الأحد، 20 نوفمبر، 2016

التلصّص.. ومؤسسة المراقبة الشاملة
او (إمبراطورية النظرة المحدِّقة)
خالد خضير الصالحي

























(نص المحاضرة التي لقيتها (صباح يوم السبت الموافق 19 تشرين الثاني 2016)، عن التصوير الفوتوغرافي ضمن المنهاج الثقافي لاتحاد الادباء والكتاب في البصرة)
"في العُرْي كلُّ ما هو ليس جميلاً فاحشٌ"
(روبرت بريسون - مخرج سينمائي فرنسي)
التلصّص.. ومؤسسة المراقبة الشاملة او (إمبراطورية النظرة المحدِّقة):
الفوتوغراف العاري (nude photography) والفوتوغراف الجنسي (sexual photography) نموذجا..
الجذر الجيني في الفن التشكيلي
ان ما اعنيه بالجذر الجيني في الفن التشكيلي هو تتبع بنية شكلية متكررة في ثيمة محددة، فقد تتبع الناقد البريطاني هربرت ريد في كتابه (الفن والمجتمع)، الجذر الطبيعي (الحيواني او النباتي)، الذي تحول الى (اصل تجريدي)، للكثير من الزخارف التي كان اصلها سحليات وتحولت الى تشكيلة زخرفية فضاع اصلها الطبيعي بمرور الزمن.
وقد بحثنا في الجذر الجيني للوحات صلب المسيح عند جريكو وتحولها الى تجريد في اعمال هاشم حنون، كما ان لوحات التظاهرة او المسيرة في تجارب فيصل لعيبي ومحمود صبري وهاشم حنون ولوحة التظاهرة لفائق حسن اعدناها الى جدرها في ريليفات الموكب الرافدينية القديمة حيث موكب يقدم فروض الطاعة والولاء للاله.
جذر الفوتوغراف.. جهاز رسم المنظور
كان الرسم الكلاسيكي في عصر النهضة ناتج كاميرا وهمية هي جهاز رسم المنظور الذي يفترض اللوحة مقطعا من مخروط ينطلق من نقطة التلاشي البعيدة لتلتقي الخطوط في عين الرسام (=عين الكاميرا) اللوح الذي ترسم عليه خطوط المنظور، ولم يفعل التصوير الفوتوغرافي سوى بناء هذا المخروط من خلال صنع صندوق الكاميرا المكونة من: ثقب للتلصص، و(لوحة) تقطع مخروط النظر.. نسميها الغرفة المظلمة (كما اسماه ابن الهيثم camera obscura باللاتينية)، ثم اكتشفنا ان بارت اسماها (الغرفة المضيئة) وله كتاب عنوانه (الغرفة المضيئة.. تاملات في الفوتوغرافيا)، وهو ابسط تعريفات الكاميرا واثبتها باعتبارها ثقبا للتلصص واستراق النظر، بالمعنى الباربوسي (نسبة إلى هنري باربوس في روايته الجحيم)، وهو تعريف يفتح بابا لإعادة تعريف الفوتوغراف، وإعادة تقييم أهدافه، ويكون مبدأ (التلصص) فيه استراتيجا ثابتا من مبادئ (قوانين) التصوير الفوتوغرافي...
التلصص من ثقب (قانون هيدجر)
ان التلصص ليس الا حوارا (صراعا) متبادلا بين: ارادة متلصصة ونموذج (موديل) فتمارس هاتان الارادتان لعبة الكشف والإخفاء من خلال فرض درجة من استراق اللقطات عبر البحث عن طيات العري الأكثر أهمية، ارادة تلصص من جهة وموديلٍ عارٍ يتفنن في حجب وإظهار ما يرغب من جسده، وعبر هذا الصراع بين الرغبات المتباينة في ما يسميه هايدجر "النزاع القديم بين الفجوة المضاءة وحالة الإخفاء" (هايدجر، معنى الفن، ص76) أي (صراع الاخفاء والكشف)، فتتوتر خيوط الشد في اللقطة الفوتوغرافية، ويكشف (الجسد: الضوء – الظلام) عن نفسه شيئا فشيئا، ولكنْ خارج ما أمكن من سلطة الايدولوجيا لصالح أن تعيش اللقطة كينونتها كواقعة شيئية يلعب قانون (الكشف – الإخفاء)، (الضوء – الظل)، (السواد - البياض) الدور الأساس في بنائها الشيئي..
(إمبراطورية النظرة المحدِّقة)
نعتبر الصور جزءا جوهريا من نظام المراقبة الشامل الذي يسود العالم الان؛ فتتخلق من خلال ذلك، ما يسميها فوكو (إمبراطورية النظرة المحدِّقة) )التي يخلقها ما تبثه في مختلف الاشكال والاتجاهات، ملايين الكاميرات الخفية التي تراقب الواقع، وتراقب تحركات البشر، وتهدف إلى خلق نظرة مركزية؛ تستقبلها عين مركزية غير مرئية تهدف في النهاية إلى رؤية اللامرئي: كاميرات في مخازن البيع واخرى في الدوائر، والشوارع، والمطارات، والاجواء، وربما غرف الفنادق وربما حتى دورات المياه..
مرتكزات نظم المراقبة الشاملة
او (شبكة النظام المعقلن) او (المؤسسة العقابية)
كان فوكو يطرح في كتابه (المراقبة والمعاقبة) ان المجتمع الحديث ليس "اقل رقابية ووعقابية من مجتمع التنوير وما بعده لان السلطة اليوم تمتلك تكنولوجيا تيسر المراقبة"، وعنده ان (شبكة النظام المعقلن) او (المؤسسة العقابية) ترتكز على ركيزتين اساسيتين هما:
اولا، القانون الجنائي وهو (واقعة لغوية).
وثانيا، السجن "وتظل دلالته بصرية" (ص34)، اي انه (نظام بصري)، او (قابلية رؤية)..
بنتام ونموذجه الشهير للسجن 1791
ان دلالة السجن البصرية ناشئة عن ما يسميه فوكو panotisime وهي صفة لهندسة السجن الماخوذ من المرتسم الشهير الذي اقترحه المهندس (بانتام) في العام 1791 والذي أسس فيه منظومة مراقبة كان يسعى أن تكون (منظومة للنظرة المحدقة)، حيث يقوم برج في الوسط والزنزانات حوله حيث تكون مكشوفة ومرئية من قبل الحراس المراقبين. ٍاي انه تحقق اخر لواقعة التلصص وتأسيسا لاولى نظم التلصص على الواقع من زاوية خفية، فكان السجن بالتحليل الفوكوي النهائي نظاما بصَريا للنظرة المحدقة الكلية ذات المتجه الواحد من الحارس تجاه السجناء، بينما تخلق الكاميرا نظاما بصريا بمتجه متبادل يشكله طرفان هما: ثقب الكاميرا والموديل، ويكون فيها (الجسد) العاري مادة بصرية يقع الاشتغال عليها.. فكان السجن مغمورا بالضوء ولا مكان للظلال فيه؛ وهو ما ينطلق منه التصوير الجنسي حينما يغرق الجسد بالضوء، بينما يبدأ التصوير النودفوتو من الجسد الغارق بالظلمة..
تلصص السجن هو نظرةٌ محدقة
إن تلصص السجن هو نظرةٌ محدقة تراقب تحركات الجسد اجتماعيا باعتبار السجن جزءا من نظام اجتماعي شامل للمراقبة، بينما يختلس النودفوتوغرافي النظر إلى سحنة الواقع (الجلد) وثنياته، وطياته الخبيئة، وعبر ملايين الكاميرات المنتشرة الان حول العالم (أداة رؤية كلية)؛ فكان واحدا من أهم مهامها اتخاذها الجسد موضوعا للرؤية، فهي كذلك منظومة شاملة لمراقبة الجسد، وتسجيل حركاته وسكناته في مشروع لمراقبة جلد العالم وجلد الجسد بطريقة كلية..
الفوتوغراف الاسود والابيض طريقة تفكير
يؤكد هارولد دافيس(ص16) من كتابه:
Creative Black and White Digital Photography - Tips and Techniques (20
ان التصوير بالاسود والابيض هو (طريقة تفكير) مختلفة، حتى انه يعنون الفصل الذي يشرح فيه الفوتوغراف الاسود والابيض thinking in black and white .. ويعتقد ان الصورة الملونة لا يمكن ان تتحول الى صورة بالاسود والابيض بشكل حقيقي ان لم تنطو على الكونتراست (السواد الفاحم) مادة بنائية..
(الاسود– الابيض) (الظلمة – الضوء) (الكونتراست) هو تجسد بصري لصراع (الحجب – الكشف)
تنتصر إرادة الحجب على ارادة الكشف في النود فوتو nude photo بينما تنتصر إرادة الكشف (الثقب المتلصص للكاميرا وارادة الموديل العاري) في الفوتوغراف الجنسي sexual photo الذي يتوجه نحو دوافعه الجنسية؛ بينما لا يتوجه النود فوتو إلى كشف الطيات (المحرمة) كما يطمح الفن الجنسي الخليع؛ فتوجهاته ذات مرتكزات جمالية بهدف اكتشاف سحنة جسد الموديل : قشعريرة جلده، وطياته، وانحناءاته، أي الجسد بوصفه واقعة شيئية... مما يحصنه من الانزلاق إلى نفعية غير مستساغة، كما هو حاصل في الفوتوغراف الجنسي.. فحين يوضع الموديل العاري تحت سطوة الكشف (وهو نمط من التعرية البصرية) فان أهدافه تنحصر في التحسس البصري لسحنة الجسد أي بساطة تحسس (شيئيته) ..
ورغم ان النود فوتو (الفوتوغراف العاري) هو صور تتناول العري الا انها لا تضع ضمن اهدافها اهدافا جنسية مفضوحة لصالح تقديم رؤية جمالية للجسد الانساني مما يجعل نمط الصورة العارية الجمالية اكثر نجاحا باستخدام نمط التصوير الاسود والابيض لتيسير هيمنة الظلام عليها وتقنين عملية الانكشاف الى ادنى درجاته الممكنة..
اختراق الجسد بصريا
"إن كانت دراسات الممارسات التي تقع على هذا الجسد، والذي يوقعها كذلك على أجساد آخرين، هو موضوع الفلسفة في هذا العصر"، كما يقول مطاع صفدي؛ فان واحدا من أهم موضوعات الفوتوغراف الأسود والأبيض هو الجسد الإنساني بهدف اختراقه بصريا... إيذانا بـ"ولادة جسد مختلف" من لونين، يلفّه الظلام، ويلسعه الضوء بقوة في أجزاء نمطية منه .. جسد يختلف عن سحنة الأجساد التي أنتجها الرسامون قبل اختراع الفوتوغراف.
القوى الدينية والعولمية: تغطية الجسد مقابل تعريته
اننا نحاول تتبع خطى فوكو في مساهمته بإعادة كتابة تاريخ الجسد الذي تطور من مرحلة اعتباره قوة عمل (نتذكّر كتاب دور العمل في تحول القرد إلى إنسان لانجلز) إلى مرحلة الجسد المسيّس الذي ينبغي إخضاعه إلى مؤسسة الجسد المنضبط، فيما يبدو التشريح (اناتومي) منهمكا في ما تحت جلد الجسد، ثم إلى مرحلة الجسد السلعة، وكلها تسعى حثيثا لرؤية (اللامرئي) الذي يصفه فوكو بـ"ـما يجري إخفاؤه وطيّه" من قبل هذه الاستراتيجات؛ وما بين الجسد المنضبط والجسد السلعة، وهي كلها مؤسسات بصَرية مرئية، تتضافر قوى الإعلان العولمية إلى وضع الجسد بأكبر درجة ممكنة تحت التعرية من خلال الإعلانات، وبين القوى الدينية المتطرفة التي تحاول أن يصل الجسد تحت هيمنة نمطها للحجاب إلى اكبر درجة ممكنة من الحجب، بينما تنتفض من تحت الرماد مرحلةٌ أخرى لـ(ـلجسد – الواقعة شيئية) التي تماثل شيئية اللوحة.. وهي مرحلة يرفض فيها الجسد أن يخضع لإكراهات شركات الإعلان في التعرية واكراهات القوى المتطرفة في الحجب، وتقدّمُ نموذجََ الجسد – الجمالي (الواقعة الشيئية) كنمط يوتوبي للجسد رغم انه ما زال يخضع لقانون الإخفاء – الكشف ذاته ولكن بأهداف تتخلص باضطراد من نفعيتيها، إلا أن ذلك أمر نظري فبالتحليل النهائي تحاول كل مؤسسات المراقبة والهيمنة أن تحاول الوصول إلى تأهيل الجسد وتنميطه وولادة المجتمع الانضباطي الشامل، فحتى مؤسسة الانضباط الجمالي تهدف إلى تقنين مقاساته.
تصوير الجسد عمل غير حيادي
إن تصوير الجسد عمل غير حيادي .. يجب أن يكون متلصصا بشكل استثنائي، وان تشمل هذه السمة كل فن التصوير من اجل اكتشاف الزاوية، واللقطة الاستثنائية (التلصص والكشف)، فقد كان ميرلوبونتي يقارن في كتابه (العين والعقل) 1960، بين العلم وفن التصوير الزيتي بان العلم ينظر إلى الأشياء من أعلى في حين ينغمس فن التصوير في عالم الرؤية، ففتحة صندوق الكاميرا هي أكثر من فتحة لتقنين دخول كمية من الضوء، فقد كان يتحدث عن جسد العالم الحيّ ولحمه، الجسد الذي هو "تفاعل تبادلي بين الضوء والظل" (عصر الصورة ص 102).
الـتصوير العاري (nude photography)
.. محاولة اعادة الصورة الفوتوغرافية الى حقل التشكيل
لقد بقي الفوتوغراف يحمل صفة التعارض بين اليد والعقل فالرسام التشكيلي كان فنانا مبدعا اضافة لحرفيته التي يجب ان تكون عالية، اما الفوتوغرافي فكان حرفيا يمارس مهنة، و عكس الصور الجنسية sexual photography كانت الـصور العارية (nude photography) واحدة من محاولات اعادة الصورة الفوتوغرافية الى حقل التشكيل، اي الى التحول من نظامها الاشاري الى نظامها الايقوني من خلال تقنين عملية الانكشاف (=انحسار الضوء وهيمنة الظلام) وايضا انسنة عمليات الانطمة الالية للفوتوغراف: التبئير، واختيار اللحظة والتاطير..
النزوع الداخلي للصورة الفوتوغرافية لتاكيد طبيعتها المادية (الشيئية)
رغم اختلاف طبيعة فني الفوتوغراف واللوحة التشكيلية بسبب اختلاف نظاميهما، حيث "ينتمي التشكيل الى نظام الايقونة، وتنتمي الصورة الفوتوغرافية الى نظام الاشارة" (ريجيه دوبريه، حياة الصورة وموتها) الا اننا نعتقد ان الصورة الفوتوغرافية تنطوي على نزوع داخلي لتاكيد طبيعتها المادية (الشيئية)، من خلال التخلي عن جزء من نظامها والاتجاه صوب تحويل طبيعتها الاشارية الى ايقونية، متوسلة بالعديد من الوسائل التي تضمن تكريس الطبيعة الشيئية للصورة: كإنهاء الجزء الاعظم من المهمة الابلاغية للصورة الفوتوغرافية، وتفعيل اكبر درجة محسوسة من فاعلية الاخفاء في صراعها بمواجهة الانكشاف؛ فحيثما تضيق فاعلية الانكشاف: تهيمن الطبيعةُ الشيئية للصورة الفوتوغرافية، وتضمحل الطبيعة الابلاغية؛ لذا نجد انماطَ الصورة الفوتوغرافية الابلاغية الاخبارية في الصحافة تتوسّل على اتمام اهدافها الابلاغية (ايصال معلومة اخبارية سردية عبر الصورة) باستخدام نصوص اللغة التي تساهم في اتمام مهمتها السردية، وكذلك تتوسل بوسائل شكلية اخرى من خلال هيمنة الضوء في الصورة الصحفية..
، وقد حضرالجلسة جمع من مثقفي محافظة البصرة فاغتنت المحاضرة بوجودهم ومداخلاتهم المهمة.، وادارها الصديق الكاتب صباح سبهان باجادة وتمكن كان اثره واضحا في ادكاء روح الحوارات، حيث تداخل السادة: د. عباس الجميلي، القاص قصي الخفاجي، القاص باسم القطراني، الدكتورة خلود جبار، الشاعر علي الامارة، الشاعر محمد صالح عبد الرضا، الرسام شاكر حمد، الناشط يوسف عبد الجبار الدغمان، الاستاذ الدكتور سعيد الاسدي، الكاتب جاسم العايف، الرسام عبد العزيز الدهر.. فشكرا لكل هؤلاء .. واقدم هنا ملخصا للمحاضرة استكمالا للفائدة، ومواصلة للحوار بشانها مع بعض الصور التي لم نتمكن من تقديمها بسبب فني في جهاز العرض..

الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2016

الفوتوغرافي صفاء ذياب..الفقدان موت مؤجل

الفوتوغرافي صفاء ذياب







الفقدان موت مؤجل
يذهب مؤلفو أهم الكتب الصادرة في القرن الماضي عن "الفوتوغراف"، إلى أن الصورة الفوتوغرافية هي: "سليلة الحنين" (ريجيه دوبريه ،حياة الصورة وموتها، ص39)، و"الموت جوهرها" (رولان بارت، الغرفة المضيئة، ص19)، وانها "تذكار موت" (سوزان سونتاغ، حول الفوتوغراف،ص24)، اي انهم في النهاية يتفقون ان جوهر الفوتوغراف هو بعث لأجداث ذكرى ميتة، وهو ما اجده جوهرا للتجربة الفوتوغرافية للشاعر الفوتوغرافي صفاء ذياب، فقد كانت صوره الفوتوغرافية نظرة الم بفقدان شيء ما: فقدان (موت) الطفولة عندما تنقضي في ظل الحرمان والفاقة، اطفال في اتعس انماط طفولتهم، ابواب في اخر لحظات حياتها كبقايا أبواب وبيوتا متهالكة تنتظر موتها .. وحيوات فقدت القها وهي تنقضي تعاسة والما..


الأحد، 2 أكتوبر، 2016



(inspiration of walaa belal)
المعرض الشخصي للرسامة ولاء بلال في قاعة (لمسات) في القاهرة


التـوالد الابـدي للصــور



                                                                                                               









خالد خضير الصالحي
اقامت الرسامة المصرية ولاء بلال (الاسكندرية) معرضها الشخصي (inspiration of walaa belal) الذي اعتبرت ولاء بلال الرسمَ فيه ليس الا خيالات واحلاما وايحاءات، وضم المعرض، الذي اقيم في قاعة (لمسات) في القاهرة، نتاجاتها الاخيرة على (تنوعاتها الشكلية) و(وحدتها البنيوية)، فقد كان هذا المعرض نقطة تحول، ونقطة افتراق بين اسلوبين للرسم: اسلوب تشكل فيه الصورة الفوتوغرافية العنصر البنائي الاساس، ويشكل تراكبُ الصور فوق بعضها جوهرَ اعمالها، واسلوب اخر يبدو من النظرة السطحية مناقضا للأول لأنه يوظف البنية التوليدية الزخرفية، حيث تنبثق البراعم بعضها من بعض وبشكل مستمر وابدي ولا يمكن ان توقفه حدود ونهايات كما هي لانهائية الزمان والمكان..
لقد اسميتُ اعمال ولاء بلال (تمثيلية) كونها تعتمد اشكال الطبيعة، واشكال الموجودات، وحدة بنائية لها، وهي صور فوتوغرافية بالاسود والابيض لمدينتها الاسكندرية تراكب بعضها بعضا، من اجل توليد ذات الالية التي تنتجها الطبيعة الزخرفية التي تتاسس على توليد الخلايا الزخرفية باضطراد ابدي لا يتوقف الا بانهاء الوجود الزخرفي الذي لا يمكن ايقافه، وبذلك تقوم ولاء بلال بتحويل طبيعة هذه الصور من كونها وثيقة تاريخية او اركولوجية الى واقعة مادية (شكلية) لا ترتبط بالتمثيل الا بشكل طفيف، وبذلك ينتقل مركز ثقل الطاقة التعبيرية نحو توليد السطوح، او توليد المؤثرات التقنية، او توليد (الجوهر) الزخرفي الذي هو وجود قائم على توليد بنى زخرفية لا نهائية تكون نتيجتها النهائية التوليد المستمر والمتعاقب للبراعم الزخرفية التي تفتح بدورها احتمالات جديدة للتبرعم المستمر، برعما عن برعم بشكل لا يمكن ان يتوقف مطلقا، لانه وجود  قائم على انتاج الصور التي تماثل انتاج هوامش المخطوطات وهوامش الهوامش فيها، هوامش تنتج نصوصا، ونصوصا تنتج هوامش..
لقد اتيحت لي فرصة متابعة المنجز التشكيلي السابق للرسامة ولاء بلال، وهو منجز كان يعتمد التمثيل لا بهدف انتاج سرديات نثرية مؤسسة على ذلك التمثيل باعتباره واقعة تاريخية او اركولوجية، فقد كانت ولاء بلال تهدف الى استخلاص الطاقة التعبيرية للواقعة باعتبارها واقعة اسثطيقية (جمالية) منتجة بفعل توليد واعادة توليد اشكال دالة ذات وجود (زخرفي) متوالد ابدا... فتحولت تجربتها بمرور الوقت من توليد الصور التمثيلية بعضها من بعض الى توليد الزخارف بطريقة مشابهة لتتحول اللوحة عندها من تجربة لتواشج السرديات التي يولدها تعاقب الصور فوق بعضها بفعل تتابعها الزماني والمكاني الى نمط اخر من التتابعات الشكلية التي تخلقها التوالدات الزخرفية التي انتهت اليها او ستنتهي اليها تجربة ولاء بلال بفعل توجهاتها التصميمية الانيقة..
لقد وصفت مرة تجربة قد تكون مختلفة عن تجربة ولاء بلال ولكني ارى وجود قاسم مشترك بينهما، انها تجربة ارسامة الجورجية روسودان خيزانيشفيلي التي كانت رؤيتها لجوهر العمل الفني موضع اختبار عملي، عندما لم تشكل المشخصات المستلة من الواقع ومن الحكايات الشعبية التي تشكل سردياتها ليس اكثر من هامش على جوهر اللوحة الماديوظائف سردية تضعف التجربة وقد تسلب اللوحة قوتها التعبيرية وسرّيّة بنائها الداخلي .. فقد نجحت روسودان خيزانيشفيلي بجعل المشخصات صلة بصرية مع الواقع، او ربما حيلة، او مناسبة للرسم، او سمها ما شئت؛ فمن خلال مشخّصات كانت تحاول مقاومة ذوبانها التجريدي لتكتفي في النهاية بأن تتراءى مشخصاتها شبحا بين طبقات الألوان المتراكبة؛ فظلّ شكلها المشخّص كامنا في اشد الأعمال تجريدية، وبقي المتلقي يشعر بروح المشخصات كامنة في اشد الأعمال تجريدا في تجربة هذه الرسامة الشابة التي شاركت قبل مدة، وضمن العديد من الرسامين، في سمنار أقيم في مصر وشارك فيه من العراق الرسام هاشم حنون المقيم في كندا، بينما كانت ولاء بلال تعامل مشخصات (معالم) مدينتها الاسكندرية ذات المعاملة فلم تشكل تلك الصور الفوتوغرافية الا مولدا للصور ومناسبة للرسم دونما سرديات تهيمن على التجربة وتحولها الى تواصل نثري..

السبت، 20 فبراير، 2016

ستبقى أخي شاكر رزيج حيا في ذاكرتي
حين نعى اتحاد الشطرنج العراقي الشطرنجي والكاتب والرسام العراقي شاكر رزيج، أحسست ان كل قناعاتنا (الراسخة) بالحياة هي محض وهم ليس إلا، وان القوانين المجحفة للموت لا تدع مجالا للشك بأنها ليست عادلة تماما فهي تطال، دونما مبررات، و حتى دونما مقدمات ، من لا يستحق الموت ، فقد كانت حساباتي ان (أبا صفاء)، الدافق بالحياة، بعيد إلى درجة كافية او مأمونة من الموت، فهو مازال ينتج الثقافة ويتواصل بالكتابة ويتابع نتاجات أدباء على مساحة مكانية وزمانية واسعة، (وبذلك) فقد كان عندي بعيدا عن الموت مسافة ، فذلك الدفق والفعالية كانت برأيي حصانة كافية له ضد أحكام الموت الجائرة.
فقد كان ذا مواهب متعددة رغم تقدمه بالعمر: فقد كان شطرنجيا متعدد الاهتمامات، ورساما ذا أسلوب متفرد، وكاتبا يتابع آخر نتاجات الأدباء والقصاصين والرسامين، ويكتب عنها في الصحف العراقية والمواقع الالكترونية، فكان في ذلك ذا أسلوب نقدي يتابع دقائق نتاجات المبدعين بمسؤولية وحرص، وكان يدافع عن كتاباته وعن مسؤوليته في الحفاظ على مستوى لائق يحفظ الكتابة من الهبوط او التعالي على المتلقي.
كان دائما يؤملني انه سيرتب أمر استضافتي لألقي محاضرة عن الفن التشكيلي في السماوة وكنت امني النفس في ذلك ولكن لم يدر في فكري انه سيدعوني بهذه العجالة لأحضر وداعه الأخير واكتب (آخر) الكلمات عنه، وهي كلمات بدت شحيحة هذه اللحظة من هول صدمتي بوفاته.
تذكر أخي شاكر إننا كنا متحيرين من منا سيكتب نعي الآخر واني أراك الآن تنصلت من ذلك وألقيت ذلك على كاهلي، وأنا لا أجد نفسي كفوا لذلك؛ وكما كتب ماركيز حينما صار قريبا من الموت “البشر مخطئون لو ظنوا أنهم يتوقفون عن الحب عندما يتقدمون في السن، في حين أنهم في الحقيقة لا يتقدمون في السن إلا عندما يتوقفون عن الحب” اثبت أخي شاكران البشر لا يتوقفون عن الكتابة حينما يموتون فهذه نصوصك ستبقى تقول ما أردت لها ان تقول، اثبت ان الناس يموتون فقط عندما يتوقفون عن الكتابة وهم أحياء…
آه يا شاكر….
“لو كنت أعرف أن هذه هي المرة الأخيرة التي أراك فيها تخرج من الباب لكنت احتضنتك ، وقبلتك ، ثم كنت أناديك لكي احتضنك وأقبلك مرة أخرى.
لو كنت أعرف أن هذه هي آخر مرة أسمع فيها صوتك لكنت سجلت كل كلمة من كلماتك لكي أعيد سماعها إلى الأبد .
لو كنت أعرف أن هذه هي آخر اللحظات التي أراك فيها لقلت لك ‘أنني أحبك’ دون أن أفترض بغباء أنك تعرف هذا فعلاً ..”
لكنك ستبقى أخي شاكر رزيج حيا في ذاكرتي،
ويقينا ستبقى كذلك في أذهان الكثيرين من محبيك،
ستبقى حيا في ذاكرتي ما حييت…

الرسام صدر الدين أمين يؤسس تجربته من تواشج بساطات ثلاث: شكلية ومادية وتقنية



نسق فني (خارج ثقافي the outsider art)
مثلما اجمع النقاد عندنا على ان (التعبير عن الروح المحلية) او الفولكلور العراقي هو جوهر تجربة الرسام فيصل لعيبي، لم يكن صدر الدين أمين، الفنان العراقي المغترب ليخرج كذلك عن توصيف اجمع غالبية النقاد عليه، حينما كانوا يصفونه بأنه فنان بدائي، لكن ما يثير الغرابة حقا أنهم لم يكونوا يكترثون إلى أهمية تبرير حكمهم، فلم يعرض اغلبهم أسباب مسلّمتهم هذه، وكان ذلك راجع على الأغلب بسبب ما يرونه من درجة الهوس التي كان يبديها الرسام صدر الدين أمين بالمحيط، والبيئة، وموجوداتهما من الكائنات التي يتخذها وسيلة بصرية بهدف الكشف عن المعطيات الجمالية الكامنة في ثنايا الكيان المحيطي
بصفته موضوعه الأثير وربما الوحيد، بينما تشكل لقى ذلك المحيط بوابة الفنان إليه، وهي بوابة ذات اتجاه نسغي ارتدادي، يبدأ من ذات الفنان نحو لقى المحيط، ويعود إليها؛ مما يؤكد اعتبار تجربته واحدة من التجارب التعبيرية ــ التجريدية العراقية التي تستلهم المحيط، وتحاول أن تَسِمَ ما تضمه من لقى المحيط بالقناعات الشكلية التي يؤمن الرسام صدر الدين أمين بها، والتي يبني وفقها منظومته الشكلية، ففي الوقت الذي آمنت فيه أعداد غفيرة من الرسامين العراقيين ان موضوع اشتغالها مستحثات الجدران العتيقة، فاتجهوا إلى تلك الجدران يستقرئون مستحثاتها الشكلية في السطوح التي يستنطقونها، ويجرون بحوثهم الأركولوجية عليها؛ لاكتشاف كوامنها الإشارية والعلاماتية، ومعالجة نسيجها، وإجراء تجاربهم عليها، باعتبارها مقطعا عرضيا، او شريحة نسيجية تحمل واقع الحياة الإنسانية في اصغر تفصيلاتها، من خلال اكتشاف مخلفاتها التي تشكل أثرا لمرور إنساني ترك إشارته على سطح المحيط: كتاباتٍ وآثاراً وحزوزا، ولكن صدر الدين أمين لم يرغب في تتبع آثار أولئك الرسامين وسواهم، فاتجه متجها داخليا حينما بدا يملأ سطح لوحته بكل ما حملت ذاكرته من كائنات عايشها طويلا؛ فاندغمت؛ وصارت جزءا من وعيه بالشكل في تداخله مع الطبيعة؛ فظهرت لوحته وهي تضم حشدا خليطا من البشر الذين يرتدي بعضهم أقنعة، ويضع بعضهم قروناً كما كان القدماء يرسمون السحرة على شكل شامانات، او حيوانات خرافية تمتزج أشكالها بحشود لا حصر لتنوعها من: اسماك، وقطط، وثعابين، وسلاحف، وطيور، و أقمار، ونجوم، وشموس، ونباتات، وزواحف، وأشجار، وورود في كرنفالات تشترك فيها كل هذه الجموع، لتمثل هذه الحكايات والأساطير معينا أساسيا في تشكيل البنية الثقافية المستمدة من الميثولوجيا الشعبية لمناطق الغابات الجبلية في العراق والتي أعاد صدر الدين أمين صياغتها من خلال فن عالي التقنية والصياغة البنائية.
كانت موضوعاته مليئة بالتماعات البراءة وسلطتها على الأشياء، غير عابئة بردود الفعل حول مدى التوافق بين تصوراتها وبين حقيقية تلك الأشياء، فمهما تكون الفكرة (ساذجة) بمعنى فطرية، او بمعنى أدق ان تكون خارج النسق الفكري (الحضاري) المهيمن؛ فإنها تشكل جوهرا رفيعا وحرا للمخيلة، نعده من مكملات الوعي (العقلاني).
فكانت الحكايات والخرافات والمعجزات والسحر تعبيرا عن حلم الإنسان وعن هدفه العظيم وكانت تلك الفنون (الخارج ثقافية) ” نمطا من الجمال النابع من السجية التي لم تشوهها الأحداث والنظريات وتقنيات الثقافة فتدثرت بدثار البساطة والعمق” فكانت هذه التجارب الفطرية متجاوزة لكل القيم المقبولة والمحظورة معا فيما يخص القواعد التي تموضع عليها الفن الرسمي المنتمي إلى قيم الثقافة؛ فكانت تسحر بموادها وتقنياتها وأشكالها المتجاوزة، وكانت فنونا تضرب بجذورها في عمق اللاوعي الجمعي البشري والفنون ( البدائية) والشعبية وفنون الأطفال والمرضى العقليين وقبلها فن الكهوف وفن الأقوام (غير المتحضرة) وهي كلها تستمد قيمها من البساطة الشكلية والمادية والتقنية في (نسق قيمي) تحتل فيه هذه البساطات الثلاث المرتكز الأساس من خلال تواشجها مع بعضها دونما انفكاك، ودونما قواعد مفروضة خارج هذه البساطات الشيئية.
يبدو ان قناعة صدر الدين أمين كانت تتجه في منجزه الأخير نحو تكريس إشارات المحيط باعتبارها أيقونات، على تنوعاتها الشكلية ومكونات أساسية في بناء العمل الفني؛ لأنه لم يكن يهدف إلى استضافة (المرجع) ليستنسخه بأية درجة كانت من التفاصيل على سطح اللوحة؛ فنسخ الشكل لم يكن من أهدافه بل “ترجمة الإدراك فنياً، أي تدمير المحيط نفسه لصالح ولادته الجديدة على سطوح التصوير”، وهو وعي يضمن تحرر منجزه المتحقق من خلال تشفير وتحوير أشكال المرئيات، فهو بالمقابل يؤسس نظاما تحكمه قوانين اللوحة أكثر مما تحكمه قوانين الواقع، فلم يكن يكترث لأية مركزية شكلية؛ فهو لا يحاول ان يقنن تدفق الأشكال الذي ينهي أية فاعلية للقوانين الاقليدية للمكان، ورغم ان صدر الدين أمين كان ينشئ نصا دونما مركز إلا انه حينما يترك كائناته تسيح على سطح اللوحة دونما ضوابط كان يدرّع أشكالها (البسيطة) فكانت تحاول عزل نفسها شكليا لتتخذ شكل (خلايا) مغلفة بجدار سميك أسود مغلق يعزلها عن العالم الخارجي المليء بالكائنات الأخرى التي ربما كانت تتصف بالعدائية، وبقدرتها على التهام بعضها بعضاً دون وجود ذلك الجدار، ربما هو إجراء دفاعي من الرسام ذاته بهدف تحصين أشكاله وعزلها قيميا من خلال عزلها شكليا عن المحيط، خوف ضياعها في هذا الخضم الهائل من الأشكال السابحة على سطح اللوحة كما تسبح الحجيرات في سائل موضوع تحت المعاينة المجهرية، انه حقل مترامي الأطراف من أشكال مشخصة تؤكد نزوعها والأدق تؤكد نزوع الشكل نحو أزله العلاماتي، الأشد بساطة من الناحية الشكلية والذي يختزلها إلى نظام بعدي هو بشكل ما نظام أقل من بعدين، نظام يتجاوز الخط (كبعد واحد) ولكنه لا يصل إلي حالة التشكل فهو محاولة للعودة إلي الوجود الجيني للشكل أو (الوجود الحجيري) لشكل الكائنات فلا يعدو ان يكون شكل الطير هنا أكثر من شكل يشبه حرف (ي)، ولا تكون الشمس إلا دائرة يخرج منها الضوء بشكل خطوط قصيرة تستقر على محيطها وهكذا.
إن الانقطاع الواقع بين أشكال الرسام صدر الدين يجعلها تقصر فن الرسم على انطباعات بصرية مفردة، تحقق وحدة واندماجا يستحيل أن يحققها الأدب القادر على تحقيق تتابعات حكائية وبذلك ينتهي البعد الاستطرادي والبنية الخطية، فلا وجود لذلك النظام الأرسطوطاليسي في التتابع عند بناء اللوحة في هذه التجربة إنها بنية متشظية لا مركز لها حيث تتناثر الأشكال فيها لتملأ سطح الفراغ، ملونة ومحاطة بخط (حقيقي) سميك أسود، وكأننا أمام نص تعويذة تعود إلي أبجدية صورية غائرة في القدم، أمام نصوص لا يمكن فك معانيها لافتقارنا إلى معرفة قواعد أبجديتها، أو أمام صور رسمها عقل طفولي لم تلوثه الحضارة باكتشافاتها ومعارفها، فلم يزل يرسم بأسلوب (عين الطائر) حيث تظهر كل الموجودات معاً دون أن يحجب أي منها الآخر، وخلال منظور ذي بعدين تتخذ فيه الأشكال ما يرغبه الرسام او ما يفكر فيه لا ما يراه وهو الجوهر الذي بدأ به الرسم تاريخه وانتهى إليه.
تتواشج بنيتا اللون (=المادة)، والأشكال المنعزلة، والتقنيات المادية، في جوهر اللوحة التي يرسمها صدر الدين أمين، فرغم اتخاذ كل شكل وحدة قائمة بذاتها، إلا أن تواشجاً قد نشأ بينها وبين (السائل) الذي تسبح فيه وهو ما يمنحها وحدة شكلية نصية صورية دوّنها آلافٌ من البشر الذين مرّوا أمام كهف الرسام فسجلوا علاماتهم؛ وبذلك كانت أعمال الرسام مقاطع من جدران عشرات الكهوف الملونة بألوان زاهية ذات روح طفولية تلقي بظلالها على منجزه من الناحية التقنية أيضا.
يمتلك الفنان صدر الدين وعياً شكليا يمتلكه القليلون، وعيا جوهريا في تأسيس فهم فن الرسم على بنية (مكانية ــ صورية) أي طوبولوجية، وعيا بصريا جمع في ثنايا ذاكرته ذخيرة ضخمة من أشكال (عناصر) المحيط القابلة للاستيعاب، وتكوين الصورة وفق عملية انتقائية داخلية تخضع لعملية تحولية من الأسلبة الملازمة لكل حركات الفن باتجاه تكريس وجود الموضوعة الدالة التي تنطوي على الجوهر الشكلي الكامن في قلب الرؤية حيث ظل ذلك الجوهر كامنا رغم كل التحولات التي تبدو وكأنها ستنال من وجوده.
ان بساطة العناصر البنائية (العناصر الشيئية) للوحة صدر الدين أمين: الشكل والمادة والتقنية تذوب في (نسق قيمي)، هذه العناصر الثلاثة من خلال تواشجها مع بعضها دونما انفكاك، ودونما قواعد مفروضة خارج هذه البساطات الشيئية، تشكّل الطابع الأهم الذي يسم تجربة هذا الرسام بأنه رسام بدائي او فطري او برأينا فنان (خارج النسق الثقافي) لفن الرسم (the outsider art).

الأحد، 10 نوفمبر، 2013

فن الرسم العراقي

ملاحظات ومقاربات



خالد خضير الصالحي

العـــــراق – البصـرةKhkhiraq@gmail.com


1

تفتقر الكثير من الكتابات التي تندرج عندنا تحت مسمى النقد التشكيلي لفن الرسم إلى ما يؤكد مسمى النقد فيها، والأمر الأهم المفتقد برأينا هو المقاربة الأمثل التي يتم بها تلقّي فن الرسم، وهي المقاربة الشيئية او الملمسية او المادية، وان ابرز من نبه إلى هذه المقاربة، في الكتابات العربية على حد معرفتنا، الناقد التشكيلي العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد، ورغم ذلك فلا يمكن إنكار ان مقاربات التلقي لفن التصوير بمختلف أنماطه، تتفرع إلى نمطين رئيسيين هما: مقاربة تعنى بالموضوع المنجز، وتلك مقاربة تسود حينما تتراجع شيئية العمل الفني إلى مرتبة ثانوية من الفاعلية، وهو ما يحدث في تناول فن الفوتوغراف أكثر من اللوحة المرسومة حيث تتراجع شيئية الصورة الفوتوغرافية إلى مستويات متدنية مقارنة بمادية اللوحة الفنية التي تهيمن على بنية اللوحة وبالتالي مقاربات تناولها، وهي مقاربة ملمسية تعنى بالمادة وتقنيتها فقد "ذكر مؤرخ الفن اليوس ريغل ان احد أنواع الإجراءات الفنية الذي يتوافق مع نوع بعينه من أساليب المشاهدة ينبني على تفحص الأشياء وإمعان النظر في خطوطها الخارجية، وهذا المسار يطلق عليه ريغل البَصَري، أما النوع الآخر للرؤية الذي يركز على الأسطح ويشدد على قيمة الجوانب الداخلية للموضوع، فيطلق عليه ريغل اللمسي او الإدراكي haptical ... ففي مستوى الخلق الفني، تنتج النظرة البصرية – في حال انتماء العين للرسام – الخطية والزاوية في حين تعنى الخلاقية اللمسية او الإدراكية بالأسطح. ووفقا لصيغة ريغل، يمكن تجميع مجمل الأشكال الفنية تحت عنوان الخطوط الخارجية و، او، اللون في المستوى والحجم. العين البصرية تعمل ببساطة على مسح سطح الأشياء أما اللمسية او الإدراكية فتسبر الأغوار لتجد متعتها في النسيج الداخلي، في المنظور اللمسي، تغدو الرؤية شكلا من أشكال اللمس" (الثقافة الأجنبية العدد 4 السنة التاسعة والعشرون 2008).

2

في تناولي لأشكال الرسام العراقي المقيم في بنسلفانيا صدر الدين أمين تقفز إلى ذهني المقاربة الموضوعية، وهي مقاربة تعنى بمقارنة بين الأشكال في الطبيعة، والأشكال في فن الرسم كذلك، فقد كان صدر الدين امين ينتقل بيسر بين (أحواض) الأشكال ليشكل لنا من هذه المصادر المتعددة أشكالا فوضوية في بنائها الداخلي (تقلق) المتلقي وتجعله يقف متسائلا عن فحوى هذه الأشكال (= الكائنات)، فكان ذلك الرسام يعيد إلى ذهني دائما العودة إلى ما طرحه عالم الرياضيات (رينيه توم) في سعيه لشرح نظريته في (الكارثة الطوبولوجية)، يقول (رينيه توم) "بوسعنا ان نميز صنفين كبيرين من قولبة الأشكال غير الثابتة، كل واحد منهما يقع في احد طرفي الموشور المستمر: الصنف الأول: أشكال لا شكل لها بسبب بنائها الداخلي المعقد جدا، فهي أشكال فوضوية ولا تخضع بيسر للتحليل، أما الصنف الثاني فهي تلك الأشكال التي تشتمل على عدد من الأشياء التي يمكن التعرف عليها غير ان تكوينها يبدو تناقضيا او غير اعتيادي، مثال على ذلك الكيميرا chimera ، وهي كائن أنثوي خرافي في الميثولوجيا اليونانية لها رأس أسد وجسم شاة وذنب حية وتقذف من فمها نارا، وغيرها من الكائنات الغريبة, والأشكال غير الثابتة التي تنتمي إلى النمط الثاني هذا، وهي الأشكال المتفرعة التي تقع نقطتها التجسيدية على العتبة بين حوضين او أكثر من الجاذبية، وان ظهورها يتذبذب دائما بين الجاذبين المجاورين، وتأثير ذلك هو إقلاق المشاهد وإزعاجه، تلك التقنية التي يعرفها الرسامون السورياليون ويستغلونها" (ر. روجرز، الشعر والرسم، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 1990، ص134).

3

روى الرسام ضياء العزاوي في ملف أصدرته عن النحات والرسام الراحل إسماعيل فتاح الترك إحدى المجلات العربية، بان الرسام الراحل كاظم حيدر علق على المعرض الشهير الذي أقامه إسماعيل فتاح الترك عام 1965، بعد عودة الترك من الدراسة في روما، بأنه، أي كاظم حيدر، لو حبس في غرفة لليلة واحدة لأنجز معرضين مثل معرض الترك، ولم يوافق ضياء العزاوي وقتها على ما قاله كاظم حيدر واعْتبَرَ ذلك انتقاصا من قدرة الترك، إلا أنني، في موضوع نشرته عن الراحل الترك، نظرت إلى الموضوع من زاوية واتجاه آخر، ووجدت ان كاظم حيدر كان (محقا)، كما وجدت ذلك لم يخلّ بمكانة الترك ورفعة إبداعه، وان جوهر القضية لا يتعلق بموقف او رأي لكاظم حيدر بمكانة الترك، بل بمفهوم وفلسفة كاظم حيدر والترك بفن الرسم والمقاربة التي ينظر كل منهما عبرها إلى فن الرسم، وبذلك يختلفان جذريا في أسلوبهما المتناقض في بناء اللوحة، فلم تكن اللوحة عند كاظم حيدر بناءً شكليا فقط، بل ومخططا فكريا تهيمن فيه (الدلالة) وعلى وجه التحديد (التعبير عن الروح المحلية) الذي كان من الصعب على التشكيليين القفز فوقه في ظل هيمنة النقد الذي يروج لهذا الاتجاه وهيمنته على الكتابة في هذا الحقل وعلى المنجز التشكيلي العراقي برمته، وتشهد بذلك أعماله في معرض ملحمة الشهيد الذي أسميته مرة: "(آنسات أفنيون) الرسم العراقي"، باعتباره (العمل) الذي احدث اكبر تحول في الرسم العراقي الحديث، حينما افتتح (معرض الشهيد) عصر الستينيات بعد ان ختم نصب الحرية لجواد سليم، عصر الرسم العراقي الخمسيني، او شكل النهاية المنطقية لذلك العصر، فانتقل، في هذا المعرض، مركز الثقل إلى (السطح التصويري) باعتباره "أهم مستوى من مستويات الوجود الفني"، وحيث صارت الأولويات تنطلق من، وتعود إلى "إعادة تجريب إنتاج المرئي بصور مختلفة... والاهتمام بالمادة التي يٌنفّذ بها العمل بعفوية وتلقائية وجرأة" فكان الوعي الرؤيوي للستينيين هو (الوعي المتجاوز) ذلك الوعي الذي يحاول البدء من جديد في كل مرة من خلال وعي عال بمعالجة المادة باعتبارها " رؤية بحد ذاتها ".
لقد كانت نظرة كاظم حيدر للوحة، باعتبارها بناء فكريا يستغرق وقتا طويلا للانتهاء منها، وهي نظرة تنتمي إلى كلاسيكيات فن الرسم رغم أشكاله الحداثية، وتنتمي إلى (حكائيات) روبنز وانجيلو ودافنشي، وكل اللوحات (القصصية) التي كانت تستلهم القصص المقدس، بينما تنتمي رسوم الترك إلى فهم مختلف تماما، فمثلما لم تولد لوحات فرنسيس بيكون وجاكسن بوللوك "من ساعات طويلة من التفكير في موضوع، ولا رسمت من نقاش، بل كانت تنمو من تلقاء نفسها، من صنيع من الرسم، او ربما من انفعالات العقل اللاواعي" كما قالت لليان فريدكود، فان الترك كان يعتبر اللوحة تجربة متيريالية (شيئية)، او مناسبة لاختبار المادة، ولم تكن لوحاته، لفرط إخلاصها لشيئيتها، بحاجة إلى عنوانات مثلا، فكانت عنواناتها لا تعدو ان تكون إشارات لتمييزها عن بعضها كعنوانات جاكسون بوللوك للوحاته حينما كان لا يكلف نفسه مشقة تلفيق عنوان مناسب لكل لوحة فيكتفي بترقيمها، وهو فهم دشن عصرا جديدا في الرسم العراقي هو جيل الستينات، وبذلك فقد شكّل الترك وعدد من مجايليه: ضياء العزاوي، ورافع الناصري، وصالح الجميعي، ومحمد مهر الدين، وعلي طالب، والــ(ـخمـسـ)(ـسـتـ)ــيني شاكر حسن آل سعيد، شكّلوا الوجه الآخر من العملة التي شكل فيها كاظم حيدر وجواد سليم وجهها الأول، وبذلك لم يكن كاظم حيدر وإسماعيل فتاح الترك إلا وجهين لعملة واحدة هي المخاض الستيني الذي انقض على قداسة الأشكال الخمسينية فيه كاظم حيدر بينما أسس الترك و(مجموعته) الطليعية (الرؤيا الجديدة والمجددين) فهما جديدا للوحة باعتبارها مغامرة متيريالية، او واقعة شيئية، لذلك كان الترك، مثله في ذلك مثل فرانسيس بيكون الذي لا يستغرق كثيرا في التفكير بموضوع اللوحة، فيكفيه ان يغمس فرشاته باللون، ويضعها على سطح اللوحة ليظهر وجه الشاخص الذي كان يظهر ويعاود الظهور في كل مرة بمظهر وقناع جديد.

الجمعة، 19 أبريل، 2013

الرسام سليمان علي ... الرسم والروحُ الكوردية



معرض (تحولات الفصول) في كاليري دهوك
  

الرسام سليمان علي
الرسم والروحُ الكوردية

                                                                     خالد خضير الصالحي



ان أولى الأفكار التي راودتني وانا أتنقل ببصري بين أعمال الرسام سليمان علي في معرضه (تحوّلات الفصول)، الذي اقيم في كاليري دهوك، كيف تمكّن هذا الرسام من التعبير عن روح الشعب الكوردي دون الحاجة إلى السرديات والايديولوجيا والمشخّص اللصيق بهما غالبا، وهو ذات التساؤل الذي يواجهني كلما قرأت أشعار شيركو بيكه س وعبد الله كوران وشاهدت اعمال اسماعيل خياط، كيف تمكّن هؤلاء من التعبير عن الروح الكوردية، بابسط الوسائل، ودونما أيديولوجيات نثرية تشكل خطرا على (شعريّة) المنجز ايا كانت طبيعته، وقد اعتبرت ذلك سؤالا جوهريا، واقتنعت أن الإجابة عليه تتلخص في أنهم استطاعوا تحويل الواقع المعيش، والثقافة، والمطامح، والطبيعة الكردية إلى مادة (نصّ) ممتلئة بالجمالية وبالشعرية.. وهو ما تمكّن من تحقيقه عدد من رسامي دهوك: عبد الرحمن كلحو، ستار علي، سيروان شاكر، سيروان باران، وكان احدهم سليمان علي الذي توغّـل في هذا الامر مسافةً لا بأس بها من النجاح؛ فكان سليمان علي واحدا ممن استطاعوا تشكيل (متحف بصريّ) من خلال تحويل كلّ شيءٍ يواجهه في الحياة الكوردية إلى لونٍ ينتمي إلى جوهر فعالية الرسم، بينما لم تكن للموضوع السرديّ عند رسامي دهوك اهميته التي تلمسناها عند غيرهم من الرسامين الكورد الآخرين.. لقد شعر ستار علي بسطوة اللون الضخمة في الثقافة الكردية، وأيقن ان المادة ومن ضمنها اللون هي المركز الذي تدور حوله أفلاكُ الرسم الكوردي، وان هيمنة السرديات على الرسم لا تَعِدُ بشيء، فاتجه بكل جهده إلى إعادة تأسيس تجربته اعتمادا على تفجير الطاقة التعبيرية للون فعاد إلى أحضانه عودةً تذكّر بعودة الانطباعيين في أواخر القرن التاسع عشر؛ فكان توجهه ان يحاول رسم خارطة جينية لفن (الرسم باللون) الذي سبق وتحوّل عند ادوارد مونيه في نهايات أيامه من تمثيل المشخصات إلى تجارب لون خالص تنطوي على روح ذلك المشخص بعد تحولات ضخمة، فاختفت معالم المشخّصات، والمدن، وشرفات البيوت، والقرى، والدبكات، والملابس، والجبال عند سليمان علي في مائياته ومن ثم في زيتياته؛ كما اختفت عند رسامي هذا النسق من مدينة دهوك، لتحل محلها بقعٌ لونية تحمل روحَ تلك المشخـّصات، والقرى، وشرفات البيوت، لتتبقى أرواحها الخليقية كما يسميها ال سعيد تحومُ وقد تخلت عن أشكالها (= قشرتها الخارجية) وارتدت دثار اللون.. وهو ما سبق للرسم العالمي ان مر به من خلال تحولين مهمين هما: التحولات الشكلية التي كان ثور بيكاسو وشجرة موندريان الشهيران نموذجيها الأكثر أهمية، بينما كانت تحولات مونيه اللونية الى اللمفيات تأسيسا لخارطة جينية أخرى مكملة في الرسم العالمي؛ وهو ما اتجه إليه سليمان علي ومجايلوه من الرسامين الكورد، ومن خلال اللون التقليدي: الزيت والاكريليك كمادة رئيسة.. فقد ادار سليمان علي ظهره لأشكال المشخصات بتصميم وإصرار وقناعة، ترسّخت لدى اخرين من نخبة رسامي مدينة دهوك في كردستان العراق.. فتحولت لوحته شيئا فشيئا إلى حشد من بقع الألوان التي لا تحيل إلى شيء من أشكال الواقع وبالتالي فقد انطوت هذه البقع اللونية على نفسها كدلالات، واكتفت بنفسها كطاقة جمالية دونما أسانيد خارج بصرية، لقد ووجد هذا الرسام نفسه مدفوعا بذات الرغبة التي تملكت مونيه، وهو يرسم ويعيد رسم الزهور المائية في البحيرة المواجهة لداره، فاستغرق في الرسم دهرا يعيد رسم المشهد ذاته في كل الفصول: لوحة بعد أخرى، ليكون الناتج بقعا تنكرت لمرجعياتها الشكلية واكتفت بوجودها الشيئي.. 

****


رغم التوجه (البعيد) عن التشخيص الذي انتهى إليه سليمان علي فقد شكّلت الطبيعةُ (اللغةَ المرئيةَ) حسب (جو كينيث سوارز) المرجعَ المهيمنَ بروحها الخفية التي تطلّ خلف كل ضربة أو خفقة سرّية لبقعة لون؛ فبينما يهيمن اللونُ الأسود على روح الشتاء الميتة؛ وتنطفئ الألوانُ، وتتحول اللوحة من الانشغال بـ(الرسم باللون) حيث تُرسمُ اللوحةُ بروح اللونِ وطاقتِهِ التعبيرية؛ تظهر روحُ الطبيعة حية من خلال باليتة ملونة ثرية يؤثثها الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر، فتنتقل روح الفصول بسلاسة غير معهودة؛ لتظهر تحولاتها من خلال بقع اللون والاختيارات الدقيقة لها، وحينا تتحول أجواء اللوحة إلى الرسم بالأسود والأبيض (الكونتراست) حيث انطفاء اللون وانطفاء الحياة معه..

****


مثلما يضيف العديد من الرسامين اللون الأبيض بعد الانتهاء من عمله بهدف خلق انزياح شعري مطلوب في اللوحة كان سليمان علي يفعل الأمر ذاته في تجربته التي اطلعت عليها بالألوان المائية إلا أنّ ذلك البياض سرعان ما بدأ بالتشظّي على مساحة اللوحة في أعماله بالألوان الزيتية والاكريليك إلى نثار كآثار حب الشباب على وجه جميل..