خالد خضير الصالحي:
ليست هنالك سمات أسلوبية تميز الفن العراقي عن غيره
يرى أن الكتابات التي تعنى بسرديات العمل
التشكيلي لا تنتمي الى النقد التشكيلي
نشر في صحيفة (المدى): العدد (6150) في 19 مايو, 2026
حاوره/ علاء المفرجي
يُعدّ خالد خضير واحداً من الأسماء البارزة في
المشهد التشكيلي والثقافي العراقي، إذ جمع بين الممارسة الفنية والرؤية النقدية في
مقاربة عميقة للفن العراقي المعاصر. عُرف بإسهاماته في قراءة التجارب التشكيلية
العراقية وتحليل تحولات الخطاب البصري، فضلاً عن حضوره في المعارض والملتقيات
الثقافية التي تناولت قضايا الفن والجمال والهوية. وتميّزت كتاباته النقدية بلغة
تجمع بين الحس الجمالي والمعرفة الفكرية، مما جعله صوتاً مهماً في توثيق وتحليل
تجارب الفنانين العراقيين عبر مراحل مختلفة. كما ارتبطت تجربته الفنية والنقدية
بالسعي إلى إبراز خصوصية الفن العراقي، من خلال الانفتاح على الحداثة مع الحفاظ
على الجذور الثقافية والتراثية. وقد أسهم عبر مقالاته ودراساته في إثراء الحوار
التشكيلي العربي، مقدّماً رؤى نقدية تتناول العلاقة بين الفن والمجتمع والذاكرة
والإنسان.
ماهي التأثيرات عليك في الطفولة والنشأة
الأولى (قراءات، حيوات، أحداث) التي جعلتك تهتم بالفن؟
نعم، فنحن لا نعتبر النص التشكيلي نصا نقديا
إلا اذا توفرت فيه (خصائص نصية محددة) أهمها أن ينصب الجهد فيه على مقاربة مادية
العمل لا مقاربة قيم خارجية سردية وان كانت جمالية، وان لا تنتمي الى حقل تاريخ
الفن، وتماما كما استبعد اليوت الكثير من (أنماط الشعر) عن الشعر باعتبار أن
الميزان هو تحديد وظيفة الشعر من حيث كونه شعرا، فيتم استبعاد الكثير من الفعاليات
اللغوية عن حقل الشعر، فالشعر المسرحي والشعر التعليمي والأدعية ذات الأغراض
الدينية والملاحم والقصص عن الشعر، فعلاقتها به هي بوجود سمات شعرية فيها،
فالمسرحية الشعرية لا تنتمي الى الشعر إنما تنتمي الى المسرح وتنتمي الفية بن مالك
الى تعليم النحو العربي.
أول التأثيرات، التي شكلت وعينا الفني
واهتماماتنا اللاحقة، كانت في متوسطة العشار التي درّسنا فيها أستاذنا الرسام
سلمان البصري، والمسرحيان: جبار صبري العطية ومحمد وهيب، كما درّسنا اللغة العربية
الشاعر عبد الكريم كاصد، ثم بدأت أولى القراءات الثقافية فكان أول كتاب فن قرأته
هو كتاب (الفن والمجتمع) للناقد البريطاني هربرت ريد، وكتاب الناقد عباس الصراف عن
النحات العراقي جواد سليم، وهما، إضافة الى مجلة (الف باء) الشهيرة، هو ما فتح لي
باب الفن التشكيلي والكتابة التشكيلية، وبعد أن بدأت أولا بكتابة الشعر مع الشاعر كريم
جخيور؛ ولكنني سرعان ما تخليت عن الشعر، واكتفيت بالرسم للصحافة وبالكتابة النقدية
التشكيلية ونقد الشعر..
هل من صلة تراها أنت بين الشطرنج والفن؟
إنها صلة الأضداد! أو ربما الأدق المتكاملات!
فنشاط الدماغ البشري يتميز بوجود فصين هما: الجزء الأيمن أو الأيسر من الدماغ، كل
جزء من الدماغ يتحكم في أنواع مختلفة من التفكير لهذا هنالك أشخاص تُفضل وتبرَع في
نوع مُعين من التفكير على الآخر. فالشخص البارع في استخدام الجزء الأيسر من الدماغ
يتَميّز بالتفكير المنطقي والتحليلي والموضوعي، ويتميز الذي يستخدم الجزء الأيمن
من الدماغ بأنه حدسي وعميق التفكير وغير موضوعي، فالنصف الأيمن من الدماغ هو
الأفضل في المهام الإبداعية والتعبيرية، بعض القدرات المصحوبة بالتعبير عن المشاعر،
والموسيقى، وفهم وإدراك المشاعر والألوان والصور والحدس وسرعة البديهة والإبداع،
ويعتبر النصف الأيسر من الدماغ ماهرًا في: المنطق، واللغة والتفكير التحليلي،
واللغة، والمنطق، والتفكير النقدي، والاستنتاج، وهاتان الفعاليتان: النمط المنطقي
الرياضي، والنمط الإبداعي (creative)، لا يتناقضان بالضرورة، وهما يتكامل كل
منهما مع الآخر، بل ويلتقيان لقاء حاجة بعضهما للآخر، في نقاط التقاء عديدة..
ونادرا ما يكون الأنسان فاعلا في كلا النمطين الإبداعيين، ومن هؤلاء مثلا الرسام
الناقد والمنظر الفني شاكر حسن آل سعيد.. اعتقد إن ما لا أجده في الشطرنج أجده في
الرسم وما لا أجده في الرسم أجده في الشطرنج وفي النقد، وهنالك نقاط التقاء مشتركة
فحتى تكون الإبداعات الخلاقة في الشطرنج مقبولة عليها أن تكون معززة بأكبر قدر من
المنطق والحسابات الدقيقة، وليكن الرسم الكلاسيكي مثلا مقبولا فعليه أن ينطوي على
القوانين الصارمة للمنظور والكيميائيات اللونية، مثلا من الصعب تصنيف إن أعمال
الخط العربي ضمن الآثار الفنية إن كانت تشذ عن القواعد التي اختطت عبر قرون عند
أئمة الخطاطين.
كيف انعكست البيئة العراقية من أحداث سياسية
وتاريخية واجتماعية بكل تحوّلاتها على تجربتك الفنية والنقدية؟
إن التعريف الذي تلمسه التشكيليون الأوائل لما
أسميته جنابكم (أحداث سياسية وتاريخية واجتماعية) تلمسه هؤلاء الأوائل بما يعرف
بـتعريف جامع مانع هو (الروح المحلية)، وقد جعله هؤلاء (خريطة) أو ربما (استراتيجا
إبداعيا)، بل ملاذا تنظيريا مطمْئنا اختلق في طفولة الفن العراقي، وفي بدايات
تشكّل الهوية في الدولة الوطنية العراقية بعد الاحتلال البريطاني للعراق بدايات
القرن العشرين، بل قد أتطرف لأقول انهم جعلوه شرطا قبليا لا تتحقق صفة (الفنية)
إلا بوجوده، وقد استمر تأثير هذه الرؤية للفن ردحا من الزمن حتى أنها في الستينيات،
وحينما انحسر تأثيرها في النتاج الإبداعي، بقي تأثيرها التنظيري معششا عند فناني
جيل الستينيات الذين كانوا يستنسخون طروحات الرواد في (التعبير عن الروح المحلية)
في بيانات الجماعات الستينية، فخلق ذلك ما اسميته (شيزوفرينيا ثقافية) حيث تنتمي
أعمالهم، صالح الجميعي ورافع الناصريمثلا، الى أجيال ما بعد الستينات، بينما تستل
طروحاتهم من جيل الخمسينات!، ولم يتخل الفن العراقي عنها إلا في سبعينيات القرن
الماضي حينما هجرها اهم متبنيها الفكريون: شاكر حسن ال سعيد، ووفاة جواد سليم الذي
كان اهم الفنانين الذين تملكتهم هذه الطروحات قولا وفعلا، ويبدو أن ما يتحدث
أستاذنا ماجد السامرائي في مقال مهم له، عن اهم خصائص جيل الستينيات التشكيلي
ببُعدين رئيسين هما: التنوّع في الرؤية التجديدية والتي اعتبرها خصيصة تقنية
بالدرجة الأساس، أما ما يسميه «خصائص عصرها من نواحيه الفنية والفكرية والاجتماعية
ـ الثقافية… والتوتر في واقع تاريخي تجذّر وعي الفنان»، فانا اعتبره البقايا
الفكرية التي تم توارثها عن جيل الرواد، يسميها السامرائي (الأساس التكويني)،
وأضيف لنقاط التقاء الستينيين بالرواد إضافة للسببين الذين اكد عليهما السامرائي
وهما: أولا، المؤسستان الرائدتان في تاريخ العراق الفني: معهد الفنون الجميلة
(1936)، وأكاديمية الفنون الجميلة (1962)‘ وثانيا، «الجماعات الفنية» التي أسسوها،
وأضيف لها نقطة احتكاك مهمة هي (البيانات الفنية) ومجمل المدونات اللغوية التي
أنتجها الفن العرقي، وتحديدا اقصد منها هنا ما يخص جيل الرواد.
برأيك ما الذي يميز الفن التشكيلي العراقي عن
بقية التجارب العربية برأيك؟
ليست هنالك سمات أسلوبية تميز الفن العراقي عن
غيره، فلم تعد الأسلوبية الموحدة إلا (قالبية) جاهزة (stereotype)، فالأصل والاهم في النتاج الفني هو تحقيق
درجة اكبر من التفرد، وان المشترك الأسلوبي الأهم براينا تسلل قيم الحداثة في الفن
العراقي بشكل قوي مقارنة بالتجارب العربية الأخرى، فلم يعد يتعثر بطروحاته العتيقة
وبدا بتقديم أعمال حداثية لم تعد بحاجة الى تبريرات وتلفيقات نظرية خارجة عن جوهر
طبيعة الفن المادية..
كيف تنظر إلى دور الفنان العراقي في توثيق
الذاكرة الوطنية؟
يمكن للفن التشكيلي أن يشفي، وان يُتاجر به،
وان يُتخذ دعاية سياسية، ولكن بعد إنتاجه، أما أن يتم انتتاج الفن بهذه النيات
فستُنتج أعمال قد يتبناها السياسيون وغيرهم لأهدافهم (غير الجمالية) أو (غير
البصرية) ولكنها لا تنتمي الى الجوهر المادي الإبداعي للفن، فلا اعتقد أن بيكاسو
كان يريد إنتاج إعلان سياسي بحمامته الشهيرة التي اتخذت رمزا للسلام من قبل ملايين
من الناس، وان قيمتها كامنة في طريقة رسمها، وهو ما منحها ديمومتها حتى الآن،
والأمر ينطبق حتى على لوحة الجورنيكا التي كانت نموذجا مهما وختاميا لمرحلة
التكعيبية التحليلية في الرسم.
هل استطاع الفن العراقي أن يحافظ على هويته
وسط التأثيرات العالمية الحديثة؟ إلى أي مدى يستطيع الفن أن يكون وسيلة مقاومة
وحفاظ على الهوية؟
ينتج كل فن سمات أسلوبية شكلية مهمة تمكّن
المتلقي من تمييز الفن الفرعوني عن الفن الإسلامي عن الفن الياباني عن الفن
الأفريقي، ولكن هذه السمات لم تأت عبر إملاءات (خارج فنية) ومسبقة إنما كانت نتاجا
طبيعيا نتج عن أجيال من المبدعين والمتلقين والحاجات الاجتماعية والبيئية وغيرها،
ولكن هل تمكن الفن العراقي من تحقيق ذلك، لا اجد هذا الأمر متحققا، أما أن نطلب من
الفن أن يكون (وسيلة مقاومة) للحفاظ على الهوية الوطنية فذلك امر أجده قسريا لأننا
لا نعيش في جزيرة معزولة ومتقوقعة، واجده تعاملا مليئا بالتناقض مع الهوية بطريقة،
فنحن نتابع أدق متغيرات التكنولوجيا والحياة، والموضة والمتغيرات العالمية في كل
شيء، ونريد في الوقت ذاته (الحفاظ) على (الهوية) الوطنية كما كانت قبل قرون عديدة
مضت!.
بصفتك فنانًا وناقدًا، أيهما كان الأقرب إلى
شخصيتك: اللوحة أم القراءة النقدية؟
لكل اهتمام شرعيته ولكنني اتجهت الى الكتابة
النقدية ربما لأنني استنفدت! إمكانياتي في إنتاج الفن بما يضيف لما سبق من النتاج
الفني المطروح سابقا، أما في النقد فاجد أن الإمكانيات متجددة اكثر وفرصي في تقديم
المزيد مفتوحة ففي كل سنة بداتا ضيف كتابات وكتبا جديدا اعتقد أنها تشكل إضافة ولو
طفيفة للكتابة المعنية بالفن التشكيلي.
كيف تقرأ التحولات التي مرّت بها الحركة
التشكيلية العراقية منذ جيل الرواد حتى اليوم؟
تزامن ظهور ما يعرف بجيل الرواد العراقي مع
مرحلة تشكل ما يعرف بالدولة القومية، فاستُعير خطابُ عصر النهضة العربية بـ»
التعبير عن الروح المحلية بأدوات الحداثة المتاحة»، وهو ما أفاض د. محمد عابد
الجابري في كتابه (نحن والتراث)، فتشكل تياران: الأول أن تستعار الأشكال من التراث
وتنتج بما يسميه ال سعيد «شروط اللوحة المسندية»، وهو الخط الذي مثلته (جماعة
بغداد للفن الحديث) التي تزعمها الفنان جواد سليم، والثاني أن تستعار الأدوات
الشكلية من مدارس الفن الغربية، وخاصة الفن الانطباعي والتعبيري، على ان يكون
الموضوع محليا، وهو ما تبنته (جماعة الرواد) التي تزعمها الفنان فائق حسن الذي عبر
عن الموضوعات العراقية بأساليب انطباعية فيها سمات مستعارة من تأثرات لونية
رمبراندية أحيانا وتأثرات انطباعية غيرها.. لكن الجيل الستيني العاصف التالي، وهو
جيل عاصف ليس في العراق وحده، وجد نفسه في انسداد أسلوبي وفكري، فلم يتمكن برأيي
سوى من حل مشاكله التقنية فانتج أعمالا عالية التقنية كأعمال صالح الجميعي ورافع
الناصري وغيرهما، وهو ما لم يتقبله الجمهور الواسع المتقولب بـ(طروحات الروح
المحلية)، فاضطرت الجماعات الفنية وقتها وأبرزها جماعة (الرؤية الجديدة) 1969،
التي تضمنت مدوناتها «أن تقوم القواسم المشتركة على أسس ثقافية وفكرية بدلًا من
التشابه الأسلوبي، ولكنها عادت لتأكيد إصرارها على «تقديم فن (عراقي) فريد»..
«ينهل الإلهام من ينابيع التراث والتقاليد، وهو ذات الخطاب الخمسيني؛ مما خلق
تناقضا بين الجهاز المفاهيمي المدون، وبين المنجز المتحقق، وهو ما أسميته
(شيزوفرنيا ثقافية) بسبب هذا التناقض الخطير.. وهكذا تم التخلي عن النيات المسبقة
في إنتاج اللوحة لأجل أن تتخذ اللوحة شكلها المستقل (ماديتها) وهو ما يتلاءم تماما
مع عصر تراجع الأيديولوجيا، فابتدأت حتى الجماعات الفنية تتخلى عن جهازها
المفاهيمي الأيديولوجي وتتحول شيئا فشيئا الى فعالية (اجتماعية)!.
كيف تصف علاقتك بالألوان والرموز المستوحاة من
التراث العراقي؟
لم أنتج أعمالا ملونة إلا في السنوات الأولى
من بداياتي؛ حينما كنت أشارك في معارض البصرة الجماعية، بعده اتجهت الى فعاليتين
هما التخطيطات المنجزة بالحبر الصيني، الى جانبها كنت أمارس الكتابة التشكيلية،
وأنتجت عددا لا باس به من المؤلفات، والمؤلفات المشتركة، وعددا غفيرا من المقالات،
أما تخطيطاتي فقد نشرت في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، وكان
(متحفي الفني) الذي كونته منذ بداياتي قائما على استقراء تجارب عدد كبير من
الرسامين المخططين: كبيكاسو، وجواد سليم، وشاكر حسن ال سعيد وفيصل لعيبي، وضياء
العزاوي وغيرهم..
كيف يمكن دعم الفنانين الشباب في العراق
لصناعة مشهد تشكيلي أكثر حضورًا؟
يمكن القول أن الثقافة التشكيلية، حالها كحال
كل عناصر الثقافة الأخرى، سلعة بائرة غير قابلة للتداول، إلا بأضيق الحدود، وهو
واقع يفتقر الى البنية التحتية الضرورية لانطلاق الفن التشكيلي، ونعني بها: قاعات
العرض القادرة على بيع الأعمال، والمتاحف التي يزورها المتلقون، فعاليات فنية
مرافقة كالسومبوزيومات، والمؤتمرات الفكرية، وإصدار مجلات ومطبوعات فنية مدعومة من
الجهات التي لها علاقة بالفن كوزارة الثقافة وجمعية التشكيليين ونقابة الفنانين
وكليات الفنون الجميلة التي تكاثرت دون اية فاعلية تساهم في خلق واقع ثقافي فني
عراقي.. إن الفنان العراقي الآن يقاتل اعزل لأجل تسويق أعماله وإنتاج منجز تشكيلي
راق..
ما رأيك بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على
قيمة العمل الفني والنقد؟
إن اهم التغيرات التي حدثت في مجالات التواصل
الاجتماعي هي (دمقرطة) كل شيء من الصورة الفوتوغرافية الدجتل الى الكتابة التي لم
تعد خاضعة لا لمصحح ولا لمحرر، وهي حالة وان كانت صحية في بعض جوانبها، إلا أنها
أدت الى تسلل أعداد غفيرة من منتجي هذه الحقول من الذين لا يمتلكون الحد الأدنى من
المؤهلات الضرورية، فتم استسهال الأمر، ودُق المسمارُ الأخير في جسد الثقافة عبر
الاستخدام الأسوأ في ثقافتنا عبر الذكاء الاصطناعي الذي عوض أن يستخدم أداةً
مساعدة صار هو الفاعل الأساس وتراجع الإنسان الى الخطوط الخلفية؛ فصار ممكنا الآن الحصول
على بطاقة الانتماء الى جمعيات واتحادات ثقافية عريقة عبر أعمال أنتجت عبر الذكاء
الاصطناعي كليا أو جزئيا، وصارت هنالك دكاكين ثقافية تنتج مقالات، وكتبا ورسائل
واطاريح أكاديمية.. وهو أسوأ ما انتج الاستخدام المتخلف لأرقى النتاجات
التكنولوجية في حقل الثقافة..
ما المشروع الثقافي أو الفني الذي تتمنى
تحقيقه للمشهد التشكيلي العراقي؟
انه كتابي (تشكيليو البصرة) الذي درست فيه
عشرات التجارب الفنية وأنجزت منه حتى الآن ستة أجزاء نشرت ثلاثة منها الكترونيا،
وسأنشر الأجزاء الأخرى تباعا، ودرست فيه فنانين من أجيال مختلفة من رسامين ونحاتين
وسيراميكيين ورسامي كاريكاتير، من أجيال مختلفة، وانا اعمل الآن الى إضافة تجارب
أخرى تباعا من اجل أن يكون (تشكيليو البصرة) موسوعة للفن في مدينة البصرة.. هذا ما
اعتبره منجزي الحياتي الأهم..
من هم الفنانون الذين تركوا أثرًا مهمًا في
تجربتك الفكرية والجمالية؟
بيكاسو، وشاكر حسن آل سعيد، وجواد سليم، وفيصل
لعيبي، وضياء العزاوي من الذين شكلوا ما يسميه شاكر حسن ال سعيد (المتحف البصري)
الذي يشكله الفنان من خلال ثقافته الخاصة، أما فكريا فاجد أن قراءتي المعمقة
للناقد البريطاني هربرت ريد تركت أثرا كبيرا في كتاباتي النقدية، وأثرت كذلك
كتابات شاكر حسن ال سعيد، وهو اكبر منظري الفن التشكيلي العرب.
هنالك مفهوم مركزي في كتاباتك النقدية، لم
تتطرق له هنا، هو مفهوم (الواقعة الشيئية).. فما الذي يمثل عندك؟
اعتبر العمل الفني، وكما قال بذلك غادامير،
مؤلفا من واقعتين، واقعة يدرسها على رأي غادامير (علم الجمال)، وانا اعتبره (النقد
الفني)، وهي الواقعة الشيئية، او المادية، وواقعة يدرسها الهرمنيوتيك (علم
التأويل)، وهي الهامش والسرديات التي تنبعث وتتكاثر حول الجوهر المادي الشيئي
للعمل الفني؛ فاتخيل معمارية الواقعة الفنية التشكيلية مؤلفة من بنية مادية وبنية
سردية، وهو امر مشابه لشرح كارل ماركس لمعمارية المجتمع البشري كونها مؤلفة من
قاعدة مادية عمادها الاقتصاد، وبنية فوقية تشكلها الثقافة..
اعتقد أن حقل اشتغال النقد الفني هو الواقعة
الشيئية، بينما تضطلع دراسات تاريخ الفن والمقالات الصحفية والسير الذاتية
للفنانين وغالبية تصريحاتهم بالواقعة السردية للفن التشكيلي، وعلاقة الفنان
بالواقع الخارجي..
@ وهل هذا هو سبب استبعادك للـ(كثير) من
الكتابات التشكيلية من حقل النقد التشكيلي؟
- نعم، فنحن لا نعتبر النص التشكيلي نصا نقديا
إلا اذا توفرت فيه (خصائص نصية محددة) أهمها أن ينصب الجهد فيه على مقاربة مادية
العمل لا مقاربة قيم خارجية سردية وان كانت جمالية، وان لا تنتمي الى حقل تاريخ
الفن، وتماما كما استبعد اليوت الكثير من (أنماط الشعر) عن الشعر باعتبار أن
الميزان هو تحديد وظيفة الشعر من حيث كونه شعرا، فيتم استبعاد الكثير من الفعاليات
اللغوية عن حقل الشعر، فالشعر المسرحي والشعر التعليمي والأدعية ذات الأغراض
الدينية والملاحم والقصص عن الشعر، فعلاقتها به هي بوجود سمات شعرية فيها،
فالمسرحية الشعرية لا تنتمي الى الشعر إنما تنتمي الى المسرح وتنتمي الفية بن مالك
الى تعليم النحو العربي.
