الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

 

الفنان الرسام أسامة حمدي في معرضه (أخاديد)


 


تحديدُ خصائصَ الماثلِ بخصائصِ الغائب

 


خالد خضير الصالحي

أقام الفنان الرسام أسامة حمدي معرضا للرسم عنوانه (أخاديد) في كاليري حامد سعيد (حزيران 2026)، وقدم فيه تسعة أعمال بعضها من الأحجام الكبيرة، ويبدو أسامة حمدي هنا، مخالفا لقاعدة آمن بها كثيرون، وهي أن يُمَثََّل الغائبُ- سواء كان بصريا أو تأويليا- بما هو ماثلٌ؛ لكنّ أسامة حمدي يقدم محاولة مناقضة وكأنه يحاول تحديد خصائص الماثل بخصائص الغائب، فيسوق حشود علاماته التي تُؤْثِر تقديمَ غيابها لينوب عن حضورها؛ لذلك يمكن تلخيص اهم آلياته في "محاولة تقديم الجزيء من الكائن ليمثل الوجود الكلي للكائن"، وهو في ذلك، يترسم خطى ابرز من فعل ذلك من النحاتين حين قدموا الجزء لينوب عن الكل، ومن ابرز هؤلاء النحاتين (ايف تانجي)، وبدرجة ما (هنري مور)، وهو ما فعله في الرسم، كاندينسكي في تجريدياته الأولى التي كانت ليست إلا تقليليات لعناصر الواقع، وقد خضعت لمؤثرات تقنية بهدف تفجير طاقتها التعبيرية، بمعنى أنها كانت حركة عامة لتجريد الواقع كله الى اقل عناصره الممكنة، وكل عنصر يمثَّل بجزيء منه، وربما الجزيء الأهم تحديدا، وهو ما اعتبره تطبيقا إبداعيا آخر لما قاله بيكاسو؛ بأن لا تجريد في الرسم فحينما يبدا الفنان بلوحة تجريدية فانه يبدا بمشخصات الواقع؛ ثم يبدا بتجريدها؛ وحتى اذا انتهى الشبه بين هذه الأشكال وبين عناصر الواقع، فان روح الواقع تبقى ماثلة في العمل الفني، تنشر في كل أوصال اللوحة وجوده الكامن، وهذا ما أسميته (قانون بيكاسو)، واعتبر هذا المعرض لأسامة حمدي، تطويرا يستند لا على التجريد، إنما على (تقليل) المشخص (الواقع) الى اقل جزيء يحتفظ بكيانه ليبقي خصائص المشخّص ماثلة، فاستراتيجية أسامة حمدي ببساطة اقتطاع جزء ليتخذ ممثلا عن الكل الذي هو الكائن البشري الإنسان، بوجوده الغائم وغير المحدد.

لو كنت حاضرا في الجلسة التي عقدت حول المعرض يوم افتتاحه، وجرت في كاليري حامد سعيد، لتساءلت عن (المعاني) الوجودية لتفاحات سيزان!، الم تكن تلك التفاحات وسيلة لخفض الموضوع الى ادنى مستوياته، وهو ما تفعله رسوم الأيدي التي قدمها أسامة حمدي، وهي تقترح أشكال إيماءاتها، أو حركاتها العادية التي تقع سهوا في كل لحظة في اليوم؛ فأي حقيقة تلك التي كان ينشدها سيزان حينما كتب الى أميل برنار " ادين بالحقيقة في الفن لكم" رغم أن سيزان اكثر الرسامين تنكرا للموضوع، فكان يخفضه الى درجة تجعله ليس سوى تعلة أو مطية للتعبير عن شيء آخر ومعنى ذلك انه كان ينشد حقيقة تقع خارج الموضوعات والمقاربات التأويلية التي تطالها والسرديات المتولدة عنها، وان تلك الحقيقة تقع في فن الرسمي باعتباره واقعة مادية، فلم تكن الموضوعات أكثر من مناسبة للرسم، ولم يكن مانيه بحاجة الى رسم الزهور، وليس سيزان بحاجة الى رسم التفاحات، إنما كانت كل تلك الأشكال، ومنها أيدي أسامة حمدي ليست إلا مناسبة لتمثيل الضوء، عبر اللون، على اللوحة، وأنها جزء من محاولة تخفيض الموضوع الى الاهتمامات اليومية التي هي ليست غاية إنما أداة لما هو ابعد واعمق واعصى وهي خلق (سطح تصويري) تنطبق عليه الاشتراطات الجوهرية للسطح التصويري الذي ينتمي للفن.

كان الانشغال (النقدي) بدلالات الأيدي انزلاقا نحو النثري الذي يقع خارج البصري، ولا يمكن التعويل عليه في تقييم التجربة الفنية، وان ما أعاده معرض أسامة حمدي (أخاديد) الى أولويات الكتابة عن المعرض هو سؤال مهم: هل كانت تفاحات سيزان معضلة وجودية في كونها تفاحات، أم أنها كانت مناسبة لاختبار وسائل تعبير مختلفة عبر أشكال التفاحات، فليس الموضوع إلا تعلة أو مطية للتعبير وهي فكرية طرحها أيضا عبد العالي معزوز في كتابه (فلسفة الصورة).

اعتقد أن رسامي الواقعية البصْريين، ومنهم مثلا: أسامة حمدي وأيضا حسن فالح، وقبلهما جاسم الفضل، وقبلهم جميعا صلاح جياد وفيصل لعيبي، هم الأكثر عرضة لان يضيقوا ذرعا من تقليد أشكال الواقع فيصلون الى ما يسميه الشطرنجيون الطريق المسدود (Zugzwang)، وهو مفهوم شطرجي باللغة الألمانية يصور حالة يتعذر فيها التقدم الى الأمام، كما لا يمكن فيها قانونا البقاء في الوضع الراهن، وهو وضع مستنفد في الفن الاكاديمي الذي يكتفي بتمثيل مشخصات الواقع، وعلى الرسامين البحث عن درجة من الانزياح المسريل الطفيف الناتجة عن تجزئة الجسد والاكتفاء بالجزء الذي ينوب عن الكل.

قد توحي اليدان شتى الذكريات والارتباطات مع الواقع فتذكرنا يدا فائق حسن اللتان نحتهما جواد سليم بالرسام فائق حسن، وتلكما اليدان اللتان نحتهما رودان، ولكنها في النهاية ليست إلا مناسبة لاختبار مهارة الفنان في الهيمنة على مادته.

قد يحق لنا اعتبار التجربة الفنية لأسامة حمدي إعادة ناجحة واستكمالا نأمل أن يكون أكثر ثراء لتجربة الرسام العراقي صلاح جياد.. باعتبار أن كلا التجربتين تتوفران على إمكانية تقنية مهمة حيث استطاع هؤلاء الفنانون إحكام قبضتهم على المادة اللونية التقليدية (الوان زيتية واكريليك) بطريقة استثنائية.

غالبا ما لا يحكم إطارُ لوحة أسامة حمدي حدودَها الجعرافيةَ؛ فاللوحة (تنتهي) قبل وصول عناصرها المكونة الى حافتها، فيفقد الاطار عنده اهم وظائفه الكلاسيكية في تحديد جغرافية عناصر اللوحة، وفصل خارجها عن داخلها.



























السبت، 23 مايو 2026

خالد خضير الصالحي (حوار): ليست هنالك سمات أسلوبية تميز الفن العراقي عن غيره

 

خالد خضير الصالحي: 




ليست هنالك سمات أسلوبية تميز الفن العراقي عن غيره


يرى أن الكتابات التي تعنى بسرديات العمل التشكيلي لا تنتمي الى النقد التشكيلي

نشر في صحيفة (المدى): العدد (6150) في 19 مايو, 2026

حاوره/ علاء المفرجي

يُعدّ خالد خضير واحداً من الأسماء البارزة في المشهد التشكيلي والثقافي العراقي، إذ جمع بين الممارسة الفنية والرؤية النقدية في مقاربة عميقة للفن العراقي المعاصر. عُرف بإسهاماته في قراءة التجارب التشكيلية العراقية وتحليل تحولات الخطاب البصري، فضلاً عن حضوره في المعارض والملتقيات الثقافية التي تناولت قضايا الفن والجمال والهوية. وتميّزت كتاباته النقدية بلغة تجمع بين الحس الجمالي والمعرفة الفكرية، مما جعله صوتاً مهماً في توثيق وتحليل تجارب الفنانين العراقيين عبر مراحل مختلفة. كما ارتبطت تجربته الفنية والنقدية بالسعي إلى إبراز خصوصية الفن العراقي، من خلال الانفتاح على الحداثة مع الحفاظ على الجذور الثقافية والتراثية. وقد أسهم عبر مقالاته ودراساته في إثراء الحوار التشكيلي العربي، مقدّماً رؤى نقدية تتناول العلاقة بين الفن والمجتمع والذاكرة والإنسان.

ماهي التأثيرات عليك في الطفولة والنشأة الأولى (قراءات، حيوات، أحداث) التي جعلتك تهتم بالفن؟

 

نعم، فنحن لا نعتبر النص التشكيلي نصا نقديا إلا اذا توفرت فيه (خصائص نصية محددة) أهمها أن ينصب الجهد فيه على مقاربة مادية العمل لا مقاربة قيم خارجية سردية وان كانت جمالية، وان لا تنتمي الى حقل تاريخ الفن، وتماما كما استبعد اليوت الكثير من (أنماط الشعر) عن الشعر باعتبار أن الميزان هو تحديد وظيفة الشعر من حيث كونه شعرا، فيتم استبعاد الكثير من الفعاليات اللغوية عن حقل الشعر، فالشعر المسرحي والشعر التعليمي والأدعية ذات الأغراض الدينية والملاحم والقصص عن الشعر، فعلاقتها به هي بوجود سمات شعرية فيها، فالمسرحية الشعرية لا تنتمي الى الشعر إنما تنتمي الى المسرح وتنتمي الفية بن مالك الى تعليم النحو العربي.

 

أول التأثيرات، التي شكلت وعينا الفني واهتماماتنا اللاحقة، كانت في متوسطة العشار التي درّسنا فيها أستاذنا الرسام سلمان البصري، والمسرحيان: جبار صبري العطية ومحمد وهيب، كما درّسنا اللغة العربية الشاعر عبد الكريم كاصد، ثم بدأت أولى القراءات الثقافية فكان أول كتاب فن قرأته هو كتاب (الفن والمجتمع) للناقد البريطاني هربرت ريد، وكتاب الناقد عباس الصراف عن النحات العراقي جواد سليم، وهما، إضافة الى مجلة (الف باء) الشهيرة، هو ما فتح لي باب الفن التشكيلي والكتابة التشكيلية، وبعد أن بدأت أولا بكتابة الشعر مع الشاعر كريم جخيور؛ ولكنني سرعان ما تخليت عن الشعر، واكتفيت بالرسم للصحافة وبالكتابة النقدية التشكيلية ونقد الشعر..

هل من صلة تراها أنت بين الشطرنج والفن؟

إنها صلة الأضداد! أو ربما الأدق المتكاملات! فنشاط الدماغ البشري يتميز بوجود فصين هما: الجزء الأيمن أو الأيسر من الدماغ، كل جزء من الدماغ يتحكم في أنواع مختلفة من التفكير لهذا هنالك أشخاص تُفضل وتبرَع في نوع مُعين من التفكير على الآخر. فالشخص البارع في استخدام الجزء الأيسر من الدماغ يتَميّز بالتفكير المنطقي والتحليلي والموضوعي، ويتميز الذي يستخدم الجزء الأيمن من الدماغ بأنه حدسي وعميق التفكير وغير موضوعي، فالنصف الأيمن من الدماغ هو الأفضل في المهام الإبداعية والتعبيرية، بعض القدرات المصحوبة بالتعبير عن المشاعر، والموسيقى، وفهم وإدراك المشاعر والألوان والصور والحدس وسرعة البديهة والإبداع، ويعتبر النصف الأيسر من الدماغ ماهرًا في: المنطق، واللغة والتفكير التحليلي، واللغة، والمنطق، والتفكير النقدي، والاستنتاج، وهاتان الفعاليتان: النمط المنطقي الرياضي، والنمط الإبداعي (creative)، لا يتناقضان بالضرورة، وهما يتكامل كل منهما مع الآخر، بل ويلتقيان لقاء حاجة بعضهما للآخر، في نقاط التقاء عديدة.. ونادرا ما يكون الأنسان فاعلا في كلا النمطين الإبداعيين، ومن هؤلاء مثلا الرسام الناقد والمنظر الفني شاكر حسن آل سعيد.. اعتقد إن ما لا أجده في الشطرنج أجده في الرسم وما لا أجده في الرسم أجده في الشطرنج وفي النقد، وهنالك نقاط التقاء مشتركة فحتى تكون الإبداعات الخلاقة في الشطرنج مقبولة عليها أن تكون معززة بأكبر قدر من المنطق والحسابات الدقيقة، وليكن الرسم الكلاسيكي مثلا مقبولا فعليه أن ينطوي على القوانين الصارمة للمنظور والكيميائيات اللونية، مثلا من الصعب تصنيف إن أعمال الخط العربي ضمن الآثار الفنية إن كانت تشذ عن القواعد التي اختطت عبر قرون عند أئمة الخطاطين.

كيف انعكست البيئة العراقية من أحداث سياسية وتاريخية واجتماعية بكل تحوّلاتها على تجربتك الفنية والنقدية؟

 

إن التعريف الذي تلمسه التشكيليون الأوائل لما أسميته جنابكم (أحداث سياسية وتاريخية واجتماعية) تلمسه هؤلاء الأوائل بما يعرف بـتعريف جامع مانع هو (الروح المحلية)، وقد جعله هؤلاء (خريطة) أو ربما (استراتيجا إبداعيا)، بل ملاذا تنظيريا مطمْئنا اختلق في طفولة الفن العراقي، وفي بدايات تشكّل الهوية في الدولة الوطنية العراقية بعد الاحتلال البريطاني للعراق بدايات القرن العشرين، بل قد أتطرف لأقول انهم جعلوه شرطا قبليا لا تتحقق صفة (الفنية) إلا بوجوده، وقد استمر تأثير هذه الرؤية للفن ردحا من الزمن حتى أنها في الستينيات، وحينما انحسر تأثيرها في النتاج الإبداعي، بقي تأثيرها التنظيري معششا عند فناني جيل الستينيات الذين كانوا يستنسخون طروحات الرواد في (التعبير عن الروح المحلية) في بيانات الجماعات الستينية، فخلق ذلك ما اسميته (شيزوفرينيا ثقافية) حيث تنتمي أعمالهم، صالح الجميعي ورافع الناصريمثلا، الى أجيال ما بعد الستينات، بينما تستل طروحاتهم من جيل الخمسينات!، ولم يتخل الفن العراقي عنها إلا في سبعينيات القرن الماضي حينما هجرها اهم متبنيها الفكريون: شاكر حسن ال سعيد، ووفاة جواد سليم الذي كان اهم الفنانين الذين تملكتهم هذه الطروحات قولا وفعلا، ويبدو أن ما يتحدث أستاذنا ماجد السامرائي في مقال مهم له، عن اهم خصائص جيل الستينيات التشكيلي ببُعدين رئيسين هما: التنوّع في الرؤية التجديدية والتي اعتبرها خصيصة تقنية بالدرجة الأساس، أما ما يسميه «خصائص عصرها من نواحيه الفنية والفكرية والاجتماعية ـ الثقافية… والتوتر في واقع تاريخي تجذّر وعي الفنان»، فانا اعتبره البقايا الفكرية التي تم توارثها عن جيل الرواد، يسميها السامرائي (الأساس التكويني)، وأضيف لنقاط التقاء الستينيين بالرواد إضافة للسببين الذين اكد عليهما السامرائي وهما: أولا، المؤسستان الرائدتان في تاريخ العراق الفني: معهد الفنون الجميلة (1936)، وأكاديمية الفنون الجميلة (1962)‘ وثانيا، «الجماعات الفنية» التي أسسوها، وأضيف لها نقطة احتكاك مهمة هي (البيانات الفنية) ومجمل المدونات اللغوية التي أنتجها الفن العرقي، وتحديدا اقصد منها هنا ما يخص جيل الرواد.

برأيك ما الذي يميز الفن التشكيلي العراقي عن بقية التجارب العربية برأيك؟

 

ليست هنالك سمات أسلوبية تميز الفن العراقي عن غيره، فلم تعد الأسلوبية الموحدة إلا (قالبية) جاهزة (stereotype)، فالأصل والاهم في النتاج الفني هو تحقيق درجة اكبر من التفرد، وان المشترك الأسلوبي الأهم براينا تسلل قيم الحداثة في الفن العراقي بشكل قوي مقارنة بالتجارب العربية الأخرى، فلم يعد يتعثر بطروحاته العتيقة وبدا بتقديم أعمال حداثية لم تعد بحاجة الى تبريرات وتلفيقات نظرية خارجة عن جوهر طبيعة الفن المادية..

كيف تنظر إلى دور الفنان العراقي في توثيق الذاكرة الوطنية؟

 

يمكن للفن التشكيلي أن يشفي، وان يُتاجر به، وان يُتخذ دعاية سياسية، ولكن بعد إنتاجه، أما أن يتم انتتاج الفن بهذه النيات فستُنتج أعمال قد يتبناها السياسيون وغيرهم لأهدافهم (غير الجمالية) أو (غير البصرية) ولكنها لا تنتمي الى الجوهر المادي الإبداعي للفن، فلا اعتقد أن بيكاسو كان يريد إنتاج إعلان سياسي بحمامته الشهيرة التي اتخذت رمزا للسلام من قبل ملايين من الناس، وان قيمتها كامنة في طريقة رسمها، وهو ما منحها ديمومتها حتى الآن، والأمر ينطبق حتى على لوحة الجورنيكا التي كانت نموذجا مهما وختاميا لمرحلة التكعيبية التحليلية في الرسم.

هل استطاع الفن العراقي أن يحافظ على هويته وسط التأثيرات العالمية الحديثة؟ إلى أي مدى يستطيع الفن أن يكون وسيلة مقاومة وحفاظ على الهوية؟

 

ينتج كل فن سمات أسلوبية شكلية مهمة تمكّن المتلقي من تمييز الفن الفرعوني عن الفن الإسلامي عن الفن الياباني عن الفن الأفريقي، ولكن هذه السمات لم تأت عبر إملاءات (خارج فنية) ومسبقة إنما كانت نتاجا طبيعيا نتج عن أجيال من المبدعين والمتلقين والحاجات الاجتماعية والبيئية وغيرها، ولكن هل تمكن الفن العراقي من تحقيق ذلك، لا اجد هذا الأمر متحققا، أما أن نطلب من الفن أن يكون (وسيلة مقاومة) للحفاظ على الهوية الوطنية فذلك امر أجده قسريا لأننا لا نعيش في جزيرة معزولة ومتقوقعة، واجده تعاملا مليئا بالتناقض مع الهوية بطريقة، فنحن نتابع أدق متغيرات التكنولوجيا والحياة، والموضة والمتغيرات العالمية في كل شيء، ونريد في الوقت ذاته (الحفاظ) على (الهوية) الوطنية كما كانت قبل قرون عديدة مضت!.

بصفتك فنانًا وناقدًا، أيهما كان الأقرب إلى شخصيتك: اللوحة أم القراءة النقدية؟

 

لكل اهتمام شرعيته ولكنني اتجهت الى الكتابة النقدية ربما لأنني استنفدت! إمكانياتي في إنتاج الفن بما يضيف لما سبق من النتاج الفني المطروح سابقا، أما في النقد فاجد أن الإمكانيات متجددة اكثر وفرصي في تقديم المزيد مفتوحة ففي كل سنة بداتا ضيف كتابات وكتبا جديدا اعتقد أنها تشكل إضافة ولو طفيفة للكتابة المعنية بالفن التشكيلي.

كيف تقرأ التحولات التي مرّت بها الحركة التشكيلية العراقية منذ جيل الرواد حتى اليوم؟

 

تزامن ظهور ما يعرف بجيل الرواد العراقي مع مرحلة تشكل ما يعرف بالدولة القومية، فاستُعير خطابُ عصر النهضة العربية بـ» التعبير عن الروح المحلية بأدوات الحداثة المتاحة»، وهو ما أفاض د. محمد عابد الجابري في كتابه (نحن والتراث)، فتشكل تياران: الأول أن تستعار الأشكال من التراث وتنتج بما يسميه ال سعيد «شروط اللوحة المسندية»، وهو الخط الذي مثلته (جماعة بغداد للفن الحديث) التي تزعمها الفنان جواد سليم، والثاني أن تستعار الأدوات الشكلية من مدارس الفن الغربية، وخاصة الفن الانطباعي والتعبيري، على ان يكون الموضوع محليا، وهو ما تبنته (جماعة الرواد) التي تزعمها الفنان فائق حسن الذي عبر عن الموضوعات العراقية بأساليب انطباعية فيها سمات مستعارة من تأثرات لونية رمبراندية أحيانا وتأثرات انطباعية غيرها.. لكن الجيل الستيني العاصف التالي، وهو جيل عاصف ليس في العراق وحده، وجد نفسه في انسداد أسلوبي وفكري، فلم يتمكن برأيي سوى من حل مشاكله التقنية فانتج أعمالا عالية التقنية كأعمال صالح الجميعي ورافع الناصري وغيرهما، وهو ما لم يتقبله الجمهور الواسع المتقولب بـ(طروحات الروح المحلية)، فاضطرت الجماعات الفنية وقتها وأبرزها جماعة (الرؤية الجديدة) 1969، التي تضمنت مدوناتها «أن تقوم القواسم المشتركة على أسس ثقافية وفكرية بدلًا من التشابه الأسلوبي، ولكنها عادت لتأكيد إصرارها على «تقديم فن (عراقي) فريد».. «ينهل الإلهام من ينابيع التراث والتقاليد، وهو ذات الخطاب الخمسيني؛ مما خلق تناقضا بين الجهاز المفاهيمي المدون، وبين المنجز المتحقق، وهو ما أسميته (شيزوفرنيا ثقافية) بسبب هذا التناقض الخطير.. وهكذا تم التخلي عن النيات المسبقة في إنتاج اللوحة لأجل أن تتخذ اللوحة شكلها المستقل (ماديتها) وهو ما يتلاءم تماما مع عصر تراجع الأيديولوجيا، فابتدأت حتى الجماعات الفنية تتخلى عن جهازها المفاهيمي الأيديولوجي وتتحول شيئا فشيئا الى فعالية (اجتماعية)!.

كيف تصف علاقتك بالألوان والرموز المستوحاة من التراث العراقي؟

 

لم أنتج أعمالا ملونة إلا في السنوات الأولى من بداياتي؛ حينما كنت أشارك في معارض البصرة الجماعية، بعده اتجهت الى فعاليتين هما التخطيطات المنجزة بالحبر الصيني، الى جانبها كنت أمارس الكتابة التشكيلية، وأنتجت عددا لا باس به من المؤلفات، والمؤلفات المشتركة، وعددا غفيرا من المقالات، أما تخطيطاتي فقد نشرت في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، وكان (متحفي الفني) الذي كونته منذ بداياتي قائما على استقراء تجارب عدد كبير من الرسامين المخططين: كبيكاسو، وجواد سليم، وشاكر حسن ال سعيد وفيصل لعيبي، وضياء العزاوي وغيرهم..

كيف يمكن دعم الفنانين الشباب في العراق لصناعة مشهد تشكيلي أكثر حضورًا؟

 

يمكن القول أن الثقافة التشكيلية، حالها كحال كل عناصر الثقافة الأخرى، سلعة بائرة غير قابلة للتداول، إلا بأضيق الحدود، وهو واقع يفتقر الى البنية التحتية الضرورية لانطلاق الفن التشكيلي، ونعني بها: قاعات العرض القادرة على بيع الأعمال، والمتاحف التي يزورها المتلقون، فعاليات فنية مرافقة كالسومبوزيومات، والمؤتمرات الفكرية، وإصدار مجلات ومطبوعات فنية مدعومة من الجهات التي لها علاقة بالفن كوزارة الثقافة وجمعية التشكيليين ونقابة الفنانين وكليات الفنون الجميلة التي تكاثرت دون اية فاعلية تساهم في خلق واقع ثقافي فني عراقي.. إن الفنان العراقي الآن يقاتل اعزل لأجل تسويق أعماله وإنتاج منجز تشكيلي راق..

ما رأيك بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على قيمة العمل الفني والنقد؟

 

إن اهم التغيرات التي حدثت في مجالات التواصل الاجتماعي هي (دمقرطة) كل شيء من الصورة الفوتوغرافية الدجتل الى الكتابة التي لم تعد خاضعة لا لمصحح ولا لمحرر، وهي حالة وان كانت صحية في بعض جوانبها، إلا أنها أدت الى تسلل أعداد غفيرة من منتجي هذه الحقول من الذين لا يمتلكون الحد الأدنى من المؤهلات الضرورية، فتم استسهال الأمر، ودُق المسمارُ الأخير في جسد الثقافة عبر الاستخدام الأسوأ في ثقافتنا عبر الذكاء الاصطناعي الذي عوض أن يستخدم أداةً مساعدة صار هو الفاعل الأساس وتراجع الإنسان الى الخطوط الخلفية؛ فصار ممكنا الآن الحصول على بطاقة الانتماء الى جمعيات واتحادات ثقافية عريقة عبر أعمال أنتجت عبر الذكاء الاصطناعي كليا أو جزئيا، وصارت هنالك دكاكين ثقافية تنتج مقالات، وكتبا ورسائل واطاريح أكاديمية.. وهو أسوأ ما انتج الاستخدام المتخلف لأرقى النتاجات التكنولوجية في حقل الثقافة..

ما المشروع الثقافي أو الفني الذي تتمنى تحقيقه للمشهد التشكيلي العراقي؟

 

انه كتابي (تشكيليو البصرة) الذي درست فيه عشرات التجارب الفنية وأنجزت منه حتى الآن ستة أجزاء نشرت ثلاثة منها الكترونيا، وسأنشر الأجزاء الأخرى تباعا، ودرست فيه فنانين من أجيال مختلفة من رسامين ونحاتين وسيراميكيين ورسامي كاريكاتير، من أجيال مختلفة، وانا اعمل الآن الى إضافة تجارب أخرى تباعا من اجل أن يكون (تشكيليو البصرة) موسوعة للفن في مدينة البصرة.. هذا ما اعتبره منجزي الحياتي الأهم..

من هم الفنانون الذين تركوا أثرًا مهمًا في تجربتك الفكرية والجمالية؟

 

بيكاسو، وشاكر حسن آل سعيد، وجواد سليم، وفيصل لعيبي، وضياء العزاوي من الذين شكلوا ما يسميه شاكر حسن ال سعيد (المتحف البصري) الذي يشكله الفنان من خلال ثقافته الخاصة، أما فكريا فاجد أن قراءتي المعمقة للناقد البريطاني هربرت ريد تركت أثرا كبيرا في كتاباتي النقدية، وأثرت كذلك كتابات شاكر حسن ال سعيد، وهو اكبر منظري الفن التشكيلي العرب.

هنالك مفهوم مركزي في كتاباتك النقدية، لم تتطرق له هنا، هو مفهوم (الواقعة الشيئية).. فما الذي يمثل عندك؟

 

اعتبر العمل الفني، وكما قال بذلك غادامير، مؤلفا من واقعتين، واقعة يدرسها على رأي غادامير (علم الجمال)، وانا اعتبره (النقد الفني)، وهي الواقعة الشيئية، او المادية، وواقعة يدرسها الهرمنيوتيك (علم التأويل)، وهي الهامش والسرديات التي تنبعث وتتكاثر حول الجوهر المادي الشيئي للعمل الفني؛ فاتخيل معمارية الواقعة الفنية التشكيلية مؤلفة من بنية مادية وبنية سردية، وهو امر مشابه لشرح كارل ماركس لمعمارية المجتمع البشري كونها مؤلفة من قاعدة مادية عمادها الاقتصاد، وبنية فوقية تشكلها الثقافة..

اعتقد أن حقل اشتغال النقد الفني هو الواقعة الشيئية، بينما تضطلع دراسات تاريخ الفن والمقالات الصحفية والسير الذاتية للفنانين وغالبية تصريحاتهم بالواقعة السردية للفن التشكيلي، وعلاقة الفنان بالواقع الخارجي..

@ وهل هذا هو سبب استبعادك للـ(كثير) من الكتابات التشكيلية من حقل النقد التشكيلي؟

- نعم، فنحن لا نعتبر النص التشكيلي نصا نقديا إلا اذا توفرت فيه (خصائص نصية محددة) أهمها أن ينصب الجهد فيه على مقاربة مادية العمل لا مقاربة قيم خارجية سردية وان كانت جمالية، وان لا تنتمي الى حقل تاريخ الفن، وتماما كما استبعد اليوت الكثير من (أنماط الشعر) عن الشعر باعتبار أن الميزان هو تحديد وظيفة الشعر من حيث كونه شعرا، فيتم استبعاد الكثير من الفعاليات اللغوية عن حقل الشعر، فالشعر المسرحي والشعر التعليمي والأدعية ذات الأغراض الدينية والملاحم والقصص عن الشعر، فعلاقتها به هي بوجود سمات شعرية فيها، فالمسرحية الشعرية لا تنتمي الى الشعر إنما تنتمي الى المسرح وتنتمي الفية بن مالك الى تعليم النحو العربي. 

الأحد، 29 أكتوبر 2023

 

أهمية النقد في الفن

  مات فوسيل

 ترجمة: خالد خضير الصالحي


هناك سبب لوجود محررين للكتاب؛ فمهما كتبت بشكل جيد، ستكون هناك أخطاء، ففي كثير من الأحيان، يتجاهل المؤلف هذه الأخطاء لمجرد أنها "قريبة جدًا" من عمله. ما يكتبه المؤلفون قد يكون منطقيًا تمامًا بالنسبة لهم أثناء كتابته لأنهم يفهمون رؤيتهم الخاصة؛ ونتيجة لذلك، قد يحذفون التفاصيل التي تعتبر بالغة الأهمية للقراء. ثم هناك الأخطاء النحوية التي تحدث. الكاتب الجيد يحتاج ببساطة إلى محرر جيد، فالمحرر يرى العمل بمجموعة مختلفة من "العيون" ويمكنه اقتراح التحسينات وتقديم أفكار جديدة.

الممثلون بحاجة إلى مخرجين. عندما يتصرف الممثل، فمن الواضح أنه لا يستطيع رؤية نفسه، ففي أذهان الممثلين، قد تكون أفعالهم لا تشوبها شائبة، ومع ذلك، يمكن للمخرج أن يشير إلى المجالات التي يمكن تحسين أدائه فيها، لأن المخرج يرى الأداء من وجهة نظر الجمهور. يمكنهم التواصل مع الممثل حول كيفية إدراك العامل الأكثر أهمية في المسرح لأفعالهم وإلقائهم، وهو الجمهور.

كفنانين، نحتاج أيضًا إلى "مجموعة عيون" ثانية (أو ثالثة) على عملنا. نحن بحاجة إلى معرفة كيف يمكن تحسين عملنا. نحن بحاجة إلى أن نفهم كيف ينظر الجمهور إلى عملنا. في بعض الأحيان يمكننا اكتشاف المشكلات بمفردنا، ولكن في معظم الأحيان نحتاج إلى مداخلات من الآخرين. هذا هو المكان الذي يصبح فيه النقد جزءًا مهمًا من تطورنا كفنانين.

 

لا ينبغي أن تكون الانتقادات مخيفة

النقد ليس مخيفا

ما زلت أتذكر أول نقد لي في مدرسة الفنون. كان مخيفا. لا ينبغي أن يكون كذلك، ولكنه كان كذلك. كنت هناك، محاطًا بفصلي وكان كل التركيز منصبًا على عملي. ما زلت أتذكر الغرفة التي كنت أجلس فيها، وحتى الروائح.

لقد كانت مهمة فريدة من نوعها. كان علينا إنشاء لوحتين غير موضوعيتين باستخدام الأكريليك. الأولى باستخدام الألوان الأساسية وقيم تلك الألوان فقط. كان من المفترض أن تكون اللوحة الثانية نسخة من الأولى، ولكن مع القيم المحايدة للألوان فقط. كان الهدف هو مطابقة قيم اللوحة الملونة تمامًا مع المحاولة الثانية التي كانت فقط باللون الرمادي المحايد. وهكذا انتهى بنا الأمر إلى لوحتين، واحدة ملونة والأخرى بالأبيض والأسود.

كان لدى أستاذي كاميرا وشاشة فيديو لتحليل النتائج. (كان هذا قبل 20 عامًا، وبدا وكأنه تكنولوجيا متطورة، خاصة بالنسبة للنقد). تم وضع الكاميرا لتصوير الحامل وعرضت شاشة الفيديو اللقطة باللونين الأبيض والأسود.

تم وضع لوحاتنا الملونة على الحامل بينما تم تعليق النسختين بالأبيض والأسود على شاشة الفيديو. لقد تمكنا من رؤية اللوحة الملونة بالأبيض والأسود ومقارنة النتائج باللوحة السوداء والبيضاء الموجودة بجوارها مباشرةً. كان الهدف هو مساعدتنا في معرفة مدى توافقنا مع قيم اللوحة الملونة في نسختنا بالأبيض والأسود.

لكل واحد منا، كان الأستاذ يرفع لوحاتنا ويقارنها بالنسخ الملونة المعروضة بالأبيض والأسود.

لقد جاء دوري أخيرًا. كانت يدي مبللة وكان فمي جافًا بشكل لا يصدق. لم أكن بهذه العصبية من قبل في حياتي.

بمجرد وضع لوحتي الملونة على الحامل، تمكنت من رؤية مدى سوء أدائي من خلال شاشة الفيديو. كانت قيمي بعيدة عن المطلوب، حتى في المجالات التي اعتقدت أنني ملأتها بأداء قوي، رأيت تناقضات في القيم. في الوقت الحاضر، أجهزة الكمبيوتر المحمولة تأتي مع بطاقة رسومات عالية الجودة. حتى أنني شعرت بالإهانة.

وأشار أستاذي إلى هذه القضايا على الرغم من أنها كانت مرئية بوضوح على الشاشة. في ذلك الوقت، شعرت بالفشل. لكن بالنظر إلى الوراء، أعلم الآن أن هذه التجربة كانت واحدة من أهم اللحظات في تطوري كفنان.

 

أنت لست عملك الفني


شعرت بالفشل، لكن لم أكن أنا من يحتاج إلى العمل. كانت اللوحة هي التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام. بالتأكيد، لقد رسمت اللوحة، لكن اللوحة لم تكن أنا. لقد كان شيئًا أنتجته كفنان، لكنه لم يحدد من أنا كفنان.

كفنانين، نقوم بإنشاء الرسومات واللوحات الفنية، وغالبًا ما يكون من الصعب فصل أنفسنا عنها. نحن نسكب الكثير من أنفسنا فيهم، لدرجة أنه عندما يتم انتقادها، نشعر أننا يتم تقييمنا بطريقة أو بأخرى.

يجب أن نتعلم أن عملنا هو في النهاية منتج ننتجه. عندما نعمل على تحسين أنفسنا كفنانين، فإننا ننتج "منتجات" أفضل. يمكن أن يكون النقد مؤلمًا في البداية، ولكن إذا فهمت أنه مصمم ليؤدي إلى منتج أفضل، فإنه يصبح أحد أهم الأنشطة في نموك الفني.

لقد علمني هذا النقد، الذي أتذكره بوضوح شديد، أهمية القيمة. لقد كان درسًا كنت بحاجة إلى تعلمه، وهو درس ربما لم أتعلمه أبدًا بدون النقد.

  

الحصول على انتقاد فنك






لقد واجهت العديد من الانتقادات الجماعية طوال سنوات دراستي الجامعية وأكثر من ذلك بعد هذه الفترة. عندما أصبحت مرتاحًا لعملية النقد، اعتنقتها. كنت أتطلع إلى النقد. كان السبب في ذلك هو أنني أردت مشاركة ما قمت بإنشائه، لكنني كنت أعلم أيضًا أنني سأتعلم شيئًا جديدًا.

الاثنين، 14 أغسطس 2023

الرسام العراقي المغترب يوسف الناصر.. مسك تفاحتين بكف واحدة



 

 


الرسام العراقي المغترب يوسف الناصر..

 

مسك تفاحتين بكف واحدة




"استجدي رحمة الجمال ان تهبني قطرة ندى

                                   لكن ما من مجيب لتوسلات المقهورين"

                                                                                    (يانيس ريتسوس)

 

خالد خضير الصالحي




















1

نبهتني معاينتي لتجربة الرسام العراقي المغترب يوسف الناصر إلى وجوب مراعاة أو التوكيد على اشتراطات عديدة منها إعادة التفريق القديم مابين (الحقيقة) و(المعرفة) في الفن، ونعني بالفن هنا الرسم تحديدا، فنحن هنا، كما نزعم دائما، لسنا معنيين بالمعرفة قدر اهتمامنا بالحقيقة، وهو أمر تتشارك فيه أنماط الفن والإبداع المتنوعة كما هو حادث في السرد أو المسرح، فان الخلل في المعرفة لا يغير طبيعة الأثر الفني أو يخرجه من النسق المتواضع عليه، فتغير عدد الحاضرين في لوحة العشاء الأخير لليوناردو دافينشي مثلا لا يمكن ان يخلّ بحقيقة كون اللوحة لوحةً، كما ان وجود خطأ إملائي أو نحوي أو منطقي في لوحة للخط العربي، كما ان عدم التمكن من قراءة او ترجمة لوحة مكتوبة بخطوط عربية ولكن بلغة فارسية مثلا، لا يخل بصفتها الفنية، فالحقيقة تكمن في الجمال والذي هو حدوث الحقيقة في العمل الفني، أي ان الجمال كامن في الشكل وفي اللوحة كواقعة مادية.. حتى ان جوهر الفنان، وجوهر الفن يكمنان في (العمل الفني)تحديدا، وهذه هي الإضافة الأهم التي أحدثها هيدجر، فلم يكن يحاول ان يتجه إلى دراسة شخصية الفنان، أو عملية الإبداع الفني، بل مضى مباشرة إلى (العمل الفني) باعتباره (ظاهرة معيشة) من خلال ما اسماه (شيئية العمل الفني) واكتشاف سمة الشيئية في (الشيء)" الذي يظهر بنفسه إلى الوجود.

 

2

لقد عرّف هيدجر (الشيء) ثلاثة تعريفات هي :

أولا، (الشيء) جوهر يحمل الصفات المميزة له، وثانيا، (الشيء) هو ما يدرك بالحواس، وثالثا، (الشيء) مادة تشكلت من خلال الصورة، أي انه (المادة المتشكلة) التي تحمل (صورة معينة)، ويؤكد ان ما يخلع على (الشيء) صلابته، وكثافته، وتماسكه إنما هو (ماديته).

 

3

لا يتناول الناقد كل التجارب، فليست تلك مهمته وليس ذلك باستطاعته، كما ان للناقد مشروعا يتناول استنادا إليه التجارب التي تنسجم ومشروعه النقدي، وقد كتبت مرة في مجلة (الأديب المعاصر) قبل عدة عقود "ان تناول أية تجربة إبداعية هو امتحان لطرائقنا النقدية" وأضيف الآن بان التجربة الخاضعة للمعاينة، أو فهمنا و تأويلنا لها تحديدا، ستكون جزءا من مشروعنا النقدي، فكانت تجربة الرسام يوسف الناصر تخضع لهذا الأمر، بالنسبة لنا على الأقل، وقد سبق لنا وكتبنا عنها مقالا سابقا ولكننا نشعر بالتقصير تجاهها، فهي تجربة تستحق الملاحقة الحثيثة من المهتمين، وهو ما لم يهتم به إلا البعض من المهتمين.

 

4

لا نعتقد ان تمكن الرسام يوسف الناصر من "وضع الألم والرسم على طاولة تشريح واحدة" هو الأمر الحاسم في تجربته، والى الدرجة التي تصورها البعض، فالمهم برأينا ان هذا الرسام استطاع ان يجد المادة (بالمعنى الواسع للمادة والتي تتضمن : اللون، والمواد الملصقة، والتأثيرات التقنية...) التي تنتج صورة بصرية تعبر عن الألم وتشجبه، فالرسام غير مطلوب منه ان يقدم تقارير صحفية حول موضوعات تشغله، بل يتعامل مع مادة بصرية عليها ان تعبر دون تدخلات لغوية، وبأقل قدر من السردية التي تنتمي إلى اللغة.

 

5

ان الأمر المهم في تجربة الرسام يوسف الناصر انه تمكن من المحافظة على (مشدات) العمل الفني متوترة دائما، وقد تعمدنا استخدام تعبير (المشدات) للإيحاء بالمشدات الداخلية التي تستخدمها النساء لتحافظ على تناسق الجسد الأنثوي، فقد حرص يوسف الناصر على ان تبدو لوحاته مشدودة رغم أحجامها الضخمة، فقد تمكن هذا الرسام من مسك التفاحتين معا بكف واحدة عندما حافظ على التوتر القلق في جانبين شديدي الأهمية والخطورة والصعوبة:

التوازن الأول، كان بين شيئية العمل الفني التي نعتبرها البنية التحتية للعمل الفني، و بين (الشكل الجمالي) وكافة الهوامش التي تتجمع خارج الواقعة البصرية ونعتبرها بنية فوقية، وقد كان هيدجر هو من قرر هاتين البنيتين في محاضرته الشهيرة (أصل العمل الفني) التي ألقاها عام 1935 ونشرها في كتابه (متاهات) عام 1950..

التوازن الثاني، من أسباب الشد الموجودة في تجربة يوسف الناصر راجع إلى تحقق توازن آخر يبدو أوضح حين يتحقق في التصوير الفوتوغرافي، وفي اللوحات المشخصة التي تصور الواقع، أو اللوحات التعبيرية التي توحي بمشخصاته عبر إيماءة طفيفة.. وهو توازن مهم يخص "الحقيقة بوصفها النزاع القديم بين "الفجوة المضاءة وحالة الإخفاء"، أو بين "الانكشاف والإخفاء"، أو "الفجوة الضوئية والخفاء"..

 

6

لقد كان سر النجاح الأكبر لتجربة يوسف الناصر تمكنه طوال تجربته، وفي معرض (مطر اسود) مثلا، من تحويل الموضوع إلى: علاقات لونية يهيمن عليها اللون الأسود الفاحم غالبا، والى علاقات شكلية أي إلى (شكل جمالي)، فلم يعد الموضوع سردا نثريا قابلا للتحول إلى لغة حكائية.. لقد بقي الموضوع واقعة بصرية.. وهذا سر الأسرار في الرسم.. وفي تجربة يوسف الناصر..

 

7

يبدو ان موضوع اللوحة يفرض على يوسف الناصر استراتيجه، فهو يفكر وينفذ بنفس الطريقة : فحينما تحتدم الانفعالات، وخاصة في الموضوعات الأليمة التي تهيج فيها العواطف كما في معرضه السابق (مطر اسود) كان يلقي ما يعن له فجـّا على اللوحة دون إعمالٍ عقلي في ترتيب عناصر اللوحة، وتشذيب موضوعها، فيسيح معمار اللوحة كما تسيح أشكالها على سطح اللوحة، بينما نجده رساما من نمط آخر حينما يرسم موضوعات يكون الفعل الجوهري فيها للوجود الشيئي للوحة؛ فتختزل الأشكال، والموضوعات بشكل مقنن، وتجيء اللوحة بشكل سطوح مسيطر عليها تماما، ولا يتبقى من الموضوع إلا تلميحات طفيفة لا يشكل الموضوع فيها إلا مناسبة للرسم ووضع مادة الرسم على سطح اللوحة.

 

8

ان رسم يوسف الناصر مقارَنة بالقلة من مجايليه... منشق عن السائد"

(شاكر لعيبي)

 

9

"سعى الناصر إلى أن يمزج ما بين وعيه وعاطفته، بين عقله وقلبه، بين رغبته في التعبير عن مزاجه المحطم ومحاولته تجسيد ما جرى لبلده الذي يعيش بعيدا عنه منذ أكثر من ثلاثة عقود. رسوم تختصر موقفا إنسانيا أقل ما يقال عنه انه فجائعي على المستويين العام والخاص، غير أنها في الوقت نفسه لم تكن مجرد مراث، على الأقل على مستوى الذات الجريحة. كان سؤال الفجيعة أكثر دهاء ومكرا. فمن خلال تفكيك متأن، هو أشبه بعملية طبية أقدم الناصر على وضع الألم والرسم على طاولة تشريح واحدة. في اللحظة عينها اكتشف الرسام أن النقد الصارم والمحكم هو ما يجب أن يقوم به لكي يتحرر من عجزه العاطفي"

(فاروق يوسف)

 

10

"ان مشروع المطر الأسود ليوسف الناصر ينطوي على شهادة حول كارثة الحرب في العراق وأدانته للرعب ومأساة الحرب ومخلفاتها أطفال وجنود وشباب  ومسنون جميعاً في قبضة تراجيديا الحرب والخوف والرعب واللوعة والألم وهي ثمار مشاعر الإنسان في الحرب فكيف يمكن وصف ذلك بصرياً... انه لا يصور تلك اللحظات تصويراً حيادياً بل يدخل في خضم اللحظة ليثير لحظة الخوف والرعب الأولى من القصف القادم من الطائرات انها من أكثر اللوحات التي جسدت صورة الألم والحرب إذ تتداخل الوجوه المرعوبة من الشظايا، شظايا الهلاك لتخرج غير مكتملة وهو لا يبسط التفاصيل ويظهرها لتكون صورة فوتوغرافية عن واقع المأساة ويشيد الرموز ويترك المتلقي في حالة تفكير وتساؤل؟!".

(أليكس روتا)