الأحد، 10 نوفمبر، 2013

فن الرسم العراقي

ملاحظات ومقاربات



خالد خضير الصالحي

العـــــراق – البصـرةKhkhiraq@gmail.com


1

تفتقر الكثير من الكتابات التي تندرج عندنا تحت مسمى النقد التشكيلي لفن الرسم إلى ما يؤكد مسمى النقد فيها، والأمر الأهم المفتقد برأينا هو المقاربة الأمثل التي يتم بها تلقّي فن الرسم، وهي المقاربة الشيئية او الملمسية او المادية، وان ابرز من نبه إلى هذه المقاربة، في الكتابات العربية على حد معرفتنا، الناقد التشكيلي العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد، ورغم ذلك فلا يمكن إنكار ان مقاربات التلقي لفن التصوير بمختلف أنماطه، تتفرع إلى نمطين رئيسيين هما: مقاربة تعنى بالموضوع المنجز، وتلك مقاربة تسود حينما تتراجع شيئية العمل الفني إلى مرتبة ثانوية من الفاعلية، وهو ما يحدث في تناول فن الفوتوغراف أكثر من اللوحة المرسومة حيث تتراجع شيئية الصورة الفوتوغرافية إلى مستويات متدنية مقارنة بمادية اللوحة الفنية التي تهيمن على بنية اللوحة وبالتالي مقاربات تناولها، وهي مقاربة ملمسية تعنى بالمادة وتقنيتها فقد "ذكر مؤرخ الفن اليوس ريغل ان احد أنواع الإجراءات الفنية الذي يتوافق مع نوع بعينه من أساليب المشاهدة ينبني على تفحص الأشياء وإمعان النظر في خطوطها الخارجية، وهذا المسار يطلق عليه ريغل البَصَري، أما النوع الآخر للرؤية الذي يركز على الأسطح ويشدد على قيمة الجوانب الداخلية للموضوع، فيطلق عليه ريغل اللمسي او الإدراكي haptical ... ففي مستوى الخلق الفني، تنتج النظرة البصرية – في حال انتماء العين للرسام – الخطية والزاوية في حين تعنى الخلاقية اللمسية او الإدراكية بالأسطح. ووفقا لصيغة ريغل، يمكن تجميع مجمل الأشكال الفنية تحت عنوان الخطوط الخارجية و، او، اللون في المستوى والحجم. العين البصرية تعمل ببساطة على مسح سطح الأشياء أما اللمسية او الإدراكية فتسبر الأغوار لتجد متعتها في النسيج الداخلي، في المنظور اللمسي، تغدو الرؤية شكلا من أشكال اللمس" (الثقافة الأجنبية العدد 4 السنة التاسعة والعشرون 2008).

2

في تناولي لأشكال الرسام العراقي المقيم في بنسلفانيا صدر الدين أمين تقفز إلى ذهني المقاربة الموضوعية، وهي مقاربة تعنى بمقارنة بين الأشكال في الطبيعة، والأشكال في فن الرسم كذلك، فقد كان صدر الدين امين ينتقل بيسر بين (أحواض) الأشكال ليشكل لنا من هذه المصادر المتعددة أشكالا فوضوية في بنائها الداخلي (تقلق) المتلقي وتجعله يقف متسائلا عن فحوى هذه الأشكال (= الكائنات)، فكان ذلك الرسام يعيد إلى ذهني دائما العودة إلى ما طرحه عالم الرياضيات (رينيه توم) في سعيه لشرح نظريته في (الكارثة الطوبولوجية)، يقول (رينيه توم) "بوسعنا ان نميز صنفين كبيرين من قولبة الأشكال غير الثابتة، كل واحد منهما يقع في احد طرفي الموشور المستمر: الصنف الأول: أشكال لا شكل لها بسبب بنائها الداخلي المعقد جدا، فهي أشكال فوضوية ولا تخضع بيسر للتحليل، أما الصنف الثاني فهي تلك الأشكال التي تشتمل على عدد من الأشياء التي يمكن التعرف عليها غير ان تكوينها يبدو تناقضيا او غير اعتيادي، مثال على ذلك الكيميرا chimera ، وهي كائن أنثوي خرافي في الميثولوجيا اليونانية لها رأس أسد وجسم شاة وذنب حية وتقذف من فمها نارا، وغيرها من الكائنات الغريبة, والأشكال غير الثابتة التي تنتمي إلى النمط الثاني هذا، وهي الأشكال المتفرعة التي تقع نقطتها التجسيدية على العتبة بين حوضين او أكثر من الجاذبية، وان ظهورها يتذبذب دائما بين الجاذبين المجاورين، وتأثير ذلك هو إقلاق المشاهد وإزعاجه، تلك التقنية التي يعرفها الرسامون السورياليون ويستغلونها" (ر. روجرز، الشعر والرسم، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 1990، ص134).

3

روى الرسام ضياء العزاوي في ملف أصدرته عن النحات والرسام الراحل إسماعيل فتاح الترك إحدى المجلات العربية، بان الرسام الراحل كاظم حيدر علق على المعرض الشهير الذي أقامه إسماعيل فتاح الترك عام 1965، بعد عودة الترك من الدراسة في روما، بأنه، أي كاظم حيدر، لو حبس في غرفة لليلة واحدة لأنجز معرضين مثل معرض الترك، ولم يوافق ضياء العزاوي وقتها على ما قاله كاظم حيدر واعْتبَرَ ذلك انتقاصا من قدرة الترك، إلا أنني، في موضوع نشرته عن الراحل الترك، نظرت إلى الموضوع من زاوية واتجاه آخر، ووجدت ان كاظم حيدر كان (محقا)، كما وجدت ذلك لم يخلّ بمكانة الترك ورفعة إبداعه، وان جوهر القضية لا يتعلق بموقف او رأي لكاظم حيدر بمكانة الترك، بل بمفهوم وفلسفة كاظم حيدر والترك بفن الرسم والمقاربة التي ينظر كل منهما عبرها إلى فن الرسم، وبذلك يختلفان جذريا في أسلوبهما المتناقض في بناء اللوحة، فلم تكن اللوحة عند كاظم حيدر بناءً شكليا فقط، بل ومخططا فكريا تهيمن فيه (الدلالة) وعلى وجه التحديد (التعبير عن الروح المحلية) الذي كان من الصعب على التشكيليين القفز فوقه في ظل هيمنة النقد الذي يروج لهذا الاتجاه وهيمنته على الكتابة في هذا الحقل وعلى المنجز التشكيلي العراقي برمته، وتشهد بذلك أعماله في معرض ملحمة الشهيد الذي أسميته مرة: "(آنسات أفنيون) الرسم العراقي"، باعتباره (العمل) الذي احدث اكبر تحول في الرسم العراقي الحديث، حينما افتتح (معرض الشهيد) عصر الستينيات بعد ان ختم نصب الحرية لجواد سليم، عصر الرسم العراقي الخمسيني، او شكل النهاية المنطقية لذلك العصر، فانتقل، في هذا المعرض، مركز الثقل إلى (السطح التصويري) باعتباره "أهم مستوى من مستويات الوجود الفني"، وحيث صارت الأولويات تنطلق من، وتعود إلى "إعادة تجريب إنتاج المرئي بصور مختلفة... والاهتمام بالمادة التي يٌنفّذ بها العمل بعفوية وتلقائية وجرأة" فكان الوعي الرؤيوي للستينيين هو (الوعي المتجاوز) ذلك الوعي الذي يحاول البدء من جديد في كل مرة من خلال وعي عال بمعالجة المادة باعتبارها " رؤية بحد ذاتها ".
لقد كانت نظرة كاظم حيدر للوحة، باعتبارها بناء فكريا يستغرق وقتا طويلا للانتهاء منها، وهي نظرة تنتمي إلى كلاسيكيات فن الرسم رغم أشكاله الحداثية، وتنتمي إلى (حكائيات) روبنز وانجيلو ودافنشي، وكل اللوحات (القصصية) التي كانت تستلهم القصص المقدس، بينما تنتمي رسوم الترك إلى فهم مختلف تماما، فمثلما لم تولد لوحات فرنسيس بيكون وجاكسن بوللوك "من ساعات طويلة من التفكير في موضوع، ولا رسمت من نقاش، بل كانت تنمو من تلقاء نفسها، من صنيع من الرسم، او ربما من انفعالات العقل اللاواعي" كما قالت لليان فريدكود، فان الترك كان يعتبر اللوحة تجربة متيريالية (شيئية)، او مناسبة لاختبار المادة، ولم تكن لوحاته، لفرط إخلاصها لشيئيتها، بحاجة إلى عنوانات مثلا، فكانت عنواناتها لا تعدو ان تكون إشارات لتمييزها عن بعضها كعنوانات جاكسون بوللوك للوحاته حينما كان لا يكلف نفسه مشقة تلفيق عنوان مناسب لكل لوحة فيكتفي بترقيمها، وهو فهم دشن عصرا جديدا في الرسم العراقي هو جيل الستينات، وبذلك فقد شكّل الترك وعدد من مجايليه: ضياء العزاوي، ورافع الناصري، وصالح الجميعي، ومحمد مهر الدين، وعلي طالب، والــ(ـخمـسـ)(ـسـتـ)ــيني شاكر حسن آل سعيد، شكّلوا الوجه الآخر من العملة التي شكل فيها كاظم حيدر وجواد سليم وجهها الأول، وبذلك لم يكن كاظم حيدر وإسماعيل فتاح الترك إلا وجهين لعملة واحدة هي المخاض الستيني الذي انقض على قداسة الأشكال الخمسينية فيه كاظم حيدر بينما أسس الترك و(مجموعته) الطليعية (الرؤيا الجديدة والمجددين) فهما جديدا للوحة باعتبارها مغامرة متيريالية، او واقعة شيئية، لذلك كان الترك، مثله في ذلك مثل فرانسيس بيكون الذي لا يستغرق كثيرا في التفكير بموضوع اللوحة، فيكفيه ان يغمس فرشاته باللون، ويضعها على سطح اللوحة ليظهر وجه الشاخص الذي كان يظهر ويعاود الظهور في كل مرة بمظهر وقناع جديد.

الجمعة، 19 أبريل، 2013

الرسام سليمان علي ... الرسم والروحُ الكوردية



معرض (تحولات الفصول) في كاليري دهوك
  

الرسام سليمان علي
الرسم والروحُ الكوردية

                                                                     خالد خضير الصالحي



ان أولى الأفكار التي راودتني وانا أتنقل ببصري بين أعمال الرسام سليمان علي في معرضه (تحوّلات الفصول)، الذي اقيم في كاليري دهوك، كيف تمكّن هذا الرسام من التعبير عن روح الشعب الكوردي دون الحاجة إلى السرديات والايديولوجيا والمشخّص اللصيق بهما غالبا، وهو ذات التساؤل الذي يواجهني كلما قرأت أشعار شيركو بيكه س وعبد الله كوران وشاهدت اعمال اسماعيل خياط، كيف تمكّن هؤلاء من التعبير عن الروح الكوردية، بابسط الوسائل، ودونما أيديولوجيات نثرية تشكل خطرا على (شعريّة) المنجز ايا كانت طبيعته، وقد اعتبرت ذلك سؤالا جوهريا، واقتنعت أن الإجابة عليه تتلخص في أنهم استطاعوا تحويل الواقع المعيش، والثقافة، والمطامح، والطبيعة الكردية إلى مادة (نصّ) ممتلئة بالجمالية وبالشعرية.. وهو ما تمكّن من تحقيقه عدد من رسامي دهوك: عبد الرحمن كلحو، ستار علي، سيروان شاكر، سيروان باران، وكان احدهم سليمان علي الذي توغّـل في هذا الامر مسافةً لا بأس بها من النجاح؛ فكان سليمان علي واحدا ممن استطاعوا تشكيل (متحف بصريّ) من خلال تحويل كلّ شيءٍ يواجهه في الحياة الكوردية إلى لونٍ ينتمي إلى جوهر فعالية الرسم، بينما لم تكن للموضوع السرديّ عند رسامي دهوك اهميته التي تلمسناها عند غيرهم من الرسامين الكورد الآخرين.. لقد شعر ستار علي بسطوة اللون الضخمة في الثقافة الكردية، وأيقن ان المادة ومن ضمنها اللون هي المركز الذي تدور حوله أفلاكُ الرسم الكوردي، وان هيمنة السرديات على الرسم لا تَعِدُ بشيء، فاتجه بكل جهده إلى إعادة تأسيس تجربته اعتمادا على تفجير الطاقة التعبيرية للون فعاد إلى أحضانه عودةً تذكّر بعودة الانطباعيين في أواخر القرن التاسع عشر؛ فكان توجهه ان يحاول رسم خارطة جينية لفن (الرسم باللون) الذي سبق وتحوّل عند ادوارد مونيه في نهايات أيامه من تمثيل المشخصات إلى تجارب لون خالص تنطوي على روح ذلك المشخص بعد تحولات ضخمة، فاختفت معالم المشخّصات، والمدن، وشرفات البيوت، والقرى، والدبكات، والملابس، والجبال عند سليمان علي في مائياته ومن ثم في زيتياته؛ كما اختفت عند رسامي هذا النسق من مدينة دهوك، لتحل محلها بقعٌ لونية تحمل روحَ تلك المشخـّصات، والقرى، وشرفات البيوت، لتتبقى أرواحها الخليقية كما يسميها ال سعيد تحومُ وقد تخلت عن أشكالها (= قشرتها الخارجية) وارتدت دثار اللون.. وهو ما سبق للرسم العالمي ان مر به من خلال تحولين مهمين هما: التحولات الشكلية التي كان ثور بيكاسو وشجرة موندريان الشهيران نموذجيها الأكثر أهمية، بينما كانت تحولات مونيه اللونية الى اللمفيات تأسيسا لخارطة جينية أخرى مكملة في الرسم العالمي؛ وهو ما اتجه إليه سليمان علي ومجايلوه من الرسامين الكورد، ومن خلال اللون التقليدي: الزيت والاكريليك كمادة رئيسة.. فقد ادار سليمان علي ظهره لأشكال المشخصات بتصميم وإصرار وقناعة، ترسّخت لدى اخرين من نخبة رسامي مدينة دهوك في كردستان العراق.. فتحولت لوحته شيئا فشيئا إلى حشد من بقع الألوان التي لا تحيل إلى شيء من أشكال الواقع وبالتالي فقد انطوت هذه البقع اللونية على نفسها كدلالات، واكتفت بنفسها كطاقة جمالية دونما أسانيد خارج بصرية، لقد ووجد هذا الرسام نفسه مدفوعا بذات الرغبة التي تملكت مونيه، وهو يرسم ويعيد رسم الزهور المائية في البحيرة المواجهة لداره، فاستغرق في الرسم دهرا يعيد رسم المشهد ذاته في كل الفصول: لوحة بعد أخرى، ليكون الناتج بقعا تنكرت لمرجعياتها الشكلية واكتفت بوجودها الشيئي.. 

****


رغم التوجه (البعيد) عن التشخيص الذي انتهى إليه سليمان علي فقد شكّلت الطبيعةُ (اللغةَ المرئيةَ) حسب (جو كينيث سوارز) المرجعَ المهيمنَ بروحها الخفية التي تطلّ خلف كل ضربة أو خفقة سرّية لبقعة لون؛ فبينما يهيمن اللونُ الأسود على روح الشتاء الميتة؛ وتنطفئ الألوانُ، وتتحول اللوحة من الانشغال بـ(الرسم باللون) حيث تُرسمُ اللوحةُ بروح اللونِ وطاقتِهِ التعبيرية؛ تظهر روحُ الطبيعة حية من خلال باليتة ملونة ثرية يؤثثها الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر، فتنتقل روح الفصول بسلاسة غير معهودة؛ لتظهر تحولاتها من خلال بقع اللون والاختيارات الدقيقة لها، وحينا تتحول أجواء اللوحة إلى الرسم بالأسود والأبيض (الكونتراست) حيث انطفاء اللون وانطفاء الحياة معه..

****


مثلما يضيف العديد من الرسامين اللون الأبيض بعد الانتهاء من عمله بهدف خلق انزياح شعري مطلوب في اللوحة كان سليمان علي يفعل الأمر ذاته في تجربته التي اطلعت عليها بالألوان المائية إلا أنّ ذلك البياض سرعان ما بدأ بالتشظّي على مساحة اللوحة في أعماله بالألوان الزيتية والاكريليك إلى نثار كآثار حب الشباب على وجه جميل..

الأحد، 20 يناير، 2013




الرسامة والأكاديمية المصرية أمل نصر

                     تحوّلات المادة..
                                   وتشكّلات الصور


  
خالد خضير الصالحي
البصـــــــــــــــــــــــــرة
  
"تنمو في عمق المادة نبتةٌ قاتمة، كما تزهر في ظلمة المادة أزهار سوداء، سبق واكتسبت نعومتها، ونموذج عطرها" (غاستون باشلار، الماء والأحلام، المنظمة العربية للترجمة، ت: د. علي نجيب إبراهيم، ط1، بيروت، 2007، ص15)
***


تتعاملُ امل نصر مع سطح اللوحة، ومع الأشكال المجردة بإداء حر يستجيب لتقنية عفوية،  بأنسنةٍ قد يفتقرها الكثيرون؛ فتبدو أعمالُها وكأنها ناتج حنوّ مبالغ به تعامِل به الرسامةُ سطحَ لوحتها؛ فهي تعتكف الى سطح لوحتها، مثلما ينقطع النسّاخون والورّاقون إلى صحائفهم، يسوّدون اسطرها، فتندمج الرسامة بحروفها، كما يندمج هؤلاء، لترتحل إشاراتُهم التي يبثونها عبر الزمن القادم حينما تتنقّل من قارئ لآخر، وكلّ من هؤلاء، يضيف هوامشه على هوامش سابقيه، كما أضاف السابق هوامشه على هوامش سابقيه، حتى تتضخم تلك المخطوطات إلى ما شاء لها النص ان تتضخم، وهو ما يحدث لأعمال امل نصر؛ فبدت لوحاتها متشابهة بشكل مختلف ومختلفة بشكل متشابه، فهي تبدو متشابهة وكأنها لوحة واحدة قـُطـّعت إلى نتف متشابهة؛ وتبدو مختلفة لأنها لا يمكن ان  تكون متماثلة تماما كطبعات الأصابع التي لا يمكن ان تتطابق تماما...
***


حينما عنون الكاتب المصري (ياسر منجي) مقالا له عن الرسامة بعنوان: (أمل نصر.. بين سطوة (البكتوغرافيا) وعنفوان الهيولى القديم) فانه قصد بمقالته ان قوتين متعارضتين تتجاذبان تجربة امل نصر هما: قوة الفوضى، وهو ما يسميه جاستون باشلار، (العصيان الأبدي للمادة على التشكّل)، وسلطة النظام، "فالمادة في منظور عمقها تنقاد باتجاهين: اتجاه التعميّق واتجاه الانطلاق، ففي اتجاه التعميق تبدو غير قابلة للسبر، كمثل لغز، وتبدو باتجاه الانطلاق كقوة لا تستنفد، باعتبارها معجزة. وبالاتجاهين كليهما ينمـّي التأملُ خيالا مفتوحا " (غ. باشلار، السابق، ص15) وهو الصراع الذي نشب ذات مرة بين انغريس وديلاكروا، فوصفه (ريجيه دوبريه) بأنه صراع بين الحرية والسلطة ولكنه اعتبره كذلك، وفي الوقت ذاته، صراعا بين الخط واللون باعتبارهما ميدان الصراع وأداته وميدان تحققه الشيئي الذي نكون معنيين به باعتبار الرسم في النهاية واقعة مادية،   حينما مثل الأول الانضباط السلطوي،    بينما مثل الثاني الحرية ورفض القيود، الا ان كل تلك الصراعات كانت تتفجّر على سطح اللوحة من خلال الصراع بين فوضى العناصر وانضباطها، فكانت امل نصر تعامل اللوحة باعتبارها (صورة مادية) ان هي أخضعت لدرجة اكبر من الانضباط فستتجه إلى نظام لغوي بكتوغرافي صوري يفتقر إلى الاعتباطية (=الحرية) التي تتصف بها الكتابة الأبجدية لان الكتابة الصورية مرحلة تمثل اكثر مراحل التاريخ ترابطا بين الصورة والشكل المشخص، حينما اندمج الشكل بالمعنى لدرجة مازلنا نعيش بقاياها المتحجرة في لا وعينا الفني، واذا أفلتت السيطرة عن تلك (الصورة المادية) فإنها ستكون صدى للعصيان الأزلي للمادة ضد التشكـّل؛ وبذلك ستكون تجربة امل نصر بالرسم تجربة خاضعة لنوازع ورغبات متناقضة، وصراعات مستحكمة لا يمكن حسمها؛ فالعالم الذي نعيشه مهدد، كما يقول (بول فاليري)، بقوتين خطرتين تتنازعانه، وتهددانه هما: الفوضى والنظام، انهما قوتان يجب ان يخضعا معا لقدر مناسب ومتوازن من الكبح؛ وهو ما نجحت في تحقيقه امل نصر..
***

لا اعتقد ان امل نصر تضع في حساباتِها ان يجد المتلقي في أعمالها مشخـّصاتٍ أو أشباحَ مشخّصاتٍ؛ فقد يكفيها ان تكون مستمتعة بالخامة، والمفردات البصرية، دون ان تكترث لارتباط تلك الاشكال بالواقع؛ فهي تكتفي بمهمة تنتهي حالما تشعر أنها أودعت في تلك الأشكالَ روحَ المشخّص كامنةً في خطوطِها، وبقعِها، دونما حاجة للبحث عن مرجعيات شكلية لأي تفصيل كبر أو صغر في اللوحة، فقد ذاب المشخّصُ في السائل الذي تسبح فيه كلُّ الأشكال، والبقعُ اللونية، والعناصرُ الأخرى في لوحة امل نصر التي تحلم بتجليات صور المادة الصلدة، على نحو حميم نابذةً إغواءَ الأشكال الهشّة غير المجدية..  فما يشغل لوحةُ امل نصر ان تتحوّلَ ماديةُ (متيرياليةُ أو شيئيةُ) اللوحة، إلى صورة لا تشترطُ الواقعَ ومشخصاتِه مرجعيةً لها، أي ان يتحول الخيال المادي إلى خيال صوري وكفى.. فالمشخصات تفتقرُ، وتعيقُ الخيالَ الصوري وجمال الحلم اليقظ الذي يرافق انعتاق الصور من ربقة تلك المشخصات لأنها تحدد ذلك الخيال باطر شكلية واقعية (مادية المشخص) بينما يفترض بالخيال الحق ان لا تحده محددات مهما كان نوعها..
                                                                                    ***   
ان قيام امل نصر بانجاز لوحتها بتكنيك سريع يتيح فرصة لتدفق انفعالي تلقائي، لا يسمح للعقل الواعي الاشتغال بفاعلية للهيمنة على اللوحة، ويتيح للقوى اللا واعية، وللمصادفة ان تشكل احدى اهم القوى الفاعلة، فيبدو العمل وكأنه يمتلك دينامية تجعل منه اشبه ببناء من الأشكال المجردة التي تنطوي على قوى وتوترات داخلية تتوحد فى شكلٍّ مستقلٍ بذاته لا يشير إلى حياة خارجية..  

                                                   ***

تقول الكاتبة امل نصر عن تجربتها الفنية "تسعى أعمالي إلى اكتشاف الشكل من خلال اللون فأبدأ بطرح مساحات اللون بلمسات عريضة حرة، ثم أبدأ في اكتشاف الأشكال خطياَ فوقها، حتى لا أحاصر بالخطوط بل أستسلم لسطوة اللون وحضوره أولاَ، وفى بعض الأعمال نجد الأشكال تظهر وتختفى، تكبر وتتضاءل تنكشف وتطمر بقوة دافعة وفقاً لقانون عاطفي خاص باللوحة فلا نعرف أين تبدأ وأين تنتهى، حيث يُتاح للخواطر البصرية أن تسترسل وأن تتوارد، إنها فكرة التداعي الحر التي تطرح وفقها الأشكال والعناصر، ويحكم هذا البناء رغم حريته نوعاً من النظام الفطري الغريزي . وتظهر الصور بين الحين والآخر فى تدفقات غير متماثلة وفقاَ لآلية الطرح الخاصة بالذاكرة فتعطى حيوية للخيال في محاولة لتلمس تلك الطاقة التنظيمية الروحية التي تجعل حياتنا محتملة ومستمرة".
                                         ***

لم تكن امل ناصر رسامة فقط، إنما هي أكاديمية مرموقة، وناقدة تشكيلية.. كتبتُ مرة تعليقا على مقال نُشر لها في الفيس بوك: "تطرح الكاتبة والرسامة المبدعة امل نصر قضية غاية في الأهمية وهي إمكانية وجود: تجريد يتكئ على الواقع، وتمتص حواسُّه تفاصيلَ ذلك الواقع .. ويستند إلى الخبرات المباشرة .. تجريد لا يتناقض مع الحياة ولا ينسحب منها.. أي أنها تقدم إمكانية وجود تجريد مؤنسن، فيه روح المشخص رغم غياب جسد ذلك المشخص.. إنها تطرح أفكارها بلغة مفاهيمية خالية من ترهل اللغة البلاغية التي يقع في براثنها بعض الكتاب..." 









الجمعة، 18 يناير، 2013

الرسام هاني مظهر في معرض (تحية إلى ناجي العلي)..


الرسام هاني مظهر في معرض (تحية إلى ناجي العلي)..


 احتفاء بالرؤية الكامنة

  
خالد خضير الصالحي

بدت لنا تجربةُ هاني مظهر (في تحيته لناجي العلي) استبطانا جديدا، متصلا ومنفصلا في آن معا مع تجربة ناجي العلي باعتبار الأخيرة تحديا لثوابت تحجرت عندنا نحن متلقي الرسم الكاريكاتيري الذي استقر في أذهان الكثيرين منا أنه، على عكس أنماط الفن التشكيلي الأخرى، يضع، وبشكل معلنٍ، قَدَميه في طرفي البقعة الحرجة للرسم: يضع قدما حيث يعتبر الرسم الكاريكاتيري واقعة بصرية مادية (متيريالية)، وينقل الأخرى إلى حقل متاخم قريب يعتبر ذلك الرسم، مطالبا منه ان يكون جزءا من واقعة لغوية سردية تجسّدها التعليقات والشروحات اللغوية التي ترافق الرسوم الكاريكاتيرية لناجي العلي وتؤلف جزءا جوهريا منها حتى في رسومه التي (بدون تعليق) حيث يتوارى التعليق خلف العلامات المبثوثة في الرسم فيحل محله وجود مستتر ومسكوت عنه؛ حيث ان الكاريكاتير عند العلي، وفي ان واحد، يتناوب الاشتغال بين طبيعيته: المادية البصرية، والسردية، بحركة بندولية دائمة؛ مما يجعله خرقا لنسق الرسم حينما يهدر، او يحاول ان يهدر المشتركَ العامَ للحقل البَصَري، ونعني به (مادية التعبير) او الطبيعة الشيئية (المتيريالية) لمادة الرسم وللوحة، فالرسم الكاريكاتيري بما يتوفر عليه من (هيمنة) للغوي على خطابه يتصف بأنه حقل جامع لدرجة من الايقنة والتماثل البَصَريَّين مع درجة من اللاتماثل والاسلبة، وهي من مواصفات النسق البَصَري؛ وبذلك ينتمي فن الرسم الكاريكاتيري إلى نمط الحقول المختلطة التي يمتزج فيها الخطاب اللغوي والخطاب البصري: كالإعلانات، والسينما، والتلفاز، وبرامج الكومبيوتر ومواقع الانترنت، وكل الصور المرفقة بالكتابة والكتابات المقترنة بالصور، فتكون أهم المظاهر المختلفة هي كون الصورة الكاريكاتيرية لا تستحيي من الوظيفة التواصلية الابلاغية للخطاب، حاله في ذلك حال أنماط عديدة من أنماط الصور..
لقد كان ناجي العلي يتوسل إلى إحداث الانزياح الضروري اللازم في انتقال اليومي إلى شعرية الفن عبر الطبيعة الاستعارية لانتهاك حرمة الثوابت والقناعات (الراسخة) ومفارقة الدارج: مفارقة مضحكة حينا ومحزنة أحيانا أخرى، عبر وسيلتين متناقضتين ومتتامتين في آن معا من خلال تشاكل الكلام (اللغة) وعناصر الرسم (البصري)؛ فتمتزج عنده رسائل الخطاب في جانبها البصري، بالرسائل في جانبها اللغوي(التعليق)، فلا تهمل الرسالة عنده أيّا من الوسائل المتاحة في الكاريكاتير: العناصر الخطية وغير الخطية معا حينما تتعاضد مشكّلة خطابا: علاماتيا بما يشبه الكتابات الأولى التي تتمازج فيها الدلالات اللغوية والبصرية في وحدة لا انفصام لها، ولا يبين فيها العنصر الاشد هيمنة؛ فكان ناجي العلي يغترف بسهولة كبيرة من محتويات (متحفه البصري) الذي جمّع عناصره ومفرداته الأولى البصرية- النصية (الهيروغليفية)  من مناهل واسعة، فكانت تظهر بشكل أيقونات: أهمها الطفل الشاهد (حنظلة) من عين الحلوة، وحشد آخر من المفردات البصرية والتقنية التي تظهر هنا أو هناك في رسومه بشكل متواصل: كالأسلاك الشائكة، وبرميل النفط، وشواهد القبور، والهلال، والكوفية، واللاجئ الفلسطيني، وحقائب السفر، والحمامة، ونجمة داود، والملابس المرقّعة، والمرأة الفلسطينية (فاطمة) بدموعها التي تنسكب على خديها.. وأحيانا تظهر عناصر غير مشخصة: كالخطوط، والحزوز، والنقاط التي يقطّرها على صفحة الورقة مباشرة من الدواة، وإشارات الحركة، وبعض العلامات الدالة على الشعور كالتعجب والهلع المجسدة بعلامات بصرية، ووسائل التظليل والعتمة والضوء، كلها عناصر يعاملها باعتبارها تنتمي إلى (مادة التعبير)، أي إلى البعد المادي للوحة (=الحبر الأسود الفاحم غالبا)، فلم يكن الخط حدا فاصلا ولا أطارا، بل صرخة قلم مستفز وأداة تثوير وتحد بكل محمولاته التكوينية والأدائية؛ فخلاصة القول ان ناجي العلي لم يكن ينظر للكاريكاتير باعتباره فكرة سردية تقودها او تخطط لها اللغويات التي تتناثر في الرسم كتعليق او كأية نصوص لغوية او علاماتية أخرى فكان يولي اهتماما رئيسيا على ان يكون الكاريكاتير واقعة بصرية لها مقوماتها وعناصرها الشيئية كأي عمل تشكيلي..
ان المماثلة (التشابه) مع الشكل البشري وأشكال المشخصات عموما، التي يحرص ناجي العلي على الإخلاص لها، مقارنة مع تجارب أخرى، تجعلنا نعتبر منجزه تجربة رسم كاريكاتيري (واقعي) خضعت الى مشرط تجريد لا يرحم أوصلها أحيانا درجة شديدة من الاختزال المضطرد والاسلبة لنسق الخطاب البَصَري وملأها بكمِّ من الفراغات التي هي واحدة من أهم الإزاحات التي ترتقي باليومي إلى مرتبة الفن؛ فكان، إضافة إلى حسه الفني العالي، يمتلك عينا (باربوسية) متلصصة، واعية لمهمتها، رغم أنها تحاول أن تتشبه بعين الكاميرا المحايدة في السرديات، تاركة أمر اتخاذ أي موقف على عاتق المتلقي، فكان ناجي العلي يحاول أن ينأى بنفسه عن الانغماس في السرديات التي هي اضعف مقاومة أمام التلوث الايديولوجي ليتخذ لنفسه مكانا في الطرف القصيّ البصريّ تاركا متلقيه منغمسا في محنة التلقي التي لا تقل شدة عن اشد المحن تعقيدا ...
                                                  ***



يبني ناجي العلي متحفه البصري من أيقونات بصرية أهمها: حنظلة الطفل الفلسطيني من مخيم عين الحلوة الذي يدير ظهره للمتلقي وللعالم؛ والذي صار جزءا مكملا لرسومات ناجي العلي، ونال حب الناس فصار احذ الرموز المهمة في الثقافة الفاسطينية؛ لأنه صار رمزا للفلسطيني المعذب، والقوي رغم كل الصعاب، انه شاهد صادق وبالتاي لا يخشى أحدا، فاتخذه ايقونة يوقع بها ناجي العلي رسوماته..
تتكرر الأيقونة المهمة الأخرى، المرأة الفلسطينية (فاطمة)، وهي شخصية مثل الشخصيات الأخرى لناجي العلي، غير مهادنة، وذات رؤية شديدة الوضوح فيما يتعلق بالقضية، فعادة ما تكون مواقفها قاطعة ومخضبة بغضب المواقف الشجاعة، بعكس شخصية زوجها، الأيقونة الثالثة الأهم في منجز ناجي العلي، الفلسطيني الكادح نحيل الشارب صاحب الأقدام المفلطحة الغليظة للمزارعين، والذي ينكسر أحيانا تحت وطأة ثقل الحياة، بينما تتحكم السخرية بأشكال الأيقونات الأخرى: كشخصية السمين ذي المؤخرة العارية ممثلا به القيادات الفلسطينية والعربية المرفهة والخونة الانتهازيين. وشخصية الجندي الإسرائيلي, طويل الأنف, الذي يكون في أغلب الحالات مرتبكا أمام حجارة الأطفال, وخبيثا وشريرا.
                                                ***



 ان المحنة الأشد التي أتخيلها تواجه الرسام هاني مظهر، كلما واجه قماشة لوحة بيضاء يريد تحويلها الى لوحة فنية، كانت رغبته الجامحة في تفجير شعرية العناصر البَصَريّة التي تمنح لوحته من شاعرية أجواء الشعر، وقد افترضنا ذات مرة حرصه ان تتشاكل تجربته الفنية مع الشعرية ان لم تتشاكل صراحة مع الشعر ومع نصوص شيوخ الصوفية الذين انتج اعمالا ومعارض مكرسة لبعضهم، وهي المحنة التي نعتقده واجهها حينما كان يجد نفسه مدفوعا الى بناء لوحته من مستوى لوني طارد للبنية الغرافيكية (الخطية) بقوة، تلك البنية التي تشكل جوهر المادة التي يبنى منها الرسام ناجي العلي اعماله، وبذلك لم تكن العملية هنا في (تحية لناجي العلي) إعادة إنتاج لتلك الأعمال بشكل مشابه لأهداف بيكاسو حينما كان (يعيد) إنتاج رسوم أسلافه من الرسامين، وإنما كانت العملية إعادة تمثل للروح الكامنة في رسومات ناجي العلي، تلك الروح التي تبقى (علامة لا تنمحي) مهما تغيرت المادة وتقنياتها.. فلم تكن مهمة هاني مظهر في معرض (تحية لناجي العلي) تقتصر على تلقٍ قالبي  stereotypes للكاريكاتيرات (التخطيطية) لناجي العلي ومن ثم (تحويلـ)ـها إلى أعمال ملونة، فلم تكن أهدافه تنحصر فقط في إعادة تغيير أو إنتاج المادة المهيمنة لتلك الرسوم وإبدالها من كاليغرافية خطية إلى لونية، بل كان استراتيجه يتعدى ذلك إلى إيجاد آلية صالحة للتعامل مع رسوم ناجي العلي باعتبارها وثائق بصرية مادية (اركولوجية) لها القدرة على تلبس روح شكل آخر من أشكال الفن أكثر من اعتبارها وثائق سياسية تخضع لاشتراطات السياسية وأهوائها المتقلبة..  فيصطفي هاني مظهر الرؤية البصرية الجمالية الكامنة تحت أنقاض الفكرة السردية اللغوية في منجز ناجي العلي، وهي رؤية عصية على الاقتناص إلا للعين ٍالخبيرة، حتى ان بعض الكتّاب كانوا ينكرون أن يكون هنالك جانب بصري (مادي) جمالي خارج سرديات الرسوم الكاريكاتيرية لتجربة ناجي العلي، بينما يحاول هاني مظهر جاهدا ليس فقط استخلاص (روح) الفكرة الكامنة في منجز العلي، وإنما استخلاص (الرسم) الكامن في تلك التجربة، وإعادة إنتاج  تلك الرؤية البصرية من خلال مادة أخرى، حيث تتلبس حبريةُ رسوم ناجي العلي طاقةَ الألوان ونضارتَها وهي بيد خبير في تفجير الطاقة التعبيرية للون كالرسام العراقي هاني مظهر الذي لا يجد نفسه، كما نعتقد، سوى معنيا بـ(ـالقابلية على الرؤية)، رؤية جوانب بصرية يعتقد الكثيرون، كما قلنا، انها غير ذات (جدوى)، فــ"ـالرسم احتـفاء بالقابلية على الرؤية"، لذا سيكون واجبا على الرسام اكتشاف (الرؤية البصرية) الكامنة في العالم المرئيّ ومن ثم تحويلها الى (واقعة مادية جمالية) أي تحويلها الى رسم؛ وبذلك فهو يمسك مفهوم (إنتاج الحقيقة رسما) ذلك المفهوم الذي اكتشفه سيزان واحتفى به ايما احتفاء: ميرلوبونتي ودريدا وسلفرمان وكأنه القارة المفقودة في الرسم الحديث..
                                           ***



كتبنا مرة عن موقع هاني مظهر ما أسميناه (جينات الفن)، وهي صفات ثقافية موروثة: بصرية، ودلالية معا، تنتقل ليس فقط من عصر لآخر، ومن مرحلة تاريخية فنية لأخرى، بل ومن فنان لآخر، ومن أهم تلك الصفات الموروثة في فنون الشرق هي توحّد السماويّ والأرضي (امتزاج المادة والروح أحدهما بالأخرى)، الذي يجد تجسده في أشكال متعددة؛ فكانت عناصر اللوحة تنتقل من مستوى لأخر، من الشعريّ( التجريد) نحو الأرضي (التشخيص)، فكان هاني مظهر يبني لوحته على مستويين: تشخيصّي (نثريّ، وأرضيّ) ومستوى الباطن (الشعريّ والمقدس) وطابعه التجريدي اللا هندسي (العماء اللوني)، وبذلك تهدف آلية التأويل اللازمة لدراسة منجزه ليس كشف المستوى الباطن عبر المستوى الظاهر، كما هو معتاد، بل ومحاولة اكتشاف آلية بناء اللوحة من قبل الرسام هاني مظهر وآلية إنجاز التواشج بين المستويين وتحديد التتابع الزمني لهما أي هو نقل للتأويل من اللغوي الى البصري، وهي مهمة عسيرة كفايةَ.
***



ان عملية الانقطاع الشكلي بين الكتل اللونية – الشكلية التي كنا نزعم انها تجري في أعمال هاني مظهر التجريدية، والتي كان يحاول ردمها، او اعادة وصلها في حقيقة الامر، كان يخلقها البياض الموجود اساسا في اللوحة او المضاف لها، تحولت هنا إلى عملية تجري بين نظامين من العالم ومن الرسم: نظام شكّـل عناصره الخطية ناجي العلي، ونظام شكّـل عناصره اللونية هاني مظهر، فكان هذا المعرض ليس فقط توليفا لنظامين شكليين وانما نظامين فكريين يصبان بعد امتزاجهما في جرف ان تكون اللوحة ليس فقط نظاما شكليا تجريديا بل و(رسالة) جمالية من نمط خاص يبقي في نفس المتلقي احساسا وان غامضا بوجود تلك الرسالة وطبيعتها المحسوسة والغامضة معا..
                                               ***

هاشم تايه في معرضه (حياة هشة)



هاشم تايه في معرضه (حياة هشة)

تجربة عصية على التجنيس



خالد خضير الصالحي


يؤكد هاشم تايه، طوال السنوات التي قضاها مشتغلا بالفن التشكيلي، انه صاحب تجربة عابرة للتجنيس اولا، وانه كذلك مبدع عصي على التصنيف فهو واحد من المبدعين متعددي الاهتمام والإمكانيات، ومن (العابرين للتخصص)، والذين يشتغلون في المناطقِ التي يسميها سلفرمان وبرتراند رسل (المابين) أو (التخوم)، فكان ينتقلُ بيسر في مناطقَ التخومِ هذه؛ مرتكزا في ذلك على هيمنة على المادةِ التي يشتغلُ عليها: اللغةِ وهو يأخذُها  نحو الشعرِ، او الكتابةِ وهو يقودها تارة الى: النقدِ، واخرى الى الصحافةِ في ارقى مستوياتِها، والمادة وهو يطوّعُهُما على ديناميةِ الرسمِ والنحت؛ فلم يمتلك هوس اعادةُ اختبارَ قدرةِ الألوانِ التقليديةِ فقط، بل ويكتشفُ موادِّ جديدةِ لم يكنْ يتخيّلُها الآخرون قبله صالحةً للرسمِ، فكان يذكي القوانينَ الاستثنائيةٍ التي أسسها الرسامون الذين مارسواَ النحتَ نمطا إبداعيا (آخرَ)؛ ففتحوا فيهِ أبوابا لم يعد غلقُها ممكنا بعدهم..
***



 تعيدنا (حياة هشة) بشكل ما إلى (اسم الوردة) لـ(امبرتو إيكو)، الذي يقول في كتابهِ (حاشية اسم الوردة) ان "الأمر يتعلق ببيت شعري مأخوذ من كتاب لبرنار دو موراليكس (حول أشياء الحياة الهشة)".. ام تعيدنا لما يؤكد هاشم تايه بأنها مماهاة مع (الحياة الجامدة).. او (الحياة الساكنة) وهو ما يعبَّر عنه بالإنجليزية بـ (still life)؛ فيرجع صفة الـ(ـهشاشة) الى طبيعة المواد والخامات والسطوح التي أنجزت بها الأعمال التي التقطت من النفايات والشوارع؛ فبدت أعماله مخيبة للكثيرين بسبب توحّشها، ونشازها، وغرابتها، ولوثتها، وتلوّثها، وعدم أهليتها لأن تعلَّق على جدار نظيف في بيت، أو متحف، لأنها لا تطاق.. ويُرجعُ استثمار المواد غير التقليدية الى نزوع شخصي للتجريب، واستثمار الاثر الذي يطرأ عليها من فعل الطبيعة بشكل يجعلها تكتسب مظاهر وأشكالاً مثيرة، فتكون وعيا بصناعة أثر فني مفارق ببدائل عن المواد التقليدية في فن يعمل خارج منطقتي الرسم والنحت المعهودتيْن، وخارج الأعراف الفنيّة جاعلا النصّ البصريّ مجالا لاستضافة واستقبال واستدعاء لأية مادة في الحياة اليومية، ويعيد الممارسةَ الفنيّة إلى بدائيّتها كفعل حرّ يُنجز أثره بتطويع أية مادة مهما تكن بساطتها في محاولة منحها قدرة تعبيرية.
***



يبني هاشم تايه منجزه بناءً قصديا حسب (قانون) التشاكل الصوري، بجمع عناصر من الصعب جمعُها، فكان ذلك الجمعُ (القسري) يخلق الانزياحَ الاستعاري الذي هو جوهرٌ للجمالي، كما هو جوهر للشعرية، وهي آلية استخدمها السورياليون: سلفادور دالي، وماكس ارنست..

***



ظلت المحركات السابقة لتجاربه في الرسم فاعلة هنا: أولا، مازالت البساطة والقوة التي كان يجلّها الرسام الشاعر (وليم بليك) في التكوين الخطي؛ حيث البساطة والتخلص من الشوائب الزائدة، ثانيا، مازالت المقاربة السيكولوجية صالحة هنا حيث تؤكد شخصياته بانها ترميزات لمظاهر داخلية من شخصية الرسام، مشفّرة عبر كائنات متعددة، ومتناقضة في تركيبها ومواقفها، يبثها بشكل يغطي مساحة العمل.. يستلّها من مستوى غائر، مطمور في أعماق النفس الإنسانية، وثالثا، ظلت (سلطة المادة) الجوهر الأكثر فاعلية في  تجربة هاشم تايه؛ فقد كان هذا الرسام قد تخلى عن مواده التقليدية السابقة والأدوات التقليدية، وواصل الاشتغال على الخامات الاستثنائية التي تذكرنا بتجربة الألوان العطارية (=النباتية) التي كان يجمّعها من مصادر نباتية متنوعة، وعودته إلى تجربة الورق المقوى في معرضه هذا، والعلب الورقية (الكارتون)، والأسلاك، والخيوط، والقناني البلاستيكية، وعجائن يصنعها من الورق المقوى أو من مواد أخرى، يحاول بها تطوير تقنياته في: الخرق، والحرق، والقص، واللصق، والتمزيق، والتراكم، والحك، والشطب، وسوى ذلك من التجارب التقنية، وكنا صنفنا تلك المحاولات بانها تقع ضمن ما يمكن ان نسميه (بالتشكيل الفقير)، مستثمرا كل مادة في اقصى ما تقدمه من قدرة تعبيرية؛ فكانت طبيعة المادة المستخدمة تلقي بثقلها على العمل، فكان العمل يأخذ استراتيجا مختلفا في كل مادة مستخدمة في إنجاز العمل؛ وبما يلائم الحدود التعبيرية لكل مادة.
***



ان احتلال تجربةِ هاشم تايه مكانا ضمن المشهد التشكيلي في البصْرة؛ قد يثير مفارقة، ومحنة نقدية، كيف احتلتْ تجربةٌ مفارقة لـ(ـلانساق) المألوفةِ والأنماطِ السائدةِ من الفنون التشكيلية، مفارِقة بالمادةِ، وبالتقنياتِ، والوقوع في (المابين)، وهنا تكمنُ محنة المشتغلين بالنقد التشكيلي، وامتحانُ (قواعِدهم)!.
***



أقيم معرض (حياة هشة) لهاشم تايه بعد عدد من المعارض السابقة: (لوحات مشوية) 1992 في قاعة المتحف الوطني في بغداد، و(منفيات هاشم تايه) في المركز الثقافي في البصرة 2007، ومعرض للتخطيطات في اتحاد الأدباء في تسعينيات القرن الماضي..
***



في جلسة اقامها اتحاد ادباء البصرة حول معرض (حياة هشة) اعتبر الكاتب صباح سبهان بأن تايه يكشف عن المخبوء من تحت اقنعة الجمالي باشتغاله على انساق ومهيمنات متحررة من الاستهلاك، وبمقصدية باحثا عن المسكوت عنه عبر لغة ثرة قادر على الادهاش وقادرة على نزع الاقنعة عن الايديولوجيا, وان تجربة تايه تقبلتها النخبة من المتلقين وعزف عنها الجمهور العريض رغم انها تجربة خصوصية من ناحية الخامات الموظفة التي قد لا تقاوم الزمن ولكنها قادرة على اثارة شعور بالاسى فقد اضفت المادة شعورا محسوسا وقيما مضافة..
واعتبر الكاتب احمد صحن اعمال هاشم تايه بأنها تحمل دادائية بصرية يتعذر على المتلقي فك شغراتها ورموزها الا بعد الغور في المعاني الصورية ليجد الروح التي تتحرك مستمدة طاقتها من ربط الاشياء المستخدمة واخضاعها لقواعد التشكيل خالقا بذلك تاثيرا تفاعليا ناتجا من الاشارات الصورية المنبعثة من عالم اللوحة الدادائية التي جاءت محصلة حكمة ان اللاشيء هو كل شيء، وان معرض (حياة هشة) يثير جملة استفهامات ومعان لا متناهية تدعونا لان نتلقى طيات الورق المقوى المعمولة باليد حينما قام الفنان بالجمع بينها وبين المتناقظات متحولة الى قوالب لفظية تتفاعل مع النفس وتحرك بوصلتها ضمن سياق الفن المضاد..
واعتبر التشكيلي عبد الرزاق الحلفي اعمال هاشم تايه رد فعل للشعور بالفراغ ولا جدوى الحياة التي يعيشها الناس في العراق فكانت تجربته في معرض (حياة هشة) محاولة للخلاص من قيود المنطق الذي فقد فاعليته، واستعادة لمنطلقات الدادائيين والياتهم في التعبير عن قسوة الحروب وجشع الانسان والافكار السلفية التي اصبحت عائقا بوجه الحياة..





الرسامة العراقيَة هناء مال الله معرضها في لندن كانون الاول 2012







الرسامة العراقيَة هناء مال الله معرضها في لندن كانون الاول 2012

  

فن الخراب....
من الفناء العراقي إلى الفناء الوجودي





خالد خضير الصالحي

تعتبر الرسامة العراقيَة هناء مال الله واحدةً من اهم رسامي "جيل الثمانيناتِ" في العراق، وهو الاسم الذي اطلقه نقاد الفن على الجيل الذي نضجِ في اتون الحروب: الحرب العراقية الإيرانيةِ (1980 -1988)، وبِدايات حرب الخليجِ الأولى التي جاءت بعد دمجِ الكويت مِن قِبل صدام حسين في 1990، وهم مجموعة فنانين قرّروا البَقاء والدِراسَة، ومُزَاوَلَة فنونِهم في العراق، وقد ادى تقييد حرية السفرِ، والصعوبات الإقتصادية، وعدم الإستقرار الإجتماعي وَالنِزاع المُسَلَّحِ المستمرِ إلى عزلةِ خانقة أَثّرتْ على العمليةِ الابداعيةِ؛ فانعكسُت مواقفهم في أعمالِهم الفنية. ويعتبر فنانو "جيل الثمانيناتِ"، مِنْ وجهةِ نظر تأريخِ الفَنِّ المُعاصرِ، حركةَ فَنِّية، أَو ربما مدرسة ذات أهمية كبيرة.



تتلاحق تحولات هناء مال الله في اتجاهها الذي بدأته قبل سنوات، والذي اسمته (فن الخراب)، حتى يصعب على النقد دمج تلك المتلاحقات الا ضمن منظومة اوسع من مفهوم الخراب، فربما ومن خلال معايشة العراقيين لما تخلفه الحروب عادة، فقد استحكمت منظومة (الموت) كأعظم الاسئلة الوجودية التي يواجهها العراقيون يوميا، وواجهها الانسان منذ وجوده وحتى الان، فخلال السَنَوات الخمس الماضية تَأمّلتُ معيشتها كلاجئة في البلادِ ذاتهاِ التي لعبت -على الأقل جزئياً-  دورا في احتلال العراق واتمام دائرة انتاج الخراب؛ فكانت هناء مال الله تواجه الاوساط الثقافية بما اختزنته ذاكرتها من اثار خراب الحروب، والتي بدات تتوسع الى رؤية فلسفية ذات جذور ثقافية صوفية تتعلق بمواقف الانسان في مواجهة السر الاعظم في الحياة وهو الموت.



لقد ادركت هتاء مال الله ان الرسم قضية بصرية لا تتسع في النهاية الا للبصريات والماديات التي تخلق البصريات، وهو ما ادركته هناء مال الله باحترافية عالية حينما حولت فكرة الفناء في اعمالها الى معالجات لمواد صلبة؛ لاعتقادها ان الفناء يضرب الصلب المحسوس ليخلق إحساسا بفاعليته التدميرية، فكما يحاول الانسان تحويل فعل الزمن الى سرد او تاريخ ليعطيه ملموسية، فإن هناء مال الله تحاول انتاج العكس حينما تستخلص من الصلب الذي تآكل بفعل فنائه إلى سرديات ورؤية فلسفية تعبر بها عن إحساسها تجاه التدمير الذي يطال الإنسان كما يطال المادة الملموسة متجها بها إلى الفناء..



تشكّل هناء مال الله رؤيتها من خلال أعمال تسميها (الحافة الحساسة)، وهي مرحلة حرجة بين التشخيص والتجريد،  وهي اعمال غالبا ما تكون ثلاثية الابعاد وتريد ان توصل عبرها ان كل شيء صلب وهو هنا محسوب بحكم صلابته على التشخيص ممكن ان يتحول الى تجريد بقوة الفناء... فهي تقتنص لحظات التحول تلك بين الوجود الصلب وبين الفناء التجريدي، ان هناء مال الله، وعلى خلاف غيرها من مجايليها، تعيش تجربتها كرؤية روحية تعالجها من خلال المادة التي تشتغل عليها...



لقد تركت الحرب ندوبا كبيرة داخل هناء مال الله بحكم التماسّ المباشر مع اثارها المدمرة، فأيقنت أنّ الخرابِ جوهرُ الوجود او مآله الحتمي، وان الصلابة (الموثوقة) يُمْكِنُ أَنْ يُتحوّلَ الى (لا شيء)ِ خلال اجزاء من الثانية. وهكذا ترسخ عندها يقين عبر الإسْتِنْتاج بأن الخرابِ هو اللحظة الحاسمة بين التشخيصِ والتجريدِ، بين إلوجود والِفناء, وهو مفهوم تعتبره ذا معنى روحيَ عميقَ أيضاً. وتعتبر تقنيةِ الخرابِ ناتج الوجهِ القاتلِ للحربِ، وانها استعادة وإنتاج لفكرةَ الحربِ وفعلها التدميريَ وفي اعادة انتاج التجربةِ العميقةِ لحقيقةِ للحربِ بصرف النّظر عن طبيعتها الجغرافسياسية او الجيوبوليتيكية.



تفيض الاعمال الفنية المحروقة، والممزّقَة، والمخَدشَة، والمجمّعة، في أغلب الأحيان، من مصادر متفرقة، برائحة الدخانِ، وبلون السخام، وكلها تجسيدات بصرية تقوم مقام التلميحات المؤلمة لدمارِ وطنِها، وتُوصلُ رسالة عابرة للجغرافيا وللتاريخ معاِ، فكرة تؤكد ان الخراب جوهرُ وجودي للوجود، وليس للموت، او بمعنى اوسع (الاندثار) الا حقيقة كل مادة صلبة تبدو من النظرة السطحية متماسكة فاذا بها يمكن خلال اي قدر من الزمن متناهيا في الطول او في القصر، تتحول الى هباءة، وهو ما تحاول ان تقدمه في اعمالها التشكيليِة التي تقع في لحظة التحول القلقة بين الوجود وبين الفناء، اي بمعنى تشكيلي تقف بين التجريد والتشخيص.


تقول هناء مال الله في حوار لنا معها عبر النت: "ان فكرة مفهوم الخراب الذي كان جزءا رئيسا من تجربتي الحياتية والفنية في العراق، والذي كنت اقترب منه محليا كمفهوم لصيق بجغرافية معينة (العراق) ميسوبوتاميا، وكأنه قدر مستدير التعاقب على العراق ولا يمكن الفرار، او الخلاص منه، بدأت اعيشه كمفهوم عالمي بعد خروجي من العراق، واستقراري في مدينة عالمية رأسمالية مثل لندن، حيث معاملتنا كأدوات، او بالأحرى وقود لإدامة وضعنا في خانة هوامش مجتمع العولمة الرأسمالي، واعتقد ان للفن العالمي المعاصر الان وتسويقه دورا كبيرا في هذه اللعبة العالمية للخراب، واقصد بذلك ان ما ينتج في الفن العالمي الان ليس الا انعكاسا صادقا لجوهر الخراب الذي نعيشه، والذي تغذيه الرأسمالية وثقافتها التافهه مثل اميركا. هذا ما يجعلني استشعر حافة الخراب في كل شيء اعيشه حتى وان كان في لحظات سلام".

الأربعاء، 12 ديسمبر، 2012

الناقد التشكيلي خالد خضير الصالحي وجلسة نقدية عن معرض منحوتات هاشم تايه



اتحاد الادباء يقيم نشاطه الثقافي في جمعية التشكيليين
الناقد التشكيلي خالد خضير الصالحي
وجلسة نقدية عن معرض منحوتات هاشم تايه


      المادة المرذولة..
                      تعبير عن وجع وسخرية



لمناسبة معرض (حياة هشة) للنحاة-الرسام هاشم تايه اقام اتحاد الادباء في البصرة وبالتعاون مع جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة وفي مقرها جلسة نقدية للناقد خالد خضير الصالحي الذي ادار الجلسة وبمشاركة عدد من الكتاب الذين قدموا اوراقا عن تجربة ومعرض هاشم تايه؛ فابتدأ الصالحي الجلسة مرحبا بالحاضرين ومعبرا عن احتفائه بالتشكيلي هاشم تايه قائلا:  نحتفي اليومَ بواحدٍ من المبدعين متعددي الاهتمام الذين نسميهم في علمِ الشطرنج (يونفيرسل ستايل)، وهو ما يوصفُ به اللاعبونَ متعددو الامكانيات الذين يجيدونَ كلَّ اساليبِ اللعبِ على الرقعة، ونرحّلُ هذا المصطلحَ الى الحقلِ الثقافيّ لنصفَ به المبدعينَ الذين يشتغلونَ في مناطقِ (المابين) او (التخوم)، وسنسميهم (العابرين للتخصص)، ومنهم هاشم تايه (التشكيليُّ الكاتبُ الشاعرُ)، ان هذه الجلسةَ ثمرةُ تعاونٍ مثمرٍ بين اتحادِ الادباءِ في البصرةِ وجمعيةِ التشكيليين في البصرةِ في أولى الجلساتِ الثقافيةِ التي تُعقدُ في مبنى الجمعيةِ ونتمنى ان تكونَ فاتحةَ خيرٍ لها، وهو تعاونٌ مثمرٌ قد يعوّضُ جزءا من الاهمالِ والمجافاةِ المتعمَّدَةِ التي تبديها حكومتُنا تجاهَ كلِّ ما هو ثقافي، فلا تبدو مصممةً لتخدمَ أيا من الأهداف الثقافيةِ..


وقدم الصالحي عددا من ضيوف الجلسة الكتاب الذين رغبوا بالحديث عن هاشم تايه مرجئا حديثه وحديث تايه بعدهم فقدم صباح سبهان ورقة بعنوان (منفيات تفضي الى اشياء هشة) مؤكدا فيها: ان هاشم تايه يكشف عن المخبوء من تحت اقنعة الجمالي باشنفاله على انساق ومهيمنات متحررة من الاستهلاك، وبمقصدية باحثا عن المسكوت عنه عبر لغة ثرة قادر على الادهاش وقادرة على نزع الاقنعة عن الايديولوجيا واكد ان تجربة تايه تقبلتها النخبة من المتلقين وعزف عنها الجمهور العريض رغم انها تجربة خصوصية من ناحية الخامات الموظفة التي قد لا تقاوم الزمن ولكنها قادرة على اثارة شعور بالاسى فقد اضفت المادة شعورا محسوسا وقيما مضافة..
واستعرض الكاتب سردا تاريخيا للمعارض السابقة (لوحات مشوية) 1992 في قاعة المتحف الوطني في بغداد، و(منفيات هاشم تايه) في المركز الثقافي قي البصرة 2007، واخيرا هذا المعرض (حياة هشة) ولكنه اغفل عن معرض مهم للتخطيطات افامه تايه في اتحاد الادباء غي تسعينيات القرن الماضي، واسمى الالية التي استخدمها تايه في توظيف المواد المرذولة والمستخدمة بـ(ــالتغريب)
وقال بانه استخدم كثيرا من قبل الر سام ماكس ارنست.. بينما قال الشاعر حسين عبد اللطيف انه مصطلح استعير من المسرح البريختي كما قال الشاعر حسين عبد اللطيف، واقترح خالد الصالحي بان مصطلح (التشاكل الصوري) الذي اشاعه (ر. روجرز) في كتابه المهم (الشعر والرسم) اكثر ملائمة كونه من الحقل التشكيلي وغير مرحل من المسرح.


ثم قدم الكاتب احمد صحن ورقة بعنوان (دادائية بصرية برؤية جديدة) اوضح فيها ان اعمال هاشم تايه تحمل دادائية بصرية يتعذر على المتلقي فك شغراتها ورموزها الا بعد الغور في المعاني الصورية ليجد الروح التي تتحرك مستمدة طاقتها من ربط الاشياء المستخدمة واخضاعها لقواعد التشكيل خالقا بذلك تاثيرا تفاعليا ناتجا من الاشارات الصورية المنبعثة من عالم اللوحة الدادائية التي جاءت محصلة حكمة ان اللاشيء هو كل شيء، وان معرض (حياة هشة)يثير جملة استفهامات ومعان لا متناهية تدعونا لان نتلقى طيات الورق المقوى المعمولة باليد حينما قام الفنان بالجمع بينها وبين المتناقظات متحولة الى قوالب لفظية تتفاعل مع النفس وتحرك بوصلتها ضمن سياق الفن المضاد الذي يتماهى مع نسق الدادائية الاوربية، وقد شكل هاشم تايه سيميائية تحاكي الفوضى وتحاكي المهمل، ليضع فيها روحا بعد ان سلبت من قبل مستخدميها من خلال لمسات فنية بارعة، واستطاع ان يترجم روح المثقف العراقي وترسباتها، انه التمرد بعينه، فلوحاته تصرخ بصمت يخرج من جوف قنانيه الفارغة.. كما تنم المنحوتات عن هيمنة على مادتة المرذولة التي يشتغل عليها، ليحولها الى لغة كونية لتدب فيها الروح على سطح الكارتون، عاكسة حياتنا الرخوة بمادتها الهشة التي يمكن ان تطيح بها في اية لحظة.
وعقب رئيس الجلسة الصالحي على الكاتب احمد صحن ان جمع الاشياء التي يتم قسرها على الجمع لخلقة الانزياح الضروري للفن، نقلها الكاتب صحن الى مستوى جمع المواد بين حقلين (متناقضين) بعد ان فهمها الاخرون بانها تناقض جزئي بين اشياء جمعت قسرا..
ثم قدم التشكيلي عبد الرزاق الحلفي ورقة عنوانها (منحوتات هاشم تايه.. اعمال نابضة بالاسى) قال فيها: قدم هاشم تايه جهدا استثنائيا في خلق اعمال فنية من جمع النفايات واعقاب السجائر والاسلاك والخيوط والعلب الفارغة وقناني الماء المهملة، مستخدما الكولاج وعلب الكارتون، وتخلى عن ادوات الرسم التقليدية ومواده التقليدية، ففقدت الاعمالُ بريقها اللوني وكانت امتدادا للدادائية بعد الحرب العالمية الاولى كرد فعل للشعور بالفراغ ولا جدوى الحياة التي كانوا يعيشونها فكانت محاولة للخلاص من قيود المنطق الذي فقد فاعليته، فاعاد هاشم تايه واستعاد منطلقاتهم والياته للتعبير عن قسوة الحروب وجشع الانسان والافكار السلفية التي اصبحت عائقا بوجه الحياة..


ثم قدم رئيس الجلسة دراسته المعنونة (هاشم تايه.. التخومُ.. والمحرّكاتُ السرّيّةُ.. والخيالُ الماديّ) قال فيها:
كنت دائما أرى في الرسامِ والمخطّطِ والنحاتِ، والكاتبِ والصحافيِّ واللغويِّ هاشم تايه صدىً لرؤيتي لنفسي من ناحيةِ قدرتِهِ على الكمونِ في المناطقِ التي يسميها سلفرمان وبرتراند رسل (المابين) أو (التخوم)، ومع انه يتنقلُ في مناطقَ التخومِ هذه إلا أننا نجدُه، أينما حلَّ، يمتلكُ ناصيةَ مادتِهِ التي يشتغلُ عليها: ناصيةَ اللغةِ حينما يأخذُ بأعنّتِها نحو الشعرِ، ونحو الكتابةِ: النقديةِ، والصحافيةِ في ارقى مستوياتِها، وناصيةَ اللونِ وهو يطوّعُهُ على ديناميةِ الرسمِ؛ فكان ليس فقط يعيدُ اختبارَ قدرةِ الألوانِ التقليديةِ، بل ويكتشفُ من الموادِّ الجديدةِ ما لم يكنْ يتخيّلُها الآخرون قبله صالحةً للرسمِ؛ هولاء الذين تطبعتْ عقولُهم وتقولبتْ على ما هو سائدٍ من موادِّالرسم.
يقدم هاشم تايه تجربةَ نحتٍ، في معرضِهِ الأخيرِ، ولكنّه يعيدُ علينا فيه الغرائبيةَ الماديةَ ذاتَها، ويؤسسُ لقوانينَ استثنائيةٍ كان يقدّمُها الرسامون حينما يمارسونَ النحتَ نمطا إبداعيا (آخرَ)؛ ففتحوا فيهِ أبوابا لم يعد غلقُها ممكنا بعدهم..
***

يرسمُ الرسامون، وينحتُ النحاتون، ثم ينامون ملءَ جفونَهم عما يبدعون، ويحارُ النقادُ في اكتشافِ أسرارِ تجاربِ هؤلاء المبدعين وما اخفوهُ من مرجعياتِهم، ونحن نومئ هنا طبعا إلى تجربةِ هاشم تايه التي لا جدالِ في أنها تحتلُّ مكانا ضمن المشهد التشكيلي البصري، وهنا مكمنُ المفارقةِ والمحنة النقدية، كيف احتلتْ تجربةٌ مفارقة لـ(ـلانساق) المألوفةِ من الفنون التشكيلية بأنماطِها السائدةِ، تجربةٌ مفارقة بالمادةِ، والتقنياتِ، و(المابين)؛ كيف احتلتْ موقعَها ضمن الفن وهي تحمل هذا القدرَ من المفارقة؟!، وهنا تكمنُ محنتُنا، نحن المشتغلين بالنقد التشكيلي، وهنا يكمن امتحانُ (قواعِدنا) التي ربما هي ليست قواعدَ، ولكننا أوهمنا انفسنا بها، وربما أوهمنا الآخرين كذلك!.
***

كتبت عن تجربة هاشم تايه مرات عديدة فكنت أتابع متحفه (السردي_البصري) الذي يبنيه بناءً قصديا حسب (قانون) التشاكل الصوري، بجمع عناصر من الصعب جمعُها، فكان ذلك الجمعُ (القسري) يخلق الانزياحَ الاستعاري الذي هو جوهر للجمالي كما هو جوهر للشعرية، وهي الية استخدمها السورياليون: سلفادور دالي، وماكس ارنست، فيتحقق في تجربة هاشم تايه من خلال ثلاثة (قوى محركة) في تجربته هي: أولا، تواشج (القوة والبساطة) في التكوين الخطي، وثانيا، فاعلية المادة المستخدمة في كل مرحلة من مراحل تجربته، وثالثا، فاعلية المحرك السيكولوجي الذي هو محرك دلالي وان تنافذ بشكل أو باخر مع المحركات المادية، وقد وجدت ان معرضه هذا جاء تكريسا ليس فقط لمادة مضى عليه معها سنوات طويلة فكان يطورها في كل معرض جديد يقيمه، وإنما كانت أيضا تكريسا لذات المحركات السابقة.. فما زالت البنية الكاليغرافية مهيمنة على أعماله الآن كما كانت في أعمال الألوان الزيتية التي كان يرسمها سابقا، وفي التخطيطات التي مثلت السلف الأقدم لإبداعاته اللاحقة، وكانت بنيتها الشكلية (تتخندق) مع تلك الأعمال التخطيطية، بينما تتخندق الآن دلاليا بشكل خطّيّ في تشكيل سردية الموضوع، حيث يجد المتلقي نفسه مضطرا إلى تتبع (خط) سرديّ يبنيه الفنان بناء (محكما)، فيدخل السرد واضحا في بنية العمل، ويتحول الخط من طبيعته المادية إلى طبيعة سردية، فكان، فيما سبق، يغلق الأشكال، ويردم الفراغات، وهو الآن وهو يفعل ذلك يقوم بها سرديا.. 
ان المحركات السابقة لتجاربه (النحتية) مازالت فاعلة حيث: أولا، مازالت البساطة والقوة التي كان يجلها الرسام الشاعر (وليم بليك) فاعلةً هنا، فكان هاشم تايه يتبع البساطة حينما يتخلص من الشوائب الزائدة في بناء لوحته عبر (خط) سردي لا انقطاع فيه، خط ارسطوطاليسي: من البداية مرورا بالوسط وانتهاء بالنهاية، هو زمن متعاقب، مستمر.
ثانيا، مازالت المقاربة السيكولوجية صالحة كمقاربة حيث تؤكد شخصياته بانها ترميزات لمظاهر داخلية من شخصية الرسام مشفّرة عبر كائنات متعددة، ومتناقضة في مواقفها، يبثها بشكل يغطي مساحة العمل.. يستلها من مستوى غائر، مطمور في أعماق النفس الإنسانية، ما يجعل كل ما يقال عنها محض افتراضات قد تكون أوهمتنا، أو أوهمنا أنفسنا بها، لكن لا ضير، ما دامت تفتح لنا مسرباً مضيئاً لهذه التجربة.
ثالثا، ظلت (سلطة المادة) الجوهر الأكثر فاعلية في  تجربة هاشم تايه؛ فقد كان هذا الرسام قد تخلى عن مواده التقليدية: الحبر الصيني ،والألوان، وتخلى عن الأدوات التقليدية: ريشة الحبر الصيني، وفرشاة الرسم، وأقلام الحبر الجاف الملون، ولكنه واصل الاشتغال على الخامات اللونية الاستثنائية التي تذكرنا بتجربة الألوان العطارية (=النباتية) التي كان يجمّعها من مصادر نباتية متنوعة، ليعود إلى تجربة الورق المقوى في معرضه هذا عائدا إلى العلب الورقية (الكارتون)، والأسلاك، والخيوط، والقناني البلاستيكية، وعجائن يصنعها من الورق المقوى أو من مواد أخرى، كلها تشكل عنده مادة استثنائية يحاول بها تطوير تقنياته في: الخرق، والحرق، والقص، واللصق، والتمزيق، والتراكم، والحك، والشطب، وسوى ذلك من التجارب التقنية، وكنا صنفنا تلك المحاولات بانها تقع ضمن ما يمكن ان نسميه (بالتشكيل الفقير)، مستثمرا كل مادة في اقصى ما تقدمه من قدرة تعبيرية؛ فكانت طبيعة المادة المستخدمة تلقي بثقلها على العمل، فكان العمل يأخذ استراتيجا مختلفا في كل مادة مستخدمة في إنجاز العمل؛ وبما يلائم الحدود التعبيرية لكل مادة.
***

لقد كان هاشم تايه ، في تخطيطاته السابقة، يستثمر نتائج بحثه النهائية في أعمال الألوان النباتية (العطارية) السابقة أيضا، فيختار كائناته التي خلقتها الصدفة، لكنه يتبع إستراتيجا مختلفا هذه المرة بما يلائم مادة الحبر، فلا يتبقى من تلك الكائنات سوى خطوطها الخارجية، وبعض اللمسات الظلـّية التي يعتقدها الفنان مهمة لاكتمال خلق أشكاله، أي ان التخطيطات فقدت صفة الصدفة حيث صار لها نموذج سابق كان يتبعه الرسام فيما مضى، وهو الأمر ذاته الذي يحدث عندما انجز أشكاله بالورق الذي فقد صفة الصدفة وصار له مثال سابق، فكانت أعمال الورق المقوى تبنى بوعي وقصدية وتنجز ببطئ وتخطيط  مسبق..
***

يصف هربرت ريد الريليفات والبنائيات النحتية التجميعية بأنها "تتأرجح بغموض بين حرفتي الرسم والنحت" (هربرت ريد، النحت الحديث .. تاريخ موجز، بغداد 1994، ط؟، ص 5)، فهو يحتار في تجنيسها ان كانت تنتمي إلى الرسم أو النحت، إلا أنها براينا تشتغل في مناطق  (تخوم الرسم-النحت)؛ وهو امر يذكرنا بتعريف للفلسفة اطلقه برتراند رسل في كتابه (حكمة الغرب) باعتبارها الحقل الذي يبحث في مناطق التخوم ما بين العلوم المختلفة؛ وان افتراض وجود تخوم للفنون المختلفة، ولفن الرسم تحديدا باتجاه مختلف أنماط الفنون الأخرى يفترض وجود تخوم بينه وبين الفنون المحايثة القريبة كالخط والتصميم مثلا؛ وهي مماثلة لتلك التي بينه وبين النحت، بما يخلق من (حركة) ناشئة، ومن تواشج فضائيّ (داخل-خارج) المنحوتة، فضاء مفتوح خارج المنحوتة، وفضاء مغلق (داخل) المنحوتة، فيتم إعادة تأسيس علاقات الفضاء نتيجة الافتقار للمادة الصلدة التي كانت في ما مضى جوهر النحت، ويبدو ان الحاجة إلى تغيير علاقات الفضاء كمعادل لردم الفضاء هو نزوع أصيل في هذا النمط من المنحوتات، نتيجة البناء النصبي لهذه المنحوتات فهي في غالبيتها توحي بانها مشاريع نصب ضخمة مقدر لها ان تحتل مساحات عامة يتعايش الناس معها بشكل تلقائي ويومي، وتنتظر كذلك إعادة إنتاجها بمادة مقاومة للزمن هي البرونز، فلنتخيل أعمال هاشم تايه الكارتونية وقد خلعت معطفها الكارتوني وتدثرت بالبرونز الصلب، فأية صلابة مادية تلك؟، واي خيال مادي سيتحقق، وربما سيريح ذلك غاستون باشلار اكثر من غيره؛ وهو مصدوم، من افتقار الجمال لما يسميه (العلة المادية)؛ كما جاء في كتابه (الماء والاحلام). 
**
ثم قدم الصالحي زميله المحتفىبه (هاشم تايه) بقوله: "الان يقدم الكاتب هاشم تايه عن تجربته، ونحن نتعمد هنا تسميته (الكاتب) لاننا لا نعارض حديث التشكيلي عن فنه ولكننا نعتبره حينما يتحدث شفاها او يمارس الكتابة فانه يكون قد غير جلده واتخذ دورا اخر هو دور الكاتب اي المتلقي المنتج الفعال وبذلك سوف لن يكون لرايه عندنا افضلية ولو قليلة جدا على اراء الكتاب الاخرين، فان الاعتقاد السائد بان منتج العمل هو الاكثر دراية والاكثر قدرة على شرح اسرار عمله لا صحة له، لاننا نعتقد ان مفاتيح التجربة الابداعية تكون مخفية او محتجبة حتى على منتج العمل وان قدرا كبيرا من محركاتها تكون لاواعية وبالتالي سرية عليه ايضا، وهو ما يبرر لنا بخلنا عليه بالوقت الذي سيتحدث فيها عما يعتقده اهم ملامح تجربته ومقترحات التلقي الاهم التي يقترحها كمدخل لتجربته، ان هذا ينسجم مع فهمنا الشخصي وموقفنا بان منتج العمل انتهت مهمته بانتاج العمل وانه صار متلقيا كغيره، وهو ما يشرحه سلفرمان بتفريقه بين (العمل الفني) الذي يمتلكه صانعه ماديا وبين النص او المنحوتة التي يمتلك المتلقون مهمة تاويلها.. وتساءل رئيس الجلسة: هل تعيدنا (حياة هشة) بشكل ما إلى (اسم الوردة) لـ(امبرتو إيكو)، الذي يقول في كتابهِ (حاشية اسم الوردة) ان "الأمر يتعلق ببيت شعري مأخوذ من كتاب لبرنار دو موراليكس (حول أشياء الحياة الهشة)".. ام تعيدنا لما قاله هاشم تايه بأنها هامش، أو اشتقاق أو ربما انشقاق لا اتذكر عن مصطلح لوحات (الحياة الجامدة)..
***
فكان عنوان ورقة الكاتب هاشم تايه (إضاءة) وجاء فيها:
كم تبدو مهمة شاقة لا تخلو من مجازفة حين يٌورَّ ط فنان في الكلام على عملٍ فنيّ أنجزه، وستكون المهمّة فادحة لو أن هذا الفنان تكبّد عناء الدفاع عن عمله وتبريره، فالمفترض أن هذا العمل، وحده، هو من يعرض حقائقه الجمالية، ويدافع عنها ويبرّرها بمنطقه الخاص.
اللافت، أيضاً، أن ثقافتنا تطالب صانعي النصوص البَصَريّة بالنيابة عنها، وتتساهل في هذا الأمر مع نظرائهم صانعي النصوص اللغوية.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       
لماذا حياة هشّة؟
     هذا العنوان مستقى بتحريف من موضوع أثير لدى الرسّامين دأبوا على عنونته بـ (حياة ساكنة) أو (حياة جامدة) وهو ما جرى التعبير عنه في الإنجليزية بـ (still life).
    الصفة (هشة) في عنواني تعيّن طبيعة المواد والخامات والسطوح التي أنجزت بها أعمالي، وهي مواد تمت صناعتها لتستخدم كحافظات لمادة حياة يوميّة حالما تستفرَغ منها يكون مصيرها النفاية أو الأرصفة، أو جادات الطرق في بيئة عارية تجعلها عرضة لآثار متعددة فتتقادم وتتلف وتتغيّر أشكالها، وتنتهي إلى طبيعة هشة.
لماذا استخدام هذه المواد في عمل فني؟
    تبدو أعمالي مخيبة لكثيرين ربما بسبب توحّشها، ونشازها، وغرابتها، ولوثتها، وتلوّثها، وعدم ألهيتها، لهذه الأسباب، لأن تعلَّق على جدار نظيف في بيت، أو في متحف، لأنها لا تطاق حتى أن أحد مسؤولي ثقافتنا الرسميين عبّر عن اشمئزازه منها، وهو يطالع أحد هذه الأعمال، وقال لي إنه يخشى أن يلمس بأصابعه قنينة بلاستيكيّة تالفة ملصقة على سطح ذلك العمل متوقعاً أن تكون ملوّثة بالمكروبات...
هذه الأعمال تنطلق من افتراض وجود فنان في وضعٍ أقرب إلى عدمٍ، عدم توفر ما يُفترض أنه أساسيّ من الأدوات والوسائل المعروفة لصناعة أثر فنيّ، وعدم وجود تقاليد فنيّة راسخة يستند إليها الفنان صانعاً أثره بالانطلاق منها، وأخيراً افتراض عدم وجود ذاكرة في ذاكرة رأس هذا الفنان الذي سيجد وسائله وأدواته في أي شيء يقع تحت يديْه، وسيعمل بلا تقاليد فنية، وبلا ذاكرة.. خلاصة الأمر أعمالي هي حصيلة افتراض أنني أعمل في عدم..
    ليست هذه المرّة الأولى التي أنجز فيها أعمالي الفنيّة بمواد غير تقليديّة وأكرّس لها معرضاً شخصيّاً، فلقد سبق أن أقمت معرضاً العام 2007 بالبيت الثقافي بعنوان (منفيات) ضمّ أعمالاً نفذت جميعها بمواد مبتذلة، وسبق هذين المعرضيْن معرضٌ أقيم العام 1992 في بغداد استخدمت فيه تقنية الحرق على ورق المقوى الذي تصنع منه صناديق التعبئة.
   عموماً يمكن القول إنّ هناك أكثر من دافع وراء استثماري مواد غير تقليدية في انجاز أعمالي أستطيع إيجازها بالآتي:
1-       نزوع شخصي تأصّل مع الزمن الى التجريب لإفراد التجربة عن تجارب الفنانين الأقران بتحقيقها بخامات غير تقليدية تسمح بإعطاء نتائج تختلف عن تلك التي يحصل عليها فنان استخدم مادة تقليديّة.
2-       التحوّل الذي يطرأ على المواد الجاهزة المستهلكة التي يتمّ نفيها في البيئة جراء آثار متباينة يجعلها تكتسب مظاهر وأشكالاً مثيرة، فتبدو، وقد تعرّضت للتلف، كما لو أنها تختزن تعبيراً ما، بل تغدو ملهمة بتقديمها مقترحاً لصورة فنيّة أوليّة تعرض نفسها على الخيال مستفزة الرؤية ومحفزة على استثمار أشكالها المتحولة في إنجاز عمل فني.
ويمكن القول إن استخدامي الخامات والمواد المرذولة في إنتاج أعمالي كان حصيلة بداهة الرؤية البَصَريّة لأشياء العالم توافقت مع حقيقة أن العالم معروض علينا للاستثمار في ضروب شتى من الاستثمار بما فيها الاستثمار الجمالي.
3-       وعيٌ بأهميّة صناعة أثر فني مفارق ببدائل عن المواد التقليدية مع مفهوم عن فن شامل ترسّخ لاحقاً.. فن يعمل خارج منطقتي الرسم والنحت المعهودتيْن، وخارج الأعراف الفنيّة بمحظوراتها تعزّزه رؤية تسعى الى إدخال مادة الحياة في العمل الفني ومنح هذه المادة فرصتها للمشاركة في إنتاج هذا العمل وتقويّة التأثير الجماليّ فيه. وذلك يعني تغيير آلية التصرّف بالفعل الذي ينتج عملاً فنيّاً اعتدنا على أن يتحكّم به الفنان.
غير هذا تقترح أعمالي تحويل النصّ البصريّ إلى مجال استضافة/ استقبال/ استدعاء لأية مادة في الحياة مادام ممكناً تقديمها مقترحاً جمالياً.
4-       الوعي بأن استخدام مواد وخامات مألوفة وشائعة في الاستعمال الحياتي اليوميّ لإنتاج أثر فنيّ من شأنه أن يجعل هذا الأثر أليفاً لمتلقيه، وبما يسمح لتخفيف حالة اغتراب جمالي يعانيها عادة من يواجه عملاً فنيّاً حديثاً.
5-       إذا صحّ أن الآلية التي أنتجت بها أعمالي بخامات تالفة تعيد الممارسةَ الفنيّة إلى بدائيّتها كفعل حرّ يُنجز أثره بتطويع أية مادة قريبة مهما تكن بساطتها، إذا صحّ ذلك فإنّ هذه الآلية قد تفتح المجال أمام الممارسة الفنية غير المحترفة لتعمل بطاقة أكبر مدعومة بمبادرات وبداهات متحررة من أية سلطة، ولا بأس أن تكون بعد ذلك إلى جوار الممارسة الفنية المحترفة، أو على هامشها. المهم أن تكون مستفزة، مشاكسة، وحتى ساخرة.
6-       هناك تعاطف يسكنني تجاه ما رثّ وأبلاه الزمن من الأشياء المنفيّة في عالمنا.. تعاطف يدفعني إلى محاولة إعادة هذه الأشياء إلى الحياة، وتجديد لقائها بنا في كيان فني يمنحها جدارة بالبقاء. هناك أيضاً نزوع قبْليّ بإضفاء الحياة على كلّ شيء بما في ذلك الجمادات، ويدفع الفنان إلى استنطاق هذه الحياة في أعماله.
خارج ما سبق يتعيّن عليّ القول إنني فنان غير محترف اعتدتُ العمل بأهواء خاصّة في مكان عزلتْهُ فظاظتُه عن العالم، وإذا حدث أن توافقت تجربتي مع تيار فني عالمي فقد وقع ذلك مصادفة، إذ أن نزوعي إلى العمل بأية مواد رافقني منذ فترة مبكرة من عمر تجربتي التي بوسعي الآن أن أراها كيف انطلقت بمجرّد قطعة فحم تحرّكت بأصابع طفل على جدار إسمنتي خشن في بيت قديم ثم مضت تعبر عن نفسها بأية مادة وعلى أي سطح.
ليس هذا دفاعاً عن تجربتي، فحياة هشة هي إلى حدّ ما حياتي أوهنُ من أن تقدّم دفاعاً عن نفسها.
***
اثنى الصالحي على ورقة الكاتب هاشم تايه فقال بانه قد نزع جلده تماما وتحول الى ناقد مبدع لم يبقِ لنا نحن مدعي النقد شيئا نقوله فقد طرح افكارا استثنائية وغير تقليدية؛ فكان مصداقا للقول بان بندول النقد التشكيلي قد تحرك الى البصرة التي تقدم طروحات متميزة في النقد التشكيلي..
ثم فتح رئيس الجلسة خالد خضير الصالحي باب المداخلات الشفاهية فقال الكاتب صبا  ح سبهان بان المادة وسيط اضفي رونقا على اعمال هاشم تايه، بينما قال رئيس الجلسة ان المادة جوهر العمل الفني وليس وسيطا خارجيا وقد طرح ذلك هيدجر منذ عام 1935 في كتابه (اصل العمل الفني).. وتساءل الشاعر حسين عبد اللطيف هل يمكن اعتبار استخدامك للمواد التالفة امتدادا لتوجه بيكاسو وصالح الجميعي؟.. فأجابه هاشم تايه بل من طفولتنا حينما كانت جدتي تمد يدها في ساقية الماء لتخرج طينا حرا تصنع منها تماثيل فنية، فكنت اجمع الورد وادعكه على سطح الورقة لانتاج عمل فني، فكنت ارى في تلك المادة قدرة استثنائية على خلق الفن..
واثنى التشكيلي عبد العزيز الدهر على رئيس الجلسة بان الفنان حين يتحدث عن تجربته لانه حين يعبر عنها فإنه سيصير كاتبا؛ الفن الان تتمازج فيه فعاليات فنية متعددة كالعمارة والنحت والرسم والتصميم وحتى الشعر، وان اعمال هاشم تايه ارواح تتكلم ولا اعتقد انه في الفن الحديث ولا اهمية لتقليدية او عدم تقليدية المادة.. كما لا يوجد تحجر مدرسي كالذي نتحدث عنه فيمكن للفنان ان يستقي مواده وموضوعاته من كل المصادر والاتجاهات..
تساءل عبد الرزاق الحلفي ان كان تايه قد تاثر بالدادائية وهل هو غير معني بخلود اعماله ليختار هذه المواد سريعة التلف؟..
واضاف المترجم نجاح رحيم ان هاشم تايه يوجه لنا درسا اخلاقيا انسانيا بان لا ننتقد اخطاء البعض فقد تمكن من تحويل النفايات الى اعمال فنية فاعطانا درسا في الاخلاق..
وتساءل جاسم العايف عن الريط بين الوجود والعدم وهما مفهومان فلسفيان لا يمكن ان يلتقيا، فاوضح هاشم تايه الامر بكونه لا يتعدى العدم الفني الذي يدفع الى تصويره بهذه الطريقة..
واكد جعفر كمال وجود روح حداثية في اعمال هاشم تايهتستفز فضول الناقد لكن الا يؤدي استخدام المواد سريعة التلف الى وقتية العمل الفني؟ فاجابه تايه ان الثيمة الجوهرية للمعرض هي التلف..
واكد يوسف الناصر ان الاستمرار في الانتاج هو تحد للخراب وهو ما يفعله هاشم تايه بصلابة، وان استخدام المواد اخذ الجزء الرئيسي من الجلسة، وان البحث عن شيء جميل في النفايات يحمل من الطرافة الكثير.. وان هذا المعرض هو صرخة بوجه الجحيم المغلق وبالتالي فهو محاولة قيمة تستحق الثناء، واضاف ان الفنانين في الغرب يستخدمون المواد المرذولة في البصرة يختلف عن استخدامها في الغرب، انها هنا تعبير عن الجع الكبير، والسخرية المخيفة..
واضاف باسم القطراني ان اعمال هاشم تايه موجهة الى قاع المجتمع الذي يعيش واقع مر فهي مواساة له ولكن الغرابة ان متلقيه كانوا من النخبة..