الثلاثاء، 23 أغسطس 2022

الرسام العراقي سيروان باران.. اللون هدفا

 


















الرسام العراقي سيروان باران..

 

 

 

 

اللونُ هدفاً

 

 

خالد خضير الصالحي

 

 

 

 

 

 

" تتميز نتاجات الفنان سيروان باران بمستوى رفيع، وبالأخص من الناحية التقنية وآلية استخدام المساحات السطحية في اللوحة، وكيفية توزيع اللوحة بين الشخوص والكتل المتنوعة"  (شيركو احمد)

 

1

 يعد الرسام العراقي المغترب سيروان باران واحداً من ابرز تلاميذ الرسام العراقي الراحل فائق حسن، وبالتالي يمكن اعتباره واحدا من ابرز حراس الرسم الاكاديمي العراقي بنسخته الانطباعية التي رسّخ وجودَها فائق حسن باعتبارها تنطوي على (المعارف) الأساسية، والمهارات الفنية الضرورية لرسامي العراق من خريجي اكاديمية الفنون الجميلة؛ فكانت قيم الرسم الاكاديمي، التي يحرص رسامو هذا النمط من الرسم الى التمكن منها، هي: التشريح، والمنظور، والتكنيك العالي في التعامل مع اللون الانطباعي؛ فإذا بسيروان باران يفاجئ الكثيرين اخيرا حينما بدأ ينضم الى موجة التحول التجريدي التي ظهرت بوضوح مع الرسم الستيني في العراق، وكانت موجةً متجهة صوب درجات متفاوتة من التجريدية بنسختها التعبيرية التي تحاول ان تعيد النظر بجوهر (قوانين) الرسم الاكاديمي الانطباعي؛ فكان سيروان باران؛ نتيجة لامكاناته التقنية؛ ولمعرفته بأسرار الرسم الاكاديمي، قد نجح في تحوّله هذا بدرجات متفاوتة في كل معالجة له لواحد من قوانين الرسم الاكاديمي التي ذكرناها، وكان يحقق في كلِّ واحد منها درجات متفاوتة من الخصوصبة والتفرد الشخصي..

 

2

ان انتقالة سيروان باران من مرحلته الاكاديمية الى التعبيرية التجريدية لم تمنحه الفرصة بعد للخلاص من باليتة الوانه الانطباعية وطزاجتها، وثرائها، وهو لم يزل كذلك يحمل معه: احترامه لقوانين التشريح في جزء كبير من فاعليتها، وهوسه الطاغي بسرديات اللوحة والموضوع والاحداث، ومحافظته على تجسيم المكان الذي يلائم، بوضعيته هذه، الرسمَ الاكاديمي اكثر مما ينسجم كفاية مع الرسم التجريدي الذي وجد مسطحا بالضرورة نتيجة لتجريد بعده الثالث غالبا كاحد المنطلقات الاساسية التي تعامل مادة اللوحة وبضمنها اللون باعتبارها اشتغالا على سطح مستو..

لقد انتقلت وظيفة اللون من كونه وسيلةً في الفن الانطباعي الى كونه هدفا اي (واقعة شيئية) مادية، تشكّل جوهرَ القدرة التعبيرية للرسم التجريدي.

اتخذ اللون عند سيروان باران، في تجاربه الأخيرة، وبالوانه الاكريليك بشكل خاص، اتخذ خصوصية اضافية حينما شكّل متجها فاعلا في بناء (موضوع) اللوحة من خلال تحديد مشخصاتها النهائية التي يحرص سيروان باران على ابرازها، فقد كان إنجاز لوحته يمر بثلاث مراحل، ففي مرحلتها الاولى، تنتهي بما كان ر. روجرز (في كتابه (الشعر والرسم))، يسميه (حقل متعرجات)، ويقصد روجرز بحقل المتعرجات هذا ان يبنى سطحُ اللوحة بطريقة فوضوية تنطوي على محفزات شكلية، او (مشاريع) اشكال تبنيها المخيلة من الآثار التي توجدها طوبوغرافية (جغرافية) اللون (اي البقع الداكنة والفاتحة للالوان) وهي الالية نفسها التي اتبعها رسام الكهوف الحجرية حين كان  يكمل نتوءات سطوح الكهف ليرسم اشكال الحيوانات التي تستوطن ذاكرة رجل الكهف، والتي تخالف احيانا كثيرة؛ منطق الاشكال التي يرسمها، بسبب النتوءات التي يفرضها الجدار، وهي نفس الالية التي يتبعها ايضا الناظرُ في: خلق اوهامه البصرية، و(اكتشاف) الاشكال المشخّصة في السطوح والجدران الرثة، وفي اكتشاف اشكال الحيوانات التي تسبح داخل الغيوم التي تسوقها الرياح؛ فكانت الاشكال تنبثق من الطبقة الاولى (الغائرة) للالوان وهي تشكّل (العماء اللوني) او (الفوضى اللونية) او (الكاسحات اللونية) (color storm)  التي يضعها باران لتحثه على انجاز المرحلة الثانية التي تتمثل برسم خارطة تماثل مساحات المحيطات في خارطة الارض حينما تقوم بـ(تحديد) اشكال اليابسة: القارات والجزر، وتكون تلك الخارطة باهتة اللون حيث يدخل اللون الابيض بفاعلية في تركيبها مقارنة بطبقة (الفوضى اللونية)، وهذه الخارطة الباهتة احادية اللون تشكّل المحيط الكفافي للاشكال، وترسم حدودَ اشكال المشخصات وتبرز اشباح: الاشكال البشرية، والحيوانية، والمناضد، والكراسي، وهي التي تهيئ للانتقال الى المرحلة الثالثة (الكاليغرافية الخطوطية) التي تتكون من خطوط سوداء تبرز التفاصيل التي تشكل بقايا (البعد الثالث) المتخلف عن المرحلة الاكاديمية حيث تبرز تلك الخطوط تفاصيل الايدي، والاصابع، والاحذية السوداء التي يرتديها الشخوص، واشكال العيون، وتفاصيل الوجه الاخرى، وذيول الحيوانات، وارجل الكراسي، والمناضد.. وغيرها من التفاصيل التي لم تنجح الطبقةُ الثانية احادية اللون من تحديدها بشكل كاف.

 

3

لقد كانت (قوانين) الرسم الاكاديمي الانطباعي كالتشريح والمنظور هي التي تحرك وتقود توازن الاشكال في لوحات سيروان باران وكانت تقودها كذلك (منطقية) الالوان استنادا الى وجودها في الطبيعة، بينما لا تحددها الان سوى الذائقة الشخصية للرسام فيكون توازن الاشكال توازنا قلقا ومقلقا وغير تقليدي مطلقا..

4

يبدو سيروان باران مغرقا بإنتاج الدلالات الايروتيكية ذات السمات الحيوانية الشاذة حيث ينطلق حيوان الرغبة في لوحته مثل فورانات البراكين مخترقا فضاء اللوحة باحثا عن اهداف خبيئة حتى دون وجود فاعل (آخر)، وهي فورانات غير مستعدة، بل وغير قابلة للتدجين فلا خيار لها سوى البحث عن ذلك الاخر لالتهامه واختراقه، انها اجواء مسكونة بالصرخات المفجوعة، ومشابهة لاجواء الرعب التي كانت تحيط بمشخصات الرسامَين الراحلَين: ارداش كاكافيان وليزا فتاح الترك..

 

5

  ما جلب اهتمامي في تجارب سيروان باران في السنوات الأخيرة، بقاءُ واحدةٍ من اشارات الوفاء للرسم الاكاديمي الانطباعي، وهي الثقة العالية بالقدرة التعبيرية للون وبالتالي الاقتصار على امكاناته وحدها في بناء لوحته الجديدة، كذلك كانت اهم الاشارات السرية في الوفاء للرسام فائق حسن بقاء اثار ضربة اللون الحمراء التي اشتهر بإضافتها الرسام فائق حسن في مركز لوحته..       

    

الأربعاء، 13 يوليو 2022




















 

الرسامة يسرا العبادي

اللوحة سطح (مطلي) بذكريات الطفولة

خالد خضير الصالحي

 كتبت مرة بان "مارك شاغال" كان يعرّف الرسم بأنه: "سطح (مطلي) بقصص الأنبياء!"، بينما أجد ان عددا من الرسامين يعرفونه (عمليا) بأنه "سطح مطلي بذكريات الطفولة"، او هو الواقعة التي تحدث فيها درجة (التشبع) بسحر الطفولة، ومن هؤلاء الرسامة العراقية يسرا العبادي التي هي موضوع مقالنا هذا.  

ان المعمار السرّي لأعمال يسرا العبادي يتشكل كل مرة بطريقة تتبع الحكايات الشعبية التي تستمد منها الرسامة اعمالها بكل ما تستعير منها من: اماكن، وملامح، وابطال؛ مما يجعل أولى مهمات التلقي تكمن في فك شفرات اللوحة ارتباطا بالسرديات التي انتجتها، وقد لا نجد فيها أحيانا هذا الترابط بيسر، كونها قد تكون ابتعدت عنا زمنا؛ فاكتست بمغايرة ثقافية في عصر فقدت فيه الحكايات الشعبية صدارتها في تشكيل الوعي الثقافي الأول في الطفولة؛ فصارت خارج اهتمام ثقافتنا التكنولوجية الان، ولكن، وعلى العكس من ذلك، بقيت يسرا العبادي وفيّة لمصادرها الثقافية الاولى.

يلمس متلقّي أعمال يسرا العبادي توجّها ثابتا نحو مصادر الفن التي صارت (منبوذة) بفعل التحولات الحياتية المعتمدة على التكنولوجيا في كل تفاصيلها؛ فتراجعت مصادر الثقافة التي قد يعتبرها البعضُ (بدائيةً)، و(مختلفة) عنا، فأثبتت العبادي ان تلك المصادر الثقافية تشكل دروساً، ومصادر فن حيوي لا ينضب. وان الحلول التي يقترحها هذا النمطُ (البدائي) من الفن، هي في حقيقتها حلول مليئة بالمهارة والبراعةً مقارنة بالأساليب التقليدية (المدرسية) في الرسم، فتمتزج مكونات العالم عند يسرا العبادي ليؤلف وحدة واحدة تتشكل من: الإنسان، والشجر، والنهر، وكل الموجودات، التي تتقاسم الوجود بينها بدرجة متساوية الأهمية، فكانت تنظر باحترام لكل موجودات العالم، فتبدو مؤمنة بان الوظيفة التقليدية للفن لم تعد كما كانت انتاجا لخطوط جميلة، وألوانٍ متناسقة، بل وتشكل عودة إلى الروح، اكثر مما تتوجه إلى عين الرائي، لأنها لغةٌ، وطريقٌ متفردة نحو المعرفة، وأداةُ تواصلٍ من ارقى الأدوات، وليست لغة تليق بالأميين، كما يعتقد بعض المؤمنين المتزمتين بالعلم طريقا وحيدة للمعرفة، وكما قال جان دوبوفيه مرة: "إنّ الرسمَ: لغةٌ أغنى بكثير من لغة الألفاظ والكلمات. وليس من المجدي والنافع أن نبحث للفن عن أسباب أخرى تبرّر وجوده... ولغةٌ مباشرة أكثر من لغة الكلمات المكتوبة، ويحمل دلالات أعمق من لغة الكلمات... فإشارات الرسم هي الأقرب الى الأشياء نفسها... ووسيلة للتعبير عن أصواتنا الباطنية".

 

ان الرسم عند يسرا العبادي، إضافة لجوهره المادي الشيئي، يتخذ صفة (سردية) تتحول بطريقة مستمرة الى خزين بصري يمكن تسميته بالمتحف الشخصي البَصَري، الذي يضم في جنباته مخزونا هائلا من صورٍ تشكل (المستودع الشكلي) للوعي الجمالي.. وهذا الخزين الشكلي يرافقه، بل ويمتزج معه، مستودع اخر لا يقل أهمية عن المتحف البصري، وهو (المدونة السردية) التي تضم حكايات الطفولة وأساطيرها ليتم تحويلها الى واقعة مادية شيئية حيث يتم تقطيرها الى (مادة) لونية وشكلية من: ألوان، وأشكال، ومواد مضافة، وتجارب تقنية..

لا تكتفي يسرا العبادي من عالم الطفولة بحكاياتها فقط، وإنما هي تستعير اجواءها من مصادر شتى، تستعير من (قوانين) الرسم وآلياته، ومن أشكال رسوم الأطفال، بما فيها تقنياتها اللونية الطفولية، وقوانينها التشريحية التي لا تكترث بالقوانين التي تواطأت عليها مدارس الرسم، وهي مغرمة بهيمنة الخط الذي هو اهم عناصر رسوم الأطفال، فتشكل قوة الوجود الخطي وحدة أساسية لبناء العمل الفني، إضافة لعنايتها بشفافية ألوانها، واجوائها الزاهيةً التي تُدخل المتلقي الى أجواء ينغمس في عوالمها الطفولية، متشبعا بسحرها الذي لا يمكن مقاومته.. كما شكلت الحكايات الشعبية والقصص الحكواتية لمناطق الفرات الأوسط والجنوب العراقي المعين الأكبر لتجربة يسرا العبادي، وهي موضوعات كانت الرسامة تدور في فلكها، بطريقة لا تعرف الكلل، وتغترف منها اعمالها، وربما تتشكل منها تلك الحكايات المناسبة الأهم، بل الذريعة الأقوى لوضع الألوان على سطح اللوحة، مما يجعل اعمالها وحدة ومثالا نموذجيا لالتحام الموضوعات بالمادة لتتشكل واقعة شيئية تنطوي على كل ما ذكرناه من عناصر تنصهر في الواقعة البصرية؛ لذا لا يمكن للمتلقي ان يجزم هل ان عشقها للون هو الذي أنتج كل هذه المضامين، او ان مدونتها السردية والقصص الطفولية والشعبية هي التي افرزت كل هذه الاشكال ذات الصفة الجمالية.

تبدو لنا اعمال يسرا العبادي نماذج مختلفة عن السائد، ومتفردة في جعل الموضوع مناسبةً لكل الاشتغالات الانزياحية: سواء في السرد باتجاه مزيد من الخيال، اوفي التقنية  لتمييز المادة الفنية عما يماثلها من المادة التي نصادفها في الواقع المعيش: سواء وجدناها على الجدران، او ربما في صفحات دفاتر الطلبة الصغار، وربما في البسط،  والسجاجيد، وفي المدات التي تصنعها نساء الفرات الأوسط، فتدفع المتلقي الى أسئلة جوهرية وهو يشاهد اعمالها، واهم تلك الأسئلة: ما الذي تعنيه هذه الاعمال؟، وكيف انجزت الرسامة اعمالها؟، وما هي مصادرها التي تشكل رؤيتها السردية والشكلية.

يهيمن اللون الأخضر على اعمال الرسامة يسرا العبادي؛ فيشكل مهادا اوليا، وفرشة تنمو داخلها اعمالها، فقد هيمن ذلك اللون باعتباره أساس الانقطاعات والتواصلات الشكلية في اعمال هذه الرسامة.

تبدو الرسامة العبادي وكانها تعيد إنتاج مسرح من مسارح الدمى التي كان مغرما بها الرسامون: خوان ميرو، و جان دوبوفيه، ومارك شاغال؛ وشكلت هذه الدمى عندها المشخّصات التي صارت حقلا لتجاربها اللونية والشكلية؛ فقبعت تلك المشخّصات مرة خلف غلالات اللون، وذاب اللون في مشخّصاتها حتى انتهى إلى لون اخضر أحادي بكل درجاته التي تتباين حينا، وتداخل، وتمتزج حينا اخر؛ فتتشكل سحنات لونية رقيقة، يتراءى بعضها خلف بعض، بينما يقوم الخط بتحديد أشكال المشخصات بخط خارجي يعزل كل شكل عما يجاوره بعناية وحذق؛ وبذلك تتخلق واقعتان ماديتان بصريتان مستقلتان، ومتواشجتان معا، واقعة لونية تشكلها السحنات المتراكبة على بعضها، وواقعة خطي تشكلها الخطوطُ والبقع المتناثرةُ التي توحي في أحيان كثيرة بالحركة، وتؤطر كلُّ تلك العناصر اشكالَ الدمى الطفولية التي هي المناسبة الأهم لاختبار جمالية اللون الأخضر وإبراز طاقته التعبيرية.

يسرى العبادي 

بكالوريوس فنون جميلة/رسم

عضو جمعية الشكيليين العراقيين

عضو نقابة الفنانين العراقيين

عضو شبكة الفنانين المهاجرين في الاتحاد الأوربي 

 

المعارض الشخصية:

_معرض اشراقات عام 2000 في دار أفق / بغداد

_معرض الاشراقات عام2002 في قاعة ألمرأة المستقلة /بغداد

_معرض هاجس مدينة عام2009 في قاعة حوار/ بغداد

_معرض شبابيك الذاكرة عام 2012 في دار الباندا /عمان

_معرض ديوان طفولة عام2013 في قاعة حوار/ بغداد

معرض الف شمس وشمس عام2013 في المعهد الثقافي الفرنسي /بغداد

المعارض المشتركة:

_معرض الفن المعاصر العرقي عام 2016/فرنسا

_معرض رسامون عراقيون عام2016 /الكويت

_معرض فيض عراقي عام ٢٠١٧ / الكويت

_معرض تشكيليون عراقين عام 2019/اميركا

معرض Art hub عام 2019/ ابو ظبي

_معرض بابل في قلب فرنسا عام2019/اميركا

_معرض حريات عام 2019 في المعهد الثقافي الفرنسي / بغداد

ألمشاركة في ورشة عمل فنية لاهم الفنانين التشكيليين العالميين سنة ٢٠٢٠

ألمشاركة في ورشة عمل فنية لاهم الفنانين التشكيليين العالميين سنة ٢٠٢٠

معرض فضاءات ملونة في الرياض سنة ٢٠٢١

 

السبت، 11 يونيو 2022

 معرض النحات محمود العبيدي

 

الحرب .. نموذجا إستعاريا

من الخراب المادي الى الخرب المفاهيمي

 

 

                                                             خالد خضير الصالحي

 

 
















































يمكن اعتبار تجربة النحات محمود العبيدي التي قدمها في معرض (فتات) جزءا من توجه عريض من تقنيات فن (تقنيات الخراب Ruins Technique ) الذي نظرت فيه الرسامة الدكتورة هناء مال الله باعتباره فن مرحلة ما بعد الدمار العراقي، والذي برأيها يشكّل تقنيات الخراب بما فيها من حرق وتدمير وإزالة للمادة الخام واسباغ مظهر الاسى الذي تبثه، والتي صنفتها تحت مصطلح (تقنيات الخراب)، هذه التقنيات التي امتلكت وجودها كتمثيل لوجه الحرب البشع، سواء عبر تقديم فكرة الحرب والخراب بطريقة مباشرة، او عبر انزياحات مفاهيمية كما قدمها النحاتان احمد البحراني او محمود العبيدي في معرضه هذا، او عبر استغلال جوهر عمليات التدمير للمادة الخام كما فعل رسامو جيل الثمانينيات في اعمالهم لتبليغ (بث) مفهوم الحرب، بغض النظر عن موقع حدوثها الجغرافي، ومفهومها السياسي.

يقوم معرض (فتات) للنحات العراقي محمود العبيدي الذي اقيم في قطر على الاستعارة (كولاج) جوهرا لبناء تجربته، باعتبارها الية لاندماج الصور، ولخلق تنافرها معا امعانا في الخراب المفاهيمي للانساق التي تم التواطئ عليها اجتماعيا واقرارها، وتحديدا باعتبارها عملية اندماج حقلين صوريين، وما ينتج منهما من تفاعل يسمى (التشاكل الصوري)، وهي الية ادركها، وطبقها بعمق، ثلاثة من اكبر مبدعي السوريالية، هم: سلفادور دالي،ورينيه ماكريت، وماكس ارنست، حينما كان هؤلاء يجرون عمليات جمع مبالغ فيها بين حقلين صوريين وبشكل غرائبي احيانا، اتذكر زرافة ماكس ارنست التي تستقر في كاس الوسكي، ومن المعروف في اسرار البلاغة ان الحقلين الصوريين المكونين للاستعارة  اذا كانا متماثلين فان الصورة او الاستعارة الناشئة منهما تكون باهتة ولا حياة فيها، وهو ما ادركه العديد من الرسامين، والنحاتين وبدؤوا الاشتغال عليه، ومنهم النحاتان: احمد البحراني في معرضه (ماذا لو) الذي اقامه هذا العام، ومحمود العبيدي في معرضه هذا الذي اقامه في (قطر)، حينما كان هذا النحات يقوم بقسر صورتين، نموذجين ما ديين او مفاهيميين، على التعايش القسري معا.

لقد كان المنظٌر الرسام شاكر حسن ال سعيد أحيانا يصف آلياته في التأليف بأنها (كولاجية)، لأنه يقوم فيها بإعادة جمع مقالاته السابقة و(اعادة تأليفها) في كل مرة، وهو ما يمكن تعميمه على الاليات التوليفية التي ينتهجها محمود العبيدي، فيمكن تخيل عمله بأنه يتألف من مرحلتين منفصلتين ومتتامتين، مرحلة أولى تتضمن صنع النماذج المفردة: طائرة مقاتلة، وسيارة لاندروفر، ومجموعة تماثيل رافدينية منفردة ومتنوعة، ومرحلة ثانية: تتضمن خلق الانزياح الضروري للفن، الذي هو فنْ يتم بناؤه عبر خلق وقائع استعارية يتم انشاؤها من خلال جمع حقلين (صوريين): من حقل معاصر فيه طابع تكنولوجي معدني: طائرات، مصفحات، مع حقل اركولوجي بنسخه منحوتات عراقية قديمة طينية مفخورة في نماذجها الاولى، وتكون المنحوتة المركبة اما مربوطة بمسافة حيوية نتيجة تجاور المنحوتتين، وهي الية يفهمها جيدا ويوظفها السينمائيون، او ان يقوم النحات بربطها بطريقة ما قد تصل احيانا الى تكتيفها بحبال القنب كما قامت شياطين العالم الاسفل بربط تموز وسوقه الى العالم الاسفل، وبذلك تكون تقنية الخراب قد تعدت الاشتغال على المادة الى الاشتغال على توظيف خراب المفاهيم الذي خلفته الحروب التي وقعت في العراق.

نشرت في صحيفة المدى العراقية في 2016/11/26 (https://almadapaper.net/view.php?cat=160321).