشكلية) و(وحدتها البنيوية)، فقد كان هذا المعرض نقطة تحول، ونقطة افتراق بين اسلوبين للرسم: اسلوب تشكل فيه الصورة الفوتوغرافية العنصر البنائي الاساس، ويشكل تراكبُ الصور فوق بعضها جوهرَ اعمالها، واسلوب اخر يبدو من النظرة السطحية مناقضا للأول لأنه يوظف البنية التوليدية الزخرفية، حيث تنبثق البراعم بعضها من بعض وبشكل مستمر وابدي ولا يمكن ان توقفه حدود ونهايات كما هي لانهائية الزمان والمكان..
لقد اسميتُ اعمال ولاء بلال (تمثيلية) كونها تعتمد اشكال الطبيعة، واشكال الموجودات، وحدة بنائية لها، وهي صور فوتوغرافية بالاسود والابيض لمدينتها الاسكندرية تراكب بعضها بعضا، من اجل توليد ذات الالية التي تنتجها الطبيعة الزخرفية التي تتاسس على توليد الخلايا الزخرفية باضطراد ابدي لا يتوقف الا بانهاء الوجود الزخرفي الذي لا يمكن ايقافه، وبذلك تقوم ولاء بلال بتحويل طبيعة هذه الصور من كونها وثيقة تاريخية او اركولوجية الى واقعة مادية (شكلية) لا ترتبط بالتمثيل الا بشكل طفيف، وبذلك ينتقل مركز ثقل الطاقة التعبيرية نحو توليد السطوح، او توليد المؤثرات التقنية، او توليد (الجوهر) الزخرفي الذي هو وجود قائم على توليد بنى زخرفية لا نهائية تكون نتيجتها النهائية التوليد المستمر والمتعاقب للبراعم الزخرفية التي تفتح بدورها احتمالات جديدة للتبرعم المستمر، برعما عن برعم بشكل لا يمكن ان يتوقف مطلقا، لانه وجود  قائم على انتاج الصور التي تماثل انتاج هوامش المخطوطات وهوامش الهوامش فيها، هوامش تنتج نصوصا، ونصوصا تنتج هوامش..
لقد اتيحت لي فرصة متابعة المنجز التشكيلي السابق للرسامة ولاء بلال، وهو منجز كان يعتمد التمثيل لا بهدف انتاج سرديات نثرية مؤسسة على ذلك التمثيل باعتباره واقعة تاريخية او اركولوجية، فقد كانت ولاء بلال تهدف الى استخلاص الطاقة التعبيرية للواقعة باعتبارها واقعة اسثطيقية (جمالية) منتجة بفعل توليد واعادة توليد اشكال دالة ذات وجود (زخرفي) متوالد ابدا... فتحولت تجربتها بمرور الوقت من توليد الصور التمثيلية بعضها من بعض الى توليد الزخارف بطريقة مشابهة لتتحول اللوحة عندها من تجربة لتواشج السرديات التي يولدها تعاقب الصور فوق بعضها بفعل تتابعها الزماني والمكاني الى نمط اخر من التتابعات الشكلية التي تخلقها التوالدات الزخرفية التي انتهت اليها او ستنتهي اليها تجربة ولاء بلال بفعل توجهاتها التصميمية الانيقة..
لقد وصفت مرة تجربة قد تكون مختلفة عن تجربة ولاء بلال ولكني ارى وجود قاسم مشترك بينهما، انها تجربة ارسامة الجورجية روسودان خيزانيشفيلي التي كانت رؤيتها لجوهر العمل الفني موضع اختبار عملي، عندما لم تشكل المشخصات المستلة من الواقع ومن الحكايات الشعبية التي تشكل سردياتها ليس اكثر من هامش على جوهر اللوحة الماديوظائف سردية تضعف التجربة وقد تسلب اللوحة قوتها التعبيرية وسرّيّة بنائها الداخلي .. فقد نجحت روسودان خيزانيشفيلي بجعل المشخصات صلة بصرية مع الواقع، او ربما حيلة، او مناسبة للرسم، او سمها ما شئت؛ فمن خلال مشخّصات كانت تحاول مقاومة ذوبانها التجريدي لتكتفي في النهاية بأن تتراءى مشخصاتها شبحا بين طبقات الألوان المتراكبة؛ فظلّ شكلها المشخّص كامنا في اشد الأعمال تجريدية، وبقي المتلقي يشعر بروح المشخصات كامنة في اشد الأعمال تجريدا في تجربة هذه الرسامة الشابة التي شاركت قبل مدة، وضمن العديد من الرسامين، في سمنار أقيم في مصر وشارك فيه من العراق الرسام هاشم حنون المقيم في كندا، بينما كانت ولاء بلال تعامل مشخصات (معالم) مدينتها الاسكندرية ذات المعاملة فلم تشكل تلك الصور الفوتوغرافية الا مولدا للصور ومناسبة للرسم دونما سرديات تهيمن على التجربة وتحولها الى تواصل نثري..