الفنان
الرسام أسامة حمدي في معرضه (أخاديد)
تحديدُ خصائصَ الماثلِ بخصائصِ الغائب
خالد
خضير الصالحي
أقام الفنان الرسام أسامة حمدي معرضا للرسم عنوانه (أخاديد) في كاليري حامد سعيد (حزيران 2026)، وقدم فيه تسعة أعمال بعضها من الأحجام الكبيرة، ويبدو أسامة حمدي هنا، مخالفا لقاعدة آمن بها كثيرون، وهي أن يُمَثََّل الغائبُ- سواء كان بصريا أو تأويليا- بما هو ماثلٌ؛ لكنّ أسامة حمدي يقدم محاولة مناقضة وكأنه يحاول تحديد خصائص الماثل بخصائص الغائب، فيسوق حشود علاماته التي تُؤْثِر تقديمَ غيابها لينوب عن حضورها؛ لذلك يمكن تلخيص اهم آلياته في "محاولة تقديم الجزيء من الكائن ليمثل الوجود الكلي للكائن"، وهو في ذلك، يترسم خطى ابرز من فعل ذلك من النحاتين حين قدموا الجزء لينوب عن الكل، ومن ابرز هؤلاء النحاتين (ايف تانجي)، وبدرجة ما (هنري مور)، وهو ما فعله في الرسم، كاندينسكي في تجريدياته الأولى التي كانت ليست إلا تقليليات لعناصر الواقع، وقد خضعت لمؤثرات تقنية بهدف تفجير طاقتها التعبيرية، بمعنى أنها كانت حركة عامة لتجريد الواقع كله الى اقل عناصره الممكنة، وكل عنصر يمثَّل بجزيء منه، وربما الجزيء الأهم تحديدا، وهو ما اعتبره تطبيقا إبداعيا آخر لما قاله بيكاسو؛ بأن لا تجريد في الرسم فحينما يبدا الفنان بلوحة تجريدية فانه يبدا بمشخصات الواقع؛ ثم يبدا بتجريدها؛ وحتى اذا انتهى الشبه بين هذه الأشكال وبين عناصر الواقع، فان روح الواقع تبقى ماثلة في العمل الفني، تنشر في كل أوصال اللوحة وجوده الكامن، وهذا ما أسميته (قانون بيكاسو)، واعتبر هذا المعرض لأسامة حمدي، تطويرا يستند لا على التجريد، إنما على (تقليل) المشخص (الواقع) الى اقل جزيء يحتفظ بكيانه ليبقي خصائص المشخّص ماثلة، فاستراتيجية أسامة حمدي ببساطة اقتطاع جزء ليتخذ ممثلا عن الكل الذي هو الكائن البشري الإنسان، بوجوده الغائم وغير المحدد.
لو
كنت حاضرا في الجلسة التي عقدت حول المعرض يوم افتتاحه، وجرت في كاليري حامد سعيد،
لتساءلت عن (المعاني) الوجودية لتفاحات سيزان!، الم تكن تلك التفاحات وسيلة لخفض
الموضوع الى ادنى مستوياته، وهو ما تفعله رسوم الأيدي التي قدمها أسامة حمدي، وهي
تقترح أشكال إيماءاتها، أو حركاتها العادية التي تقع سهوا في كل لحظة في اليوم؛
فأي حقيقة تلك التي كان ينشدها سيزان حينما كتب الى أميل برنار " ادين
بالحقيقة في الفن لكم" رغم أن سيزان اكثر الرسامين تنكرا للموضوع، فكان يخفضه
الى درجة تجعله ليس سوى تعلة أو مطية للتعبير عن شيء آخر ومعنى ذلك انه كان ينشد
حقيقة تقع خارج الموضوعات والمقاربات التأويلية التي تطالها والسرديات المتولدة
عنها، وان تلك الحقيقة تقع في فن الرسمي باعتباره واقعة مادية، فلم تكن الموضوعات
أكثر من مناسبة للرسم، ولم يكن مانيه بحاجة الى رسم الزهور، وليس سيزان بحاجة الى
رسم التفاحات، إنما كانت كل تلك الأشكال، ومنها أيدي أسامة حمدي ليست إلا مناسبة لتمثيل
الضوء، عبر اللون، على اللوحة، وأنها جزء من محاولة تخفيض الموضوع الى الاهتمامات اليومية
التي هي ليست غاية إنما أداة لما هو ابعد واعمق واعصى وهي خلق (سطح تصويري) تنطبق
عليه الاشتراطات الجوهرية للسطح التصويري الذي ينتمي للفن.
كان
الانشغال (النقدي) بدلالات الأيدي انزلاقا نحو النثري الذي يقع خارج البصري، ولا
يمكن التعويل عليه في تقييم التجربة الفنية، وان ما أعاده معرض أسامة حمدي (أخاديد)
الى أولويات الكتابة عن المعرض هو سؤال مهم: هل كانت تفاحات سيزان معضلة وجودية في
كونها تفاحات، أم أنها كانت مناسبة لاختبار وسائل تعبير مختلفة عبر أشكال التفاحات،
فليس الموضوع إلا تعلة أو مطية للتعبير وهي فكرية طرحها أيضا عبد العالي معزوز في
كتابه (فلسفة الصورة).
اعتقد
أن رسامي الواقعية البصْريين، ومنهم مثلا: أسامة حمدي وأيضا حسن فالح، وقبلهما
جاسم الفضل، وقبلهم جميعا صلاح جياد وفيصل لعيبي، هم الأكثر عرضة لان يضيقوا ذرعا
من تقليد أشكال الواقع فيصلون الى ما يسميه الشطرنجيون الطريق المسدود (Zugzwang)، وهو مفهوم شطرجي باللغة الألمانية يصور
حالة يتعذر فيها التقدم الى الأمام، كما لا يمكن فيها قانونا البقاء في الوضع
الراهن، وهو وضع مستنفد في الفن الاكاديمي الذي يكتفي بتمثيل مشخصات الواقع، وعلى
الرسامين البحث عن درجة من الانزياح المسريل الطفيف الناتجة عن تجزئة الجسد
والاكتفاء بالجزء الذي ينوب عن الكل.
قد
توحي اليدان شتى الذكريات والارتباطات مع الواقع فتذكرنا يدا فائق حسن اللتان
نحتهما جواد سليم بالرسام فائق حسن، وتلكما اليدان اللتان نحتهما رودان، ولكنها في
النهاية ليست إلا مناسبة لاختبار مهارة الفنان في الهيمنة على مادته.
قد
يحق لنا اعتبار التجربة الفنية لأسامة حمدي إعادة ناجحة واستكمالا نأمل أن يكون أكثر
ثراء لتجربة الرسام العراقي صلاح جياد.. باعتبار أن كلا التجربتين تتوفران على إمكانية
تقنية مهمة حيث استطاع هؤلاء الفنانون إحكام قبضتهم على المادة اللونية التقليدية
(الوان زيتية واكريليك) بطريقة استثنائية.
غالبا
ما لا يحكم إطارُ لوحة أسامة حمدي حدودَها الجعرافيةَ؛ فاللوحة (تنتهي) قبل وصول عناصرها
المكونة الى حافتها، فيفقد الاطار عنده اهم وظائفه الكلاسيكية في تحديد جغرافية
عناصر اللوحة، وفصل خارجها عن داخلها.
%20-%20Copy.jpg)



.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق