الأحد، 31 أكتوبر 2010

النحات العراقي هيثم حسن ... يخلق أساطيره الجديدة بخرق التخوم


النحات العراقي هيثم حسن



يخلق أساطيره الجديدة بخرق التخوم


خالد خضير الصالحي



اقام النحات العراقي هيثم حسن، وبدعوة من جمعية النحاتيين الكنديين، معرضه الجديد (ميثولوجيا) في صالة مركز النحت الكندي في مدينة تورونتو الكندية أواسط تموز القادم، فقدم 24 عملا نحتيا...

                             *******

كتبنا عن تجربتي هيثم حسن السابقتين : تجربة البرونز ثم تجربة المانيكانات؛ فأكدنا إن القدرة الاستثنائية للنحات هيثم حسن على تلمسه جوهر المادة (=شيئيتها) جعله يدرك أن طاقة التعبير التي استثمرها في البرونز طيلة السنوات السابقة قد استنفدت وبالتالي قد شارفت لديه على نهايتها، وصار عليه أن يغيرها هي، لا أن يغير أشكاله أو تكنيكاته فيها، فشعر أن المادة الجديدة المؤهلة للتعبير عن (العري) الجميل يجب أن تقترن بعنصرين مفقودين في تجربته سابقا، ولا يتيحهما البرونز: اللون والضوء.

بينما أسس تجربة حشود المانيكانات مما يبدو وكأنها قالب واحد صنع لينتج جيشا لا حدود له من المانيكانات التي يجري عليها آخر اللمسات التي تعطيها دفق تنوعها الذي يكفل أن لا يكون المعرض وكأنه منحوتة واحدة، كما كان شعوره بالعري الفاضح قد دفعه الى شتى الإجراءات الكابحة التي كان يجريها على كل منحوتة من تداخلات جراحية تجريدية تقتطع أجزاء من الجسد في عملية كبح، ربما لا واعية، للعري الداعر الذي يشعره في منحوتاته ربما بسبب امتلاء أجسادها.

                                        *******

قد يقرأ البعض عناوين منحوتات المعرض الأخير للنحات العراقي هيثم حسن دلالة لاشك فيها على توظيف الأسطورة في أعماله النحتية؛ إلا أننا نعتقد ان النحات، في هذا، يخلق أساطيره الجديدة في النحت العراقي حينما يخرق التخوم، او المياه الإقليمية بين النحت والرسم، ففي بحث استغرق محاولاته الأخيرة، حقق هيثم حسن ثلاثة خروقات مهمة أعانته في مسعاه هذا، وحققت له قطيعة واضحة (ضمن) النحت العراقي : الأول إبداله المواد التقليدية للنحت، والتوجه نحو مواد جديدة كل الجدة في النحت العراقي؛ فلم يعد الطين او البرونز او الخشب، المادة التي ينحت منها هيثم حسن أعماله؛ فقد حسم أمره، وهاهو الآن يستخدم ما يشاء من المواد المطاوعة التي تسع حريته، وتتقبل السبب الثاني، وهو إدخال اللون عنصرا بنائيا في منحوتاته، وليس كما كان يجري، بشكل تزييني، في بعض محاولات التلوين في النحت العراقي سابقا، ومن هاتين الآليتين الحداثيتين استطاع هيثم حسن إعادة النحت، او الأدق الفن التشكيلي، الى عصور وحدته الشكلية، حينما كانت (اللوحة-المنحوتة) ملونة ومجسمة في الوقت ذاته، وثالث الخروقات ان مشخصاته لم منفردة، ومعزولة، فلم يعد يحيطها الفراغ فقط من كل جهة، بل صارت، قبل ان يحيطها الفراغ، جزءا من عمل تشكله أحيانا مشخصات أخرى تتقاسم مع بطل المنحوتة الحيز، وأحيانا يتقاسم هؤلاء الاثنان الفضاء مع خلفية تسكنها : الأرقام، والخطوط، والآثار التي تركها الآخرون، وبذلك فهو يخلق أساطيره حينما يحاول ان يحول الحكاية، بتمظهراتها الشفاهية، والمدونة الى نص بصريّ، نص من العسير قراءته ولكن من العسير كذلك نكران الاعتراف بوجوده... نص اكتمل بوجوده تحول المنحوتة عمليا الى لوحة مجسمة، من خلال ممارسته (الرسم) على أجساد المنحوتات، او الرسم على جدار ليس تام التسطيح تستند عليه المنحوتة محملا إياه ما شاء من الكتابات غير المقروءة، بمعنى أنها لا تشكل نصا ذا معنى، وتكتفي فقط بوجودها البلاستيكي الشيئي، وبذلك تتحول المنحوتة الى لوحة غير مسطحة تستجيب لكل ما يعتقده هيثم حسن جزءا من فاعلية الرسم؛ فكان الاختلاف الأهم بين تجربة المانيكانات والتجربة الأخيرة، ان اللون في الأولى كان يبدو نابعا من المادة الأصلية للمادة بينما تنفتح الآن على تقنية أخرى من خلال اللون الخارجي الذي ينبع من اللون المضاف، لكنه لم يزل تواقا لاستثمار سحر وهيمنة الألوان وتأثيرها على المتلقي، من خلال استخدام اللون مؤثرا دراميا ودلاليا بترك النحات الألوان تقول ما تريد..
وهذا هو التحول الأهم الذي ادخله النحات هيثم حسن ضمن معرضه هذا؛ فشكل برأينا جوهر أسطورة النحت عند هيثم حسن..


 

الأربعاء، 27 أكتوبر 2010

الرسامة الأردنية هيلدا حياري في تجربتها الأخيرة...

من
الإيقاع الداخلي..  الى الحركة العاصفة

خالد خضير الصالحي





العــراق ... البـصرة

قضت الرسامة الأردنية هيلدا حياري ردحا من تجربتها وهي ترسم، وتعيد رسم كواكبها الدائرية، والدوارة على بعضها، سنوات طوال، فكانت لوحاتها سماوات مرقشة بالكواكب والمجرات، أو جلودا منمشة تملؤها البثور، بيد ان رياح التغيير كانت تهبّ بشكل وئيد وغير محسوس، فجاءت تلك التحولات الأخيرة لتؤكد أنها كانت تتحرك في أفق يمكن قراءته من وجهين : وجه ضيق يحصر تجربتها في ان تكون اشتغالا على عدد محدود من عناصر اللوحة : اللون والتكوين، ووجه آخر يتبين حينما ننظر الى الموضوع من زاوية أكثر إشراقا حينما نراها عناصرَ لا حدود لمديات اشتغالها، فتبدو حينئذ تجربتها الأخيرة متميزة بنمط من خلخلة عناصر التجربة في مسعى حثيث لآفاق جديدة تتمثل في إنزياحات عناصرها السابقة، فكانت الحياري سادرة في الاشتغال على ذات الوحدات الصغيرة في كل لوحة مزحزحة إياها نحو سيرورات أخرى.


تشتغل هيلدا حياري على مرجعيات بصرية، قد تكون خفية حينا أو تحاول الرسامة إخفاءها، شانها شان كل المبدعين، فكانت تلك المرجعيات تظهر رأسها خلسة أو مواربة ولكنها يمكن ان تتبين معالمها عارية تحت الفحص المتمعن لنرى فيها ما ترسمه الطبيعة بكل تقلبات عناصرها، وألوانها : والأرض، والتراب.. وتحولاتهما؛ فكانت الطبيعة تدهشها الى درجة قصوى، وكانت الكثير من أعمالها ليست إلا تكثيفا لرؤيتها للعالم وما يدور حولها من وقائع بصرية، كما كان لها معين آخر غير معرّض للنضوب هو خيالها الجامح الذي كانت تتلمس فيه دوافع لا تقاوم لإعادة إنتاج كل تلك المرجعيات البصرية... وهو ما يسميه الناقد والتشكيلي السوري طلال معلا (التفكير البصري) الذي "سعت إليه (الرسامة) متحالفة مع تقنيات توّصف مجمل أعمالها.... بصور لها طاقتها ووعيها الداخلي.." ويصفه معلة بأنه كامن في اللاوعي كـ(مساحات الاشتغال في الكهوف الأولى) وبذلك لا تعدو اللوحة عند هيلدا حياري ميدانا سرديا بل واقعة شيئية مادية بصرية.
كانت التجربة الأخيرة للرسامة هيلدا حياري تعتمد الأشكال التي تصنعها الألوان، ومحيطاتها (الكفافية)، وما زالت تعتمد الستراتيج ذاته حتى الآن، ولكنها اليوم مازجت معها نمطا من الحركة الخارجية ففي حين كانت الحركة في معارضها السابقة حركة وئيدة وداخلية صارت أشكالها تبدو وكأنها منجرفة بقوة عارمة في إعصار يكتسح معه كل شيء .. وكأننا أمام نمطين من الشعر : أمام نمط ذا موسيقى صادحة مارشية ذات قافية رنانة، ونمط آخر ذا إيقاع داخلي يستشعره القارئ ولكنه عصي على التبيين اللغوي والإمساك العقلي... فكـأن ما يقوله الناقد البريطاني هربرت ريد بأن "الفن كله تطور لعلاقات شكلية"، ينطبق على هيلدا حياري في كل مراحل تحولاتها الفنية أكثر مما ينطبق على غيرها، فهي من أولئك الرسامين الذين لا تعني اللوحة عندهم غير ان تكون مشروعا لعلاقات بصرية شكلية، او لونية ذات محيطات (كفافية) تولّد أشكالا غير مشخصة لا حصر لها؛ فكان المتلقون، وحتى النقاد، يحارون في ابتداع مرجعيات تشخيصية يستلها خيالهم من الواقع المعيش أحيانا، ومن المحيط، بمعناه الوجودي الواسع أحيانا أخرى، فمنهم من قال أنها " صياغة مفتوحة الأفق بمستوى جمالي شاعري تغيب عنه الدلالات الرمزية طواعية .. بما لا تسمح به حساسية فنانة مفتونة بتلقائيتها وبانجذابها لخلاصات أشكال وضربات لونية تؤكد حضور ترددات إيقاعية عالية .. ودرجات ضوئية متضادة وحينا آخر متجانسة ..."، ومنهم من رأى أنها" لم تبتعد في تصميم جداريتها عن أيقوناتها الأثيرة السابحة في ماء الحياة بل أضافت خطوطا رمزية وأشكال (كذا) تشبه صور (كذا) اختزالية للبشر تلك الصور التي تملا لوحتها بالصخب والحركة والألوان ... نسيح في تفاصيل لوحة هيلدا كما لو كنا نقرا ذواتنا ليست الألوان فيها سوى الأفكار التي تؤرقنا أو هي النار التي تحرقنا ... أما الكائنات الصغيرة البيضاء والحمراء المؤثثة للفوضى والنظام في آن واحد .. فهي نحن قبل أن نتخلق بشرا إنها الصورة الأولى لحيواتنا ربما تريد هيلدا أن تثبت عقارب الزمن عند سور الطفولة وطقس العبث ..."، واخرون قالوا ان " لو حة هيلدا حياري هي نواة الشكل الأول حينما تعود إلى الأصل ... لوحة تخرج اللاوعي بتكويناته البدائية إنما المصقولة فهي تطلق كائناتها أو حيواتها التي غابت في زحمة الوعي عن الحضور .... كائنات بدئية ملونة وراقصة تفتش عن روح جديدة للوحة الصادرة عن اللاوعي ومهارة الوعي التشكيلية وبين هذا وذاك تفتيش عن الولادة الجديدة" ويقترح اخر ان نتخذ "الانتباه الى ما تقترحه علينا في لوحاتها الجديدة من إنتقالة فذة، حيث هذا الانفجار اللوني الأخاذ، والشكل الذي يواصل تحرره في علاقات بالغة الاختلاف عما كانت في أعمالها السابقة. كأن ثمة شعور بأن للون قد بلغ درجة متقدمة من النضج، بحيث يقدر على قيادة تقنية اللوحة أكثر مما كان يفعل الشكل في السابق. اللون هنا صار هو ما يخلق الشكل ويحرره في آن. هنا سيشعر المشاهد بأن حساسية الطاقة البصرية (التي تعيد هيلدا اكتشافها الآن في الفيديو آرت) ضاعفت لديها وعي حريات اللون بوصفها عنصر الفعل الأول في مرحلتها الجديدة".... وهؤلاء في كل ما قالوا، فإنهم إنما يلتمسون الأعذار لأنفسهم من اجل اقتراح مقاربة للتلقي تنسجم وذائقتهم وفهمهم لـ(دور) العمل الفني و(أهدافه)، ولكن لوحة هيلدا حياري تبقى، برأينا، نموذجا لعلاقات شكلية (مادية، شيئية، متيريالية) هي في حقيقتها تمثل الجوهر الحقيقي للرسم الذي يبدأ وينتهي مادةً توضع على سطح، بعد ان يتم التعامل معها بشكل خلاق.








الرسام صدر الدين أمين يؤسس تجربته من تواشج بساطات ثلاث: شكلية ومادية وتقنية

نسق فني
        (خارج ثقافي
                 the outsider art)





خالد خضير الصالحي
مثلما اجمع النقاد عندنا على ان (التعبير عن الروح المحلية) او الفولكلور العراقي هو جوهر تجربة الرسام فيصل لعيبي، لم يكن صدر الدين أمين، الفنان العراقي المغترب ليخرج كذلك عن توصيف اجمع غالبية النقاد عليه، حينما كانوا يصفونه بأنه فنان بدائي، لكن ما يثير الغرابة حقا أنهم لم يكونوا يكترثون إلى أهمية تبرير حكمهم، فلم يعرض اغلبهم أسباب مسلّمتهم هذه، وكان ذلك راجع على الأغلب بسبب ما يرونه من درجة الهوس التي كان يبديها الرسام صدر الدين أمين بالمحيط، والبيئة، وموجوداتهما من الكائنات التي يتخذها وسيلة بصرية بهدف الكشف عن المعطيات الجمالية الكامنة في ثنايا الكيان المحيطي
بصفته موضوعه الأثير وربما الوحيد، بينما تشكل لقى ذلك المحيط بوابة الفنان إليه، وهي بوابة ذات اتجاه نسغي ارتدادي، يبدأ من ذات الفنان نحو لقى المحيط، ويعود إليها؛ مما يؤكد اعتبار تجربته واحدة من التجارب التعبيرية ــ التجريدية العراقية التي تستلهم المحيط، وتحاول أن تَسِمَ ما تضمه من لقى المحيط بالقناعات الشكلية التي يؤمن الرسام صدر الدين أمين بها، والتي يبني وفقها منظومته الشكلية، ففي الوقت الذي آمنت فيه أعداد غفيرة من الرسامين العراقيين ان موضوع اشتغالها مستحثات الجدران العتيقة، فاتجهوا إلى تلك الجدران يستقرئون مستحثاتها الشكلية في السطوح التي يستنطقونها، ويجرون بحوثهم الأركولوجية عليها؛ لاكتشاف كوامنها الإشارية والعلاماتية، ومعالجة نسيجها، وإجراء تجاربهم عليها، باعتبارها مقطعا عرضيا، او شريحة نسيجية تحمل واقع الحياة الإنسانية في اصغر تفصيلاتها، من خلال اكتشاف مخلفاتها التي تشكل أثرا لمرور إنساني ترك إشارته على سطح المحيط: كتاباتٍ وآثاراً وحزوزا، ولكن صدر الدين أمين لم يرغب في تتبع آثار أولئك الرسامين وسواهم، فاتجه متجها داخليا حينما بدا يملأ سطح لوحته بكل ما حملت ذاكرته من كائنات عايشها طويلا؛ فاندغمت؛ وصارت جزءا من وعيه بالشكل في تداخله مع الطبيعة؛ فظهرت لوحته وهي تضم حشدا خليطا من البشر الذين يرتدي بعضهم أقنعة، ويضع بعضهم قروناً كما كان القدماء يرسمون السحرة على شكل شامانات، او حيوانات خرافية تمتزج أشكالها بحشود لا حصر لتنوعها من: اسماك، وقطط، وثعابين، وسلاحف، وطيور، و أقمار، ونجوم، وشموس، ونباتات، وزواحف، وأشجار، وورود في كرنفالات تشترك فيها كل هذه الجموع، لتمثل هذه الحكايات والأساطير معينا أساسيا في تشكيل البنية الثقافية المستمدة من الميثولوجيا الشعبية لمناطق الغابات الجبلية في العراق والتي أعاد صدر الدين أمين صياغتها من خلال فن عالي التقنية والصياغة البنائية.


كانت موضوعاته مليئة بالتماعات البراءة وسلطتها على الأشياء، غير عابئة بردود الفعل حول مدى التوافق بين تصوراتها وبين حقيقية تلك الأشياء، فمهما تكون الفكرة (ساذجة) بمعنى فطرية، او بمعنى أدق ان تكون خارج النسق الفكري (الحضاري) المهيمن؛ فإنها تشكل جوهرا رفيعا وحرا للمخيلة، نعده من مكملات الوعي (العقلاني).
فكانت الحكايات والخرافات والمعجزات والسحر تعبيرا عن حلم الإنسان وعن هدفه العظيم وكانت تلك الفنون (الخارج ثقافية) ” نمطا من الجمال النابع من السجية التي لم تشوهها الأحداث والنظريات وتقنيات الثقافة فتدثرت بدثار البساطة والعمق” فكانت هذه التجارب الفطرية متجاوزة لكل القيم المقبولة والمحظورة معا فيما يخص القواعد التي تموضع عليها الفن الرسمي المنتمي إلى قيم الثقافة؛ فكانت تسحر بموادها وتقنياتها وأشكالها المتجاوزة، وكانت فنونا تضرب بجذورها في عمق اللاوعي الجمعي البشري والفنون ( البدائية) والشعبية وفنون الأطفال والمرضى العقليين وقبلها فن الكهوف وفن الأقوام (غير المتحضرة) وهي كلها تستمد قيمها من البساطة الشكلية والمادية والتقنية في (نسق قيمي) تحتل فيه هذه البساطات الثلاث المرتكز الأساس من خلال تواشجها مع بعضها دونما انفكاك، ودونما قواعد مفروضة خارج هذه البساطات الشيئية.
يبدو ان قناعة صدر الدين أمين كانت تتجه في منجزه الأخير نحو تكريس إشارات المحيط باعتبارها أيقونات، على تنوعاتها الشكلية ومكونات أساسية في بناء العمل الفني؛ لأنه لم يكن يهدف إلى استضافة (المرجع) ليستنسخه بأية درجة كانت من التفاصيل على سطح اللوحة؛ فنسخ الشكل لم يكن من أهدافه بل “ترجمة الإدراك فنياً، أي تدمير المحيط نفسه لصالح ولادته الجديدة على سطوح التصوير”، وهو وعي يضمن تحرر منجزه المتحقق من خلال تشفير وتحوير أشكال المرئيات، فهو بالمقابل يؤسس نظاما تحكمه قوانين اللوحة أكثر مما تحكمه قوانين الواقع، فلم يكن يكترث لأية مركزية شكلية؛ فهو لا يحاول ان يقنن تدفق الأشكال الذي ينهي أية فاعلية للقوانين الاقليدية للمكان، ورغم ان صدر الدين أمين كان ينشئ نصا دونما مركز إلا انه حينما يترك كائناته تسيح على سطح اللوحة دونما ضوابط كان يدرّع أشكالها (البسيطة) فكانت تحاول عزل نفسها شكليا لتتخذ شكل (خلايا) مغلفة بجدار سميك أسود مغلق يعزلها عن العالم الخارجي المليء بالكائنات الأخرى التي ربما كانت تتصف بالعدائية، وبقدرتها على التهام بعضها بعضاً دون وجود ذلك الجدار، ربما هو إجراء دفاعي من الرسام ذاته بهدف تحصين أشكاله وعزلها قيميا من خلال عزلها شكليا عن المحيط، خوف ضياعها في هذا الخضم الهائل من الأشكال السابحة على سطح اللوحة كما تسبح الحجيرات في سائل موضوع تحت المعاينة المجهرية، انه حقل مترامي الأطراف من أشكال مشخصة تؤكد نزوعها والأدق تؤكد نزوع الشكل نحو أزله العلاماتي، الأشد بساطة من الناحية الشكلية والذي يختزلها إلى نظام بعدي هو بشكل ما نظام أقل من بعدين، نظام يتجاوز الخط (كبعد واحد) ولكنه لا يصل إلي حالة التشكل فهو محاولة للعودة إلي الوجود الجيني للشكل أو (الوجود الحجيري) لشكل الكائنات فلا يعدو ان يكون شكل الطير هنا أكثر من شكل يشبه حرف (ي)، ولا تكون الشمس إلا دائرة يخرج منها الضوء بشكل خطوط قصيرة تستقر على محيطها وهكذا.
إن الانقطاع الواقع بين أشكال الرسام صدر الدين يجعلها تقصر فن الرسم على انطباعات بصرية مفردة، تحقق وحدة واندماجا يستحيل أن يحققها الأدب القادر على تحقيق تتابعات حكائية وبذلك ينتهي البعد الاستطرادي والبنية الخطية، فلا وجود لذلك النظام الأرسطوطاليسي في التتابع عند بناء اللوحة في هذه التجربة إنها بنية متشظية لا مركز لها حيث تتناثر الأشكال فيها لتملأ سطح الفراغ، ملونة ومحاطة بخط (حقيقي) سميك أسود، وكأننا أمام نص تعويذة تعود إلي أبجدية صورية غائرة في القدم، أمام نصوص لا يمكن فك معانيها لافتقارنا إلى معرفة قواعد أبجديتها، أو أمام صور رسمها عقل طفولي لم تلوثه الحضارة باكتشافاتها ومعارفها، فلم يزل يرسم بأسلوب (عين الطائر) حيث تظهر كل الموجودات معاً دون أن يحجب أي منها الآخر، وخلال منظور ذي بعدين تتخذ فيه الأشكال ما يرغبه الرسام او ما يفكر فيه لا ما يراه وهو الجوهر الذي بدأ به الرسم تاريخه وانتهى إليه.
تتواشج بنيتا اللون (=المادة)، والأشكال المنعزلة، والتقنيات المادية، في جوهر اللوحة التي يرسمها صدر الدين أمين، فرغم اتخاذ كل شكل وحدة قائمة بذاتها، إلا أن تواشجاً قد نشأ بينها وبين (السائل) الذي تسبح فيه وهو ما يمنحها وحدة شكلية نصية صورية دوّنها آلافٌ من البشر الذين مرّوا أمام كهف الرسام فسجلوا علاماتهم؛ وبذلك كانت أعمال الرسام مقاطع من جدران عشرات الكهوف الملونة بألوان زاهية ذات روح طفولية تلقي بظلالها على منجزه من الناحية التقنية أيضا.
يمتلك الفنان صدر الدين وعياً شكليا يمتلكه القليلون، وعيا جوهريا في تأسيس فهم فن الرسم على بنية (مكانية ــ صورية) أي طوبولوجية، وعيا بصريا جمع في ثنايا ذاكرته ذخيرة ضخمة من أشكال (عناصر) المحيط القابلة للاستيعاب، وتكوين الصورة وفق عملية انتقائية داخلية تخضع لعملية تحولية من الأسلبة الملازمة لكل حركات الفن باتجاه تكريس وجود الموضوعة الدالة التي تنطوي على الجوهر الشكلي الكامن في قلب الرؤية حيث ظل ذلك الجوهر كامنا رغم كل التحولات التي تبدو وكأنها ستنال من وجوده.
ان بساطة العناصر البنائية (العناصر الشيئية) للوحة صدر الدين أمين: الشكل والمادة والتقنية تذوب في (نسق قيمي)، هذه العناصر الثلاثة من خلال تواشجها مع بعضها دونما انفكاك، ودونما قواعد مفروضة خارج هذه البساطات الشيئية، تشكّل الطابع الأهم الذي يسم تجربة هذا الرسام بأنه رسام بدائي او فطري او برأينا فنان (خارج النسق الثقافي) لفن الرسم (the outsider art).

هيثم حسن يخلق أساطيره الجديدة بخرق التخوم

هيثم حسن يخلق أساطيره الجديدة بخرق التخوم






خالد خضير الصالحي


اقام النحات العراقي هيثم حسن، وبدعوة من جمعية النحاتيين الكنديين، معرضه الجديد (ميثولوجيا) في صالة مركز النحت الكندي في مدينة تورونتو الكندية أواسط تموز الماضي، فقدم 24 عملا نحتيا...

*******
كتبنا عن تجربتي هيثم حسن السابقتين : تجربة البرونز ثم تجربة المانيكانات؛ فأكدنا إن القدرة الاستثنائية للنحات هيثم حسن على تلمسه جوهر المادة (شيئيتها) جعله يدرك أن طاقة التعبير التي استثمرها في البرونز طيلة السنوات السابقة قد استنفدت وبالتالي قد شارفت لديه على نهايتها، وصار عليه أن يغيرها هي، لا أن يغير أشكاله أو تكنيكاته فيها، فشعر أن المادة الجديدة المؤهلة للتعبير عن (العري) الجميل يجب أن تقترن بعنصرين مفقودين في تجربته سابقا، ولا يتيحهما البرونز: اللون والضوء.

بينما أسس تجربة حشود المانيكانات مما يبدو وكأنها قالب واحد صنع لينتج جيشا لا حدود له من المانيكانات التي يجري عليها آخر اللمسات التي تعطيها دفق تنوعها الذي يكفل أن لا يكون المعرض وكأنه منحوتة واحدة، كما كان شعوره بالعري الفاضح قد دفعه الى شتى الإجراءات الكابحة التي كان يجريها على كل منحوتة من تداخلات جراحية تجريدية تقتطع أجزاء من الجسد في عملية كبح، ربما لا واعية، للعري الداعر الذي يشعره في منحوتاته ربما بسبب امتلاء أجسادها.

قد يقرأ البعض عناوين منحوتات المعرض الأخير للنحات العراقي هيثم حسن دلالة لاشك فيها على توظيف الأسطورة في أعماله النحتية؛ إلا أننا نعتقد ان النحات، في هذا، يخلق أساطيره الجديدة في النحت العراقي حينما يخرق التخوم، او المياه الإقليمية بين النحت والرسم، ففي بحث استغرق محاولاته الأخيرة، حقق هيثم حسن ثلاثة خروقات مهمة أعانته في مسعاه هذا، وحققت له قطيعة واضحة (ضمن) النحت العراقي : الأول إبداله المواد التقليدية للنحت، والتوجه نحو مواد جديدة كل الجدة في النحت العراقي؛ فلم يعد الطين او البرونز او الخشب، المادة التي ينحت منها هيثم حسن أعماله؛ فقد حسم أمره، وهاهو الآن يستخدم ما يشاء من المواد المطاوعة التي تسع حريته، وتتقبل السبب الثاني، وهو إدخال اللون عنصرا بنائيا في منحوتاته، وليس كما كان يجري، بشكل تزييني، في بعض محاولات التلوين في النحت العراقي سابقا، ومن هاتين الآليتين الحداثيتين استطاع هيثم حسن إعادة النحت، او الأدق الفن التشكيلي، الى عصور وحدته الشكلية، حينما كانت (اللوحة-المنحوتة) ملونة ومجسمة في الوقت ذاته، وثالث الخروقات ان مشخصاته لم منفردة، ومعزولة، فلم يعد يحيطها الفراغ فقط من كل جهة، بل صارت، قبل ان يحيطها الفراغ، جزءا من عمل تشكله أحيانا مشخصات أخرى تتقاسم مع بطل المنحوتة الحيز، وأحيانا يتقاسم هؤلاء الاثنان الفضاء مع خلفية تسكنها : الأرقام، والخطوط، والآثار التي تركها الآخرون، وبذلك فهو يخلق أساطيره حينما يحاول ان يحول الحكاية، بتمظهراتها الشفاهية، والمدونة الى نص بصريّ، نص من العسير قراءته ولكن من العسير كذلك نكران الاعتراف بوجوده... نص اكتمل بوجوده تحول المنحوتة عمليا الى لوحة مجسمة، من خلال ممارسته (الرسم) على أجساد المنحوتات، او الرسم على جدار ليس تام التسطيح تستند عليه المنحوتة محملا إياه ما شاء من الكتابات غير المقروءة، بمعنى أنها لا تشكل نصا ذا معنى، وتكتفي فقط بوجودها البلاستيكي الشيئي، وبذلك تتحول المنحوتة الى لوحة غير مسطحة تستجيب لكل ما يعتقده هيثم حسن جزءا من فاعلية الرسم؛ فكان الاختلاف الأهم بين تجربة المانيكانات والتجربة الأخيرة، ان اللون في الأولى كان يبدو نابعا من المادة الأصلية للمادة بينما تنفتح الآن على تقنية أخرى من خلال اللون الخارجي الذي ينبع من اللون المضاف، لكنه لم يزل تواقا لاستثمار سحر وهيمنة الألوان وتأثيرها على المتلقي، من خلال استخدام اللون مؤثرا دراميا ودلاليا بترك النحات الألوان تقول ما تريد..

وهذا هو التحول الأهم الذي ادخله النحات هيثم حسن ضمن معرضه هذا؛ فشكل برأينا جوهر أسطورة النحت عند هيثم حسن..

الثلاثاء، 2 فبراير 2010

الصورة في الشعر والرسم..

تشاكل صوري استعاري

(هاشم حنون ...تحولات الواقعة الشيئية) نموذجا




خالد خضير الصالحي

النصان: اللغوي والبصري حقلان مختلفان

نؤكد بدأ إيماننا بأن النصين: اللغوي والبصري حقلان مختلفان في وسائل التعبير وفي المقاربات النقدية، إلا ان لهما مشتركا عاما هو ثنائية الصورة بنمطيها: الصورة الشعرية بصفتها استعارة بصرية والصورة البصرية باعتبارها واقعة مجاز واستعارة بلاغية، وهي علاقة تتمحور بين طرفين هما: الصورة البصرية طرفا، والمجاز الشعري طرفا آخر باعتبارهما طرفي القضية، أو شكلي تمظهرهما، بين الصورة (بمعنى العلامة البصرية) وبين الصورة في اللغة المنطوقة، من خلال تعاكس مرآوي بين طرفي هذه الثنائية، وهذه الآلية كرس لها فرانكلين ر. روجرز كتابه (الشعر والرسم، بغداد، 1990) وكرس لها الكاتب العراقي شاكر لعيبي كتابه (بلاغة اللغة الايقونية...الصورة بوصفها بلاغة، سلسلة كتاب الصباح، بغداد، 2008) بعده، فكان اهتمامهما بها باعتبارها الآلية الأكثر فاعلية لدراسة (الصورة البصرية) و (الصورة الشعرية) من خلال عملية التشاكل الصوري بين مشخصات الواقع مع بعضها، وهي عملية تتضمن شيئا مما كان يفهم به بعض البلاغيين العرب للمجاز و(الصورة البصرية) بأنه "فكرة (المشابهة) بين دالين"، و"إقامة مماثلة بين أمرين أو أكثر اشتراكها في صفة أو أكثر بأداة لغرض مقصود"، وهي قد لا تختلف كثيرا عن فهم الصورة البصرية بأنها امتزاج بين (حقلين صوريين).

رؤية فرانكلين ر. روجرز يضع ر. روجرز لنفسه مدخلا من خلال التقسيم الذي نال قبولا متزايدا منذ أيام لسنغ وهو ان: الفن انطباعات بصرية بينما ينطوي الأدب على تتابعات حكائية، لينتهي إلى ان الاستعارة ظاهرة بصرية مكانية، وان منطقة التخوم بين فني الشعر والرسم هي الصورة:

الصورة الشعرية (في الأدب) ---------- الصورة البصرية (في الرسم)

ويثبت روجرز العديد من الشهادات التي تؤكد عمق الصلة بين الرسم والشعر في أدبيات مبدعي كلا الفنين:

هناك كتاب لهوراس عنوانه (الشعر هو التصوير)، "الرسم هو الشعر، وهو دائما يكتب على شكل قصيدة ذات قافية تشكيلية، وهو لا يكتب بالنثر أبدا" (بيكاسو)، "ان قوانين الشعر هي قوانين الرسم ذاتها" (انطون كابيل)، "الرسم شعر صامت والشعر رسم ناطق"، (سيموندز)، "الرسم شعر يرى ولا يسمع، والشعر رسم يسمع ولا يرى". (ليوناردو دافنشي)، "ينبغي للكاتب ان يكتب بعينيه والرسام ان يرسم بأذنيه"، "على الشاعر ان يكون قادرا على التفكير بالصور". (سبندر)، "ان الحدة البصرية هي جوهر الشعر" (روبرت غريفز).

لقد لاحظ ر. روجرز في كتابه (الشعر والرسم) "ان تكوين الصورة الفنية هو اندماج صورتين لتكوين تركيبة" (ص 97) وهو ما يسمى بـ(الإدراك الحسي التحولي) و(الاندماج الصوري) و(التشاكل الاستعاري) ، كما لاحظ ان رسوم الكهوف هي مزاوجة (تشاكل صوري) بين نتوءات الكهف وصورة حيوان البيزون (= صورة الذهن)، وهو ما يعرف بتقنية المتعرجات menders وتقنية الإشارات العشوائية التي كان يطبقها الرسام ماكس ارنست في تقنية المفروكاتfrottage ، والطبيب الألماني روشاخ في بقعته الشهيرة، وسلفادور دالي، وحتى دافنشي الذي نصح بها في كتاباته كعلاج لجفاف المخيلة، وقد رفعت حركة الرسم الحدثي tachisme او action painting هذه التقنية إلى مستوى المبدأ، "فان (حقل المتعرجات) يؤسس الشروط اللازمة من اجل إيجاد الأشكال ثم تطويرها بضربات إضافية يُسَيْطر عليها بصورة أكثر تعمدا" (ر. روجرز، ص 34) حيث "تندمج المرحلة التحولية على نحو يكون غير واع، في المرحلة الماسخة للشكل وذلك هو النصف الأول من مقولة جورج براك (الحواس تمسخ الشكل والعقل يصوغه)..." (ر. روجرز،ص 37)

و"ان جزئيات الشكل حين تجرد من الشيء المستوعب، لابد الآن ان تجتمع ثانية مع عناصر أخرى من صورة الذاكرة من اجل تكوين الصورة الفنية" (ر. روجرز،ص 37)، فقد أكد باشلار بأنه "إذا لم يحدث أي تغيير في الصور، او اتحاد غير متوقع في الصور، فليس هنا أي تخييل، وليس هناك أية عملية تخييلية".

إذن فان "صورة الذاكرة عند الفنان هي العامل الحاسم في تحول الشيء المستوعب إلى صورة فنية: ان مسخ الشكل وصياغته، وتغيير الصور واتحادها غير المتوقع يتحقق عن طريق ذاكرة الصورة" (ر. روجرز،ص 38)

وقد افترضنا انه ليس شرطا ان تتطابق علامات الذهن مع علامات الواقع بل قد تتطابق مع علامات الفن وهو ما أسميته (قانون مالرو)، فالفنان يمتلك داخل نفسه إيضاحا للشيء عميقا في نفسه، وهو ما يسميه بيكاسو "فكرة الشيء التي تركت بصمة لا تمحى" بعد ان تكون قد ترسخت في ذهن الرسام هاشم حنون بشكل (بنى هيكلية متجهة) او (بنى شكلية طوبولوجية) او ما يسميها الخبير بالفن الإسلامي الكسندر بابادوبولو (بالهيكل الرياضي) وأسماها الناقد شاكر حسن آل سعيد (المدرك الشكلي) فتتكون "الصورة الفنية ... من صورة مركبة ناتجة من اندماج عناصر الشكل القابلة للتحول في الصورة المستوعبة بعناصر الشكل القابلة للتحويل في صورة الذاكرة... "، حيث "ان الشكلي (او النمطي) للبيئة المستوعبة تندمج مع العناصر الجوهرية للعالم الداخلي، عالم الكينونة" (اوكونور).



أهم أنماط التشاكلات الصورية:

ان واحدة من أهم أنماط التشاكلات الصورية cisomorphism هي ما يسميها فرانكلين ر. روجرز (التفاعل الاستعاري بين الشكل الإنساني واللا إنساني" (ر. روجرز، ص 141) حيث يكون الرسم برمته عملية استعارة هي ليست إلا تحولا transformation ، وقد كانت تجربة فان كوخ في الرسم نموذجا كبيرا لهذا النمط من الانسنة سواء في إعمال الرسم او في مدوناته فقد كان فان كوخ قادرا على جعل صخوره وأشجاره وكل أشكاله تتلوى من فرط العذاب الإنساني، لقد ظهر التفاعل الاستعاري بين الشكل الإنساني واللا إنساني بكامل قوته في رسائله حيث يقول في إحداها: "أحيانا يكون صف من أشجار الصفصاف المقطعة موكبا من رجال دار العجزة... ويبدو العشب المداس بالأقدام على جانب الطريق متعبا ومتربا مثل الناس التي تعيش في أحياء فقيرة... رأيت مجموعة من نبات الكرنب الأبيض تقف متجمدة ومشلولة، وقد ذكرني ذلك بمجموعة من نساء بتنوراتهن الرقيقة وشالاتهن القديمة"، وهو ما يؤكده تصريح بيكاسو "إلى أي حد تشبه نخلة جوز الهند الجذع السفلي للمرأة..." و"في بعض الصور الفوتوغرافية، تستحضر القشعريرة الظاهرة على الجسد، قشر البرتقالة، او تحبيبات الحجر"، وان واحدة من النماذج المهمة في ميدان التشاكل الصوري عند فان كوخ لوحة (آكلو البطاطا) "فاللون الذي رسمت به يشبه لون البطاطا متربة جدا مع قشرها" (ر. روجرز، ص 174) لتتحقق واحدة من أجمل التشاكلات الاستعارية عند فان كوخ وهي (استعارة الإنسان- البطاطا) (ر. روجرز، ص 175).



فهم الاستعارة اللفظية من خلال الاستعارة البصرية

يخلص فرانكلين ر. روجرز إلى استنتاج مهم هو جوهر كتابه (الشعر والرسم) بـ"ان الاستعارة اللفظية يمكن فهمها فقط من خلال الاستعارة البصرية"، وان "الفن كله تسجيل للإدراك الحسي التحولي" (ر. روجرز، ص 140)، و ان "الاستعارة هي ... العملية التحولية" (ر. روجرز، ص 235) ليست في الحقيقة غير "تلامس سطحين مستويين احدهما مركب فوق الآخر وبينهما الانقطاع الأساسي" (ر. روجرز، ص164).

الإدراك الحسي التحولي بديلا عن المحاكاة

وبذلك فإننا نتبنى دعوة فرانكلين ر. روجرز باعتماد التحول، الإدراك الحسي التحولي، بديلا عن المحاكاة باعتبارها جوهر الفن.



رؤية شاكر لعيبي في كتابه

(بلاغة اللغة الايقونية...الصورة بوصفها بلاغة)

منذ عنوان كتابه كان المؤلف (يداور) بين (طرفي) الصورة، بين الصورة البصرية كطرف، والمجاز الشعري طرفا آخر لاعتبارهما طرفي القضية، أو شكلي تمظهرهما؟ بين الصورة (بمعنى العلامة البصرية) وبين الصورة في اللغة المنطوقة، فهو يؤسس عنوانه على ثنائي الصورة (البصرية) مقابل اللغة المنطوقة، فيبين عنوان كتابه على تعاكس مرآوي بين طرفي هذه الثنائية، تقديماً وتأخيراً بين طرفيها، (مداورة) ودونما تصريح "بلاغة اللغة الايقونية... الصورة بوصفها بلاغة" وبذلك فهو يدلل منذ العنوان بأنه: أولاً، يقف ضمن الاتجاه السيميولوجي الذي يعتبر السيميولوجيا جزءا من اللسانيات حينما يؤكد منذ السطر الأول في الكتاب على ذلك "ما زالت اللغة المنطوقة على ما يبدو ضرورة في قراءة اللغة البصرية" ، إلا أنه لا يكتفي بذلك فهو، ومنذ الصفحة الثانية (في النص)، المرقمة (6) بالتسلسل العام للكتاب يكتشف مقاصده بإيجاد آلية مرحّلة من اللغة إلى حقل الصورة البصرية، تلك الآلية التي هي الاستعارة او المجاز والتي تتضمن معنى (الانحراف)، وبذلك فهو يستعيد ذات الآلية الني كرس لها مؤلفا كتاب (الشعر والرسم) اهتمامهما لها باعتبارها الآلية الأكثر فاعلية لدراسة (الصورة الشعرية)، وهي وجود حقلي استعارة يتشاكلان صوريا لإنتاج الصورة، وبذلك فإننا نتقل إلى مستوى أعمق من قضية استنطاق العلاقات بذاتها، او استنطاقها بمعونة اللغة المنطوقة. ويبدو المؤلف وكأنه قد شعر بالخوف من ان يوجس القراء في أنفسهم ريبة فيؤكد "عندما يتعلق الأمر بالبلاغة الصورية، لا يتعلق الأمر، بحال من الأحوال، بعمل تلفيقي، ولا باستجلاب قسري لمصطلحات حقل إلى حقل مختلف، ولا بتقويل البصري ما تقوله البلاغات اللفظية" والسبب برأي المؤلف يتعلق "بامتلاك البصري، بطبعه أصلاً، بلاغة تأويليه ومجازات تتماس مع المجازات اللفظية المعهودة" ويماثل المؤلف بين المجاز اللغوي والصورة البصرية هنا في قوله "ان المجازات اللفظية هي ( انحراف متعمد) للغة عن استخدامها القاموسي... والصورة image بطبعها تتضمن شيئاً يمكن ان يوصف بالمجازي طالما ان فيها موضوعاً غائباً فعلياً لكنه حاضر دلالياً: لوجود الغائب" لذلك فهو يستنتج ان "المهم في الصورة ليس ما يحضر فيها ولكن ما يغيب" ونحن ربما تختلف معه في إعطاء الأهمية (لما يغيب) من الصورة، فأن ذلك سيؤدي إلى نقل الصورة من اعتبارها (واقعة شيئية) من خلال عناصرها الشيئية إلى معاملتها باعتبارها موضوعاً سردياً وفي ذلك تخسر الصورة جزءا من وجودها الشيئي.

يعيب شاكر لعيبي على بعض البلاغيين العرب لتبسيطهم للمجاز بأنه "فكرة (المشابهة) بين دالين"، إلا ان فكرة التشاكل الصوري بين (حقلين صوريين) لا تختلف كثيراً عن محاولة تصنيف المجازات الايقونية التي أجراها المؤلف والتي اعتبر فيها دروس البلاغة "تقدم بضعة مفهومات مفيدة عن مفهوم التشبيه" وكانت تلك المفهومات لا تعدو ان تكون ذاتها التي اعتبرها تبسيطاً للقضية وهي " إقامة مماثلة بين أمرين أو أكثر قصد اشتراكها في صفة أو أكثر بأداة لغرض مقصود" بينما يؤكد في الوقت ذاته أن "في اللغة الأيقونية نجد تماثلات بين أمرين مرئيين بسبب اشتراكهما في صفة أو أكثر بأداة لغرض مقصود" بينما يؤكد في الوقت ذاته ان "في اللغة الايقونية نجد تماثلات بين أمرين مرئيين بسبب اشتراكهما في صفة أو أكثر" وبذلك سنعود إلى المربع الأول وهو ان (التشاكل الصوري) عند مؤلفي كتاب (الشعر والرسم) والى غيرها من المفهومات التي تدرس الصورة الشعرية من خلال الصورة البصرية وهي ذاتها التي نجدها هنا حيث يحاول شاكر لعيبي ان يدرس الصورة البصرية من خلال مجاز الصورة الشعرية، أي استخدام المفهومات ذاتها، وبذلك تتحقق ذات البنية الدورانية والمرآوية جيئة وذهاباً بين ان تكون أولاهما أصلاً للثانية، وثانيهما، في الوقت ذاته، أصلاً للأولى، وفي كلتا الحالتين نجد سبباً قوياً لهما يربط الشعر بالرسم من خلال نقطة الالتقاء هي الصورة بنمطيها البصري والشعري.

يستند المؤلف على ما قاله "الفلاسفة المناطقة المسلمين باغتراف الشعر والتصوير كليهما من (التشبيه)، والمراد بذلك هو سعي الفنين لمحاكاة الطبيعة وهذه هي فكرة ارسطرطاليسية عن جدارة". ويستشهد المؤلف بقول الفارابي عن العلاقة بين الشعر والصورة البصرية، "ان فعليهما جميعا التشبيه، وغرضهما إيقاع المحاكيات" ويستشهد بأقوال أخرى لابن سينا وابن رشد وأخوان الصفا والجرجاني، وكلها "نصوص تشدد بشكل رئيسي على مشكلة المحاكاة المختصرة إلى مصطلح بلاغي سائد في المجاز العربي وهو التشبيه".



استنتاجان متقابلان

إذا كان فرانكلين ر. روجرز خلص إلى استنتاج شكّل جوهر كتابه (الشعر والرسم) بـ"ان الاستعارة اللفظية يمكن فهمها فقط من خلال الاستعارة البصرية"، فان شاكر لعيبي، برأينا، خلص الى استنتاج مكمل شكل جوهر كتابه وهو ان الاستعارة البصرية يمكن فهمها فقط من خلال الاستعارة اللغوية (والمجاز).


الترسيمة المشتركة للصورة

هاشم حنون ... نموذجا تطبيقيا

لقد تابعنا مراحل تحولات تجربة هاشم حنون في الرسم ، وعلى مر سنوات طويلة...

فتحت عنوان متجهات أسطورية، افترضنا وجود (بنى شكلية طوبولوجية) خفية حتى عن وعي الرسامين أنفسهم، يقيمون عليها هندسة لوحاتهم، وحدد واحدا من أهداف الناقد بالوصول إلى (الكمية الممثولة) وهي مرحلة وسطى بين الملموس والمجرد، بين الهندسي (الهندسة) والتجريدي (الرياضيات) حيث لا مناص من الانتقال من الصورة إلى الشكل الهندسي ثم منه إلى التجريدي ….حيث تحل محل الصور الأشكال الهندسية المناسبة، ومن ثم العودة ثانية من التجريدي إلى التعبيري عبر الهندسي (أي من الرياضي إلى الأيقوني فالصوري) بواسطة لغة التمثل والتصور والتحليل النقدي. وقد سبق للخبير بالفن الإسلامي الكسندر بابا دوبولو ان أسمى هذه البنى السرية (بالهيكل الرياضي) التي كان يقيم عليها الرسام الإسلامي يحيى بن محمود الواسطي أعماله في الرسم. وأسماها الناقد شاكر حسن آل سعيد تلك البنية الخفية (المدرك الشكلي).

ومنذ مرحلته التعبيرية التي كرسها في معرض مهم اقامه عام 1990 في قاعة الرواق، وكان مكرسا لموضوعة الشهادة؛ كان هاشم حنون يقسم السطح التصويري الى منطقتين طوبوغرافيتين مختلفتين بدرجة قداستهما؛ مما انتج بنيتين هيكليتين متجهتين هما:

البنية الهيكلية العمودية (الارتفاعية)

البنية الهيكلية العمودية (الارتفاعية) وتتألف من منطقتين طوبوغرافيتين يمكن تصورهما وفق معمارية الساعة الرملية بجزأيها: مثلث أسفل هو (مثلث الوجود الدنيوي) رمزا معادلا للوجود الدنيوي، بضمنه الموت كحقيقة دنيوية؛ بينما يمثل المثلث العلوي (مثلث الانبعاث) والخلود السماوي، وهو ما يمثل الموت كحقيقة أخروية، وتمثل نقطة التقائهما، في مركز اللوحة (باب السماء) الذي تخترقه الروح في صعودها إلى الأعالي. ويمكن ان يجسد الشكل الناتج نحتيا، كما قلنا، بالساعة الرملية، حيث تترسب بقايا الجسد (التراب) ليتسامى الهواء (الروح) إلى الجزء العلوي (السماء).


البنية الهيكلية الأفقية

البنية الهيكلية الأفقية التي اسماها القاص محمد خضير (التضحية في وضع أفقي) التي تتضمن عدة بنى فرعية تشكلها دائما كتلة أشخاص (فكرات = أشكال) تتجه وجهة عرضية أفقية من اليمين الى اليسار دائما، وقد نجد جذورها في الفن العراقي الرافديني القديم ضمن مشاهد التقديم الكلاسيكية في الأختام الأسطوانية ،وفق (مستوى ارضي) تكون فيه حركة الشخوص رحلة دنيوية أرضية تجاه خلود ارضي نحو بناء مدينة فاضلة هي حصيلة بناء عمل اجتماعي.



الكائن الحجر

كانت بنية الكائن الحجر، تشكل عملية تشاكل بين الشاهدة والحرز والتميمة والمسلة وبين الكائن الحجر عند هاشم حنون، وهي مرحلة ثرية نشات من بذور تطور هام كان يجر منجز الفنان نحو (التجريد) مما شكل انتقالة باتجاه تراجع الموضوع الأدبي (النثري) بدرجة محسوسة، وترسيخ تحول البطل شيئا فشيأ الى كائن رمزي دون ملامح شخصية محددة سوى ما يوحي به من ملامح ومن تركيبة ناتجة عن مزج أهم عنصرين من عناصر التكوين هما: التراب والماء، حيث كان كائنه يتخذ شكل شواهد القبور، والحجارة القريبة من الشكل الإنساني، فتمت إعادة عكسية لتحولات الشاهدة، التي هي ناتج عنصري الماء ( وخلقنا من الماء كل شيء حي ـ الآية) و التراب (كلكم لآدم وآدم من تراب ـ الآية) فتتألف الشاهدة من عنصري (الماء + التراب)، ليتشكل منهما الطين الذي تتلبسه الروح، وتقرضه الشمس كائنا يشبه الشاهدة، أصابها الجفاف، فانفصلت عناصرها من جديد بعملية (ميثو ـ كيماوية)، ليتخلف عنها: كائن حجر، يحتل قاع اللوحة، ويرتفع الماء غيمة تسبح في الأعالي.



أيقونـــــات الفن العراقي الرافديني القديم

ان أيقونـــــات الفن العراقي الرافديني القديم التي ظهرت في منجز الرسام هاشم حنون هي نتاج تشبـّعه (بجينات) ذلك الفن مما ابقى النسغ الرابط بذلك الفن قويا في كل انتقالات الرسام بين التشخيص والتجريد، فكانت تجربته تتخذ أيقونات نمطية أهمها: أيقونة مناظر التقديم الكلاسيكية حيث الإله الجالس على العرش قبالة رجل يتسلم صولجان الحكم بمفرده او ضمن موكب، وأيقونة البطل المخلـّص نصف الإله كلكامش الباحث عن الخلود، وأيقونة الصعود إلى السماء حيث يرتفع الراعي (آيتانا)، وأيقونة الزقورة، وأيقونة الموكب الذي تشكله حشود من المتعبدين الواقفين مشبوكي اليدين، وأيقونة التميمة التي تسمى شعبيا (الحرز) والتي ستكون الأيقونة الأكثر أهمية في المرحلة التجريدية أواخر الثمانينات من تحولات الفنان فكانت محاولة لتحقيق اكبر اقتراب من المادة التي يشتغل عليها، عبر معالجة تقنية لأحافير اقتطعها من نسيج حائط، من قطعة جنفاص عتيقة متهرئة يلصّقها على سطح اللوحة، وربما من أي سطح صدأ ترك الزمن بصمة مكوثه الطويل عليه، او مقطع عرضي اخضع لمعاينة مجهرية وهو في فهمه للوحة، باعتبارها حقلا (سطحا) مسكونا بالأصباغ والخطوط والأشكال، يخضع لضروب شتى من تجارب الفنان الشكلية والتقنية، اكثر من كونها تكوينا، أي بمعنى آخر، ان تكون اللوحة شيئا اكثر من ان تكون تشبيها لشيء خارجها.



علامات المدن

أن حيوية ما كامنة في منجز هاشم حنون، كرستها محاولته الواعية باصطفاء صور من متعرجات الواقع المرئي يوميا: من آثار، و لقى، وأحافير، وعلامات تُشاكلها صـورٌ مستثارة من ذاكـرة (معرفية) صقلـتها الخبرة، خزنت نماذج لا حصر لها من (كتابات أولى) مستمدة من أيقونات عراقية قديمة وشعبية هي (أيقونة التميمة) حيث تملأ المساحات بعناصر صورية شتى: علامات، وخطوط، ونقاط هي في حقيقتها مختزلات صورية انفصلت عن وجودها اللغوي، أو ربما سبقته وجودا، كما انفصلت احيانا عن سطح اللوحة الذي سكنته والذي يحتمل ان يكون الفنان قد اشتغله بمعزل عن كل الأشكال التي يحتمل ان تستقر فيه.

لقد أقام الفنان أربعة معارض مهمة امتدت منذ عام 1996 في بغداد (قاعة دجلة) 1998 ،وعمان 1999(قاعة الأندى) ومدن ملونة في عمان (قاعة الاندى) عام 2000 ، و فضاءات ملونة في عمان (قاعة الاورفلي) عام 2000 كانت حصيلة توجهه المتزايد مؤخرا نحو محاولة تقديم بناء لامركزي للوحة، مما اعطى منجزه طابعا غير مخطط له، ومناقضا للصرامة والقصدية التي وسمت أعماله التشخيصية طيلة السنوات الماضية؛ فكان يؤسس نظاما علاماتيا ناتجا عن بحث اركولوجي في بقايا الواقع (أثـَر الواقع) (أي نواتجه التي قد تبدو عرضية)، وما خزن الفنان في ذاكرته عن ذلك الواقع من: صور، وعلامات، ومستحثات للرؤية؛ فكانت اللوحة تؤسَّس في (معرض مدن ملونة) على بنية البساط او (المـَدّة) كما تسمى في لهجة الفرات الأوسط في العراق، وهي نوع من البسط تصنع من الصوف وتلون بألوان زاهية متعددة. ويمكن تلمس الامتلاء الواعي والاحتفاء غير المحدود بموجودات الواقع في أعماله الأخيرة.

في معرض (مدن ملونة)، وهو أهم معارضه التي أقامها في عمان كاليري الأندى عام 2001 ، تظهر علامات المدن واكتظاظها بموجوداتها وساكنيها وعابري سبيلها ليعيد بنائها من فتات قرميدها، وآثار جدرانها، طبقة فوق أخرى، بثراء لوني مدهش، واكتظاظ شكلي بكل ما جمعته الذاكرة، ليس من (علامات المدينة) وحدها بل ومخزونات مما رسمه الآخرون عنها، منذ بواكير الفن العراقي المعاصر، وحتى وقتنا الحاضر.

بقي اثر علامات الواقع (عناصر المدينة) جاثما في معرض قاعة دجلة 1996، فاللوحة يملؤها معراج حشود مدينية من سيول عارمة من الرموز والأشياء والشفرات والمتاهات ،فاللوحة تبنى بشكل مسرب لوني يشقها طوليا يملؤه نثار من ألوان واشارات وشخوص ،وما عنّ للذاكرة ان تلقي، حشد مكتظ تكتسحه قوة إعصارية ترفعه من قاع اللوحة الى الأعالي، بينما حفلت أعماله في معرضه (قاعة الأندى) باستقرار وركود وحزن سوداوي، تملأ سطح اللوحة أشباح البشر السوداء، وهي ترقب بعضها بعضا ،وترنو المشاهد بنظرة صمت كئيب؛ فكانت أشكال الواقع تنتصر في بعض أعماله، بينما ترتد لصالح أشكال الذاكرة في أخرى. ولكنها أبدا تعيد أبنيتها ومدنها وفق الخرائط الهيكلية الأولى وكأنها قدر كتبه هاشم حنون على نفسه وظل وفيا له !.

قدم هاشم حنون في معرضه (مدن ترابية) في قاعة حوار عام 1995، معمارا لمــدن متــــاريــــــس اتسمت بالاختزالية التي عاد اليها هاشم حنون بعد سنوات؛ فاستعاد منها ما اعتقده يصلح للمرحلة الحاضرة من رسم: المخربشات، وآثار الجدران، والخروق، والحروق، والكتابات الطباعية، وجنفاص المتاريس في جبهات الحروب السابقة وفي شوارع مدينته البصرة التي كانت تملؤها المتاريس، وكأنه بذلك يستعيد أجواء الحرب، والحزن، والخراب، والضياع ذاتها، تلك التي كان يمرّ بها العراق وقتها، والتي يمرّ في أجواء لا تقل عنها قسوة اليوم؛ فطوال سنوات غربته, كان هاشم حنون يحاول تفعيل ذاكرته فكان دائم البحث الأركولوجي لمحتوياتها، وما اختزن فيها من صور, وتماما كما أسس محمد خضير بنى و فضاءات مدينته بصرياثا, يحاول هاشم حنون أن يرتـّق الصورة الغائمة لها ليس بهدف الوصول إلى الكيان الفيزيائي المجرد (= الكيان العضوي) بل بهدف التعشق مع الكيان الروحي لذلك المكان (= المكان المتخيل انه لا يهدف إلى كتابة سيرة للمدينة، بل كتابة سيرته الذاتية في المدينة, فما يهمه درجة مطابقة اجواء المكان لداخليته هو, أي لأحلامه وتخيلاته, كما يقول فاروق يوسف، فلم يعد يتذكر مدينته إلا عبر لازمة معتمة يلفها السخام الذي تخلفه الحرائق، والجثث، والأشجار، وأكياس الرمل التي اخترقتها الشظايا.

ونحن ننوه بوجود بعض التجارب الفرعية التي ظهرت كمراحل سريعة ضمن تجربة هاشم حنون ومنها: اولا. المكعبات التي كتب عنها الكاتب هاشم تايه، ثانيا. تجربة المدن السبع التي كتب عنها الكاتب صدام الجميلي.



المجسمات الخمسة

اعدنا المجسمات الخمسة التي شكلت مجموعة اعمال استثنائية عرضها الرسام في موقعه على الانترنت وفي معرضه الاخير (مسلات الطين 2004)، كما اعاد اعماله الاولى الى جذر ميثولوجي مشترك بعيد هو: الحجارة والقداسة اولا، ثم انتهى ذلك التشاكل الصوري الى حرائق المدن التي استوطنت ذاكرته طوال سنوات الحروب التي مرت بها مدينته البصرة، ومر بها شخصيا ثانيا، فامتلأت اللوحة بطبقات حزن كثيف، وأشباح سوداء من البشر، وهي ترقب بعضها بعضا، وترنو المشاهد بنظرة صمت كئيب وبذلك لا يختزل هاشم حنون تاريخ المدن التي وطأتها قدمه فقط ، بل وتاريخ الرسم العراقي و (المديني) منه بشكل خاص!.

يختفي الضوء من مدينته الحجرية هذه، فتختفي الشمس .. ويهيمن الظلام الاسود الفاحم بقوة.. فتكون المشهد في (مسلات الطين 2004) من مهيمنتين: الطابع الحجري حيث الطين الجاف او المفخور، والوجود البشري (حيث: المدن، المسلة، الكتابة، التاريخ، المدونات، آثار الناس والعابرين)، فكانت مزيجا من: المدن الملونة التي عايشها هاشم حنون في صباه، والمدن الحرائق التي افنى شبابه في حرائقها، والمدن الحجر التي انتهى اليها مقيما في عمان الان.



لغة الجسد

لقد صنفنا هاشم حنون باعتباره رساما تعبيريا حتى في اشد حالاته غلوا تجريديا، فقد اعتمد هذا الرسام اختزال أشكال المشخصات وليس تأسيس رسم لاشكلي أو غير مشخّص، وبذلك فقد كان يعتمد الجسد الإنساني باعتباره منتجا للدلالة وللتواصل عبر استنطاق أعضاء الجسد ذاته أو امتداداته، فكان هذا الرسام، ومنذ أولى مشاركاته في معارض العاصمة العراقية، قد اتخذ الجسد كلا متكاملا كـ(ـمهيمنة شكلية) يؤسس عليها معمار لوحاته، جاعلا أعماله تلك مشبعة بإيماءات الجسد الإنساني من خلال ما تم التموضع عليه اجتماعيا من دلالات، وذلك يصدق عليه منذ لوحته (الأولى) التي تم اقتناؤها، والتي أطراها جميع من كتبوا عن بدايات هاشم حنون، ونعني بها لوحة الشهيد التي كانت تصور الجسد المسجى الذي تحيط به النسوة الناحبات، فكان يوظف إيماءة ذلك الجسد الإنساني.

كان احترام الجسد الإنساني دالة كبيرة في أعمال هاشم حنون المبكرة باعتبار ذلك الجسد موطنا للقداسة، رغم تعرضه للامتهان عند القتل، وذلك هو السبب القوي الذي جعل الرسام يعود إلى لوحات صلب المسيح ليتخذها هدفا للتناص في رسم أعماله التي تناولت موضوعة الشهادة، والتي كان الجسد الإنساني فيها هدفا تستوطنه الآلام ولكن تتجسد فيه القداسة في نهاية المطاف.

لقد كرس هاشم حنون هذه الهندسة الشكلية واللونية والدلالية طوال عقدين من الزمن، لم يبتعد فيها أحيانا عن تناول الجسد باعتباره المكان الذي تمارس فيه أبشع جرائم البشر ضد أنفسهم إلا ويعود إليه سريعا بفعل الغربة، وأوضاع العراق التي لم تتبدل منذ حرب الخليج الأولى وحتى وقتنا الحاضر، فامتلأت نفسه بالحزن، والغم على بلده الذي احترق، وما زالت حرائقه مستعرة، فكانت عناصر لوحاته الأولى تختفي يوما لتظهر يوما آخر، ولتبلغ أقسى تمظهراتها من خلال تلك البقايا المادية لأجساد العراقيين: لبقاياهم التي لا تعدو أن تكون خرقا أو أشلاء أجساد محترقة، أو بقايا قطع جنفاص المواضع المحترقة التي ملأت المدن وهي تستعد للحظة الحرب، أو بقايا الآثار التي خلفتها الحرب الطويلة التي مرت بها مدينته البصرة، المدينة التي ولد وعاش فيها الرسام سنوات حياته الأولى، المدينة التي طالما اجتاحها الغزاة وموجات الطاعون على مر التاريخ.



تخطيطاته هاشم حنون .. اشتغال الفجوة

في تخطيطاته يتخذ الرسام لوحاته الملونة كبنية يقيم عليها تجربة تخطيطاته، فتحت عنوان (التخطيطات التي تملؤها الانقطاعات.. والفجوات اللونية) قلنا إنها عائدة إلى فعل التفكير (بطريقة ملونة) ، الذي ظل جاثما على الرسام حينما أنجز تخطيطاته، فكانت صفحتها ميدانا لاشتغال الفجوة التي يصفها محمد خرماش بأنها "البياضات والفراغات والانقطاعات الموجودة عنوة في النص، والتي تسمح للقارئ بالتدخل بهدف ملئها، ولذلك يسميها إيزر (الفراغ الباني) وهي ما تشمل: الانفكاكات التي تدعو القارئ إلى وصلها، وإمكانية الانتفاء التي تدعو إلى التعصب ضد بعض ما يقدمه النص كحقائق أو مسلمات، وتحفز القارئ على التفكير والبحث عن التلاؤم وإيجاد الوضعية المشتركة... فالمعنى ينبني وفق قوانين تؤسس في غمار القراءة... التي تثير الانتباه إلى الأصل المخفي أوالعناصرالغائبة... وأن القارئ ... يجد فرصته في البياضات أو مواقع اللاتحديد التي يهيؤها النص ويتدخل، كشريك للمؤلف، في تشكيل المعنى. وهذا التدخل يكون بالعمل على سد الثغرات وتكوين الحقل المرجعي وتحويل مواقع اللاتحديد"، وتتحقق جغرافية هذه البياضات في تخطيطات هاشم حنون في الفراغ الناشئ من غياب اللون مما يعني إنها مفهوم (بصَََري) بشكل يجعل ملء هذه الفجوات البصَرية (اللونية) هي الفاعلية الأهم التي يهيؤها الرسام هاشم حنون في تخطيطاته، والتي هي أهم فعالية مطلوبة من القارئ في تلقـّي هذه التخطيطات؛ وبذلك تكون هذه الفجوة خرقا، او أحداثا لخلخلة في الوئام الطبيعي الذي يلف لوحات هاشم حنون الملونة؛ انه يخلق ذات الفجوة التي يصنعها التي يشتغل عليها رسامون آخرون بطريقة معاكسة؛ فبينما يرسم الآخرون لوحاتهما الزيتية بروح تخطيطية يشكل اللون فيها عنصرا مضافا او فائضا عن الحاجة بدرجة ما؛ يغير هاشم حنون المعادلة فيرسم تخطيطاته بروح اللوحة الزيتية ويكون الخط هو ذلك العنصر المضاف.

ان الفجوة التي يتخذها هاشم حنون استراتيجا ثابتا في بناء تخطيطاته، مفهوم شيئي (متيريالي او ملموس)، وان ملء هذه الفجوات هو فاعلية يقوم بها المتلقي، لذا فهي فاعلية تشمل اللوحة والمتلقي معا، وعلى الأخير ان يستند في ذلك على مخزوناته من الخبرة السابقة.



الرسام ثامر داود في معرض حلم ازرق

المتحف الشخصي للرسام ثامر داود..

اللون موضوعا



خالد خضير الصالحي




1

لقد قال شاكر حسن آل سعيد بوجود متحف شخصي للرسام، يخزن فيه إشاراته، وفيه يهضمها، ومنه يستلها؛ فكنت وما زلت أتخيل ذلك المتحف الذي وصفه آل سعيد بأنه أشبه بمرجل ضخم، قد يشابه عمل المعدة، أتذكر هنا المعدة باعتبارها عقبة ابستمولوجية هيمنت على الفكر العلمي في القرون الوسطى كما فصّل ذلك جاستون باشلار في كتابه تكوين العقل العلميّ، أتخيل المتحف معدة، أو مرجلا ضخما تُستقبل فيه الإشارات البصرية، وفيه تتفاعل مع البنى البصرية الراسخة في أسلوب كل رسام، وفيه يتم تمثلها، وإعادة إنتاجها لتشكل جزءا منسجما مع منجز الرسام وأسلوبه في وقت إنتاج اللوحة، ونعتقد أنها هي ذاتها الإشارات الموجودة في تجربة ثامر داود التي عناها الدكتور بلاسم محمد حين اسماها (الذكريات البصرية)، التي يعيدها الكاتب ذاته إلى المدونات العراقية الرافدينية القديمة التي وجدت على الأختام الاسطوانية، ومدونات السحرة، والمدونات الفنية للخط العربي التي كان ثامر داود يستلها ككولاج يستلها بمنتهى الحرص على ان يبقيها محتفظة (بشخصيتها): شخصيتها كقواعد راسخة التزم الخطاطون بها، وطبقوها بحرفية، وانضباط عال، وشخصيتها بمعنى أنها شكلت نصا مقروءا ذا معنى لغوي يقع خارج النسق الجمالي، رغم وجوده ضمن العمل كشكل يحتفظ بجمالية متفردة كفن مستقل بذاته تمت استعارته الكولاجية إلى وسط آخر يحاول ان يتمثله بكيفية ما، وقد يكون الرسام ذاته قد رغب في أي من الاحتمالات أو لم يرغب، فهذا أمر قد لا يعنينا كثيرا هنا، فبالنسبة لنا كان ثامر داود قارئ وثائق جديداً بمعنى من المعاني، قارئاً يستعيد جثث النصوص اللغوية من رقادها الطويل، ويعيد قراءتها جماليا وفق قوانين خارجة عن نسقها الجمالي.

2
كان ثامر داود، في معرضه الشخصي (الحلم الأزرق) الذي يقام في قاعة جاليري روزنفيلد للفنون في مدينة فيلادلفيا من ولاية بنسلفانيا الامريكيى، يخلط أوراق الاجناسية التي تجنس وفقها (اللوحات)؛ فهو يقوم ببنائها وفق مستويين: مستوى غائر، ومستوى سطحي؛ فيبني الغائر من مادة طيعة وجلاتينية، تستجيب لإنتاج علامات احفورية، ينتجها الرسام ناتئة، ربما بأصابعه، وربما بآلة صلبة، تماما كما كان إنسان الكهف ينتج علاماته السطحية بخربشاته التي كان ينتجها بيديه، علامات تومئ من طرف خفي إلى أشكال الصناديق الخشبية لملابس جداتنا، والتي انقرضت منذ مايقرب الخمسين عامة، والتي كانت تصنع الأشكال عليها من طبقة رقيقة من المعدن الملصقة على خشب الصندوق، أو من أشكال تقارب أشكال عظام السمك، أو أشكال مثلثات ثم يقوم: إنسان الكهف، وثامر داود بطلائها باللون الأحادي الذي سيشكل أرضية تنتمي إلى الرسم هذه المرة، فوق الأرضية النحتية الغائرة الأولى، وأخيرا فإنه يضع ما يعن له من الإشارات التي تنتجها هذه المرة الفرشاة التقليدية المغموسة باللون وبشكل باذخ وكرنفالي.

3
شكل اللون عند ثامر داود الموضوع بحد ذاته، فلم يكن للوحة موضوع اخر سواه، وبذلك يلتحم الموضوع بالمادة في واقعة شيئية واحدة تمكث كل تفاصيلها في منطقة (داخل بصرية)، فهو يؤكد في احيان كثيرة بان لوحاته لاموضوع لها سوى مادتها: "ان حبي الكبير للتلوين جعل من اعمالي رموزا ملونة تحمل الوانا حارة بمضمون حزين يحمل آلام الدنيا ومآسيها وانفعالاتها التي حملناها ونحملها معا يوميا. لقد عملت على منطقة بعيدة عن الاخرين حتى لا اسقط في فخاخ الاتباعية، ولكن القرب الحاصل بين الفنانين للعلاقات وتوحد الهموم تجد في الكثير من الاحيان استخدامات متكررة لعناصر متشابهة ورموز من جذورنا, ولكن لكل تجربة فترة مراهقة وتتطور وتكبر وتتخلص من المؤثرات عليها مع الزمن والتجربة والاحتكاك للوصول لرؤية اعمق وفهم اكبر بعيد عن الاخرين".

الأربعاء، 27 يناير 2010

الرسم العراقي ما بعد التغيير.. محمد مسير نموذجا


رسم دونما.. شروط (خارج بصَريّة)







"ليس هناك معنى خارج الإشارة، سابقا لها، وليس هناك أي حضور ضمني لخطاب أولي يجب إعادة إنشائه لإيضاح المعنى الأصلي للأشياء" ميشيل فوكو


(الكلمات والأشياء، مركز الإنماء القومي،1989، ص 75)


خالد خضير الصالحي
يصاب بالخيبة من يحاول ان يتتبع مسارات التحولات الثقافية، ربما بسبب الفشل الذي سيلاحقه جراء عجزه عن إمكانية إيجاد خط تطور واضح و(منطقي) ينتظم كل التحولات التي طرأت على الإبداع الأدبي والفني في النصف الثاني من القرن الماضي في العراق، فقد قرأت للكاتب علي الفواز رأيا يقول ان جيل السبعينات، في الشعر، كان "جيل الانفصامات الكبرى، والانفصامات الأيديولوجية، والانفصامات عن موروثات الحداثة التقليدية"(جريدة المدى، ملحق موقع ورق، 30 أب 2009)، قد أثار عندنا سؤالا، هل ان جيل السبعينات ذاته بالضرورة يجب ان يكون جيل الانفصامات في الرسم كذلك.



نؤكد أولا إن استخدامنا الجيلية التقليدية لا يكرس الجيلية العشرية التي قد تكون أو لا تكون مقبولة في الشعر، بينما نحن نعني بها هنا؛ فاعلية الهوية الأسلوبية التي تشكلها سيول من الخصوصيات الفردية المتقاربة، الهوية الأسلوبية ليست بفهمها الجمعي السابق باعتبارها لازمة إبداعية قبلية لا تتحقق صفة الرسم إلا بتحققها، لذلك نؤيد رأي الدكتور حاتم الصكر بأن "القطيعة سمة معرفية وليس عداءً أو اختراقاً تقابلياً ضدياً"، عند أجيال الفن العراقي منذ الستينات، وثانيا نحن نعني بالفن التشكيلي هنا على الأغلب فن الرسم تحديدا رغم انه يشمل أحيانا طيفا من الفنون البلاستيكية المعروفة.



شكّل جيل الستينات حلقة (رابطة _ فاصلة) بين مرحلتين في الرسم العراقي فاستحق ذلك الجيل ان نؤرخ به، وكان جيل ما بعد الستينات رزمة من جيل ما قبل (الحروب) وهو جيل السبعينات، وأجيال الحروب التي تسمى بجيل الثمانينات، ذلك الجيل الذي طحنت الحرب، بضراوتها، وقسوتها، وعبثيتها، آماله، وعطلت التطور الثقافي العراقي الذي قاد بدوره إلى تخريب البنية التحتية الثقافية، وكانت أهم نتائجها: الفوضوية، والإرهاب، والطائفية، وكل الأمراض الاجتماعية الكامنة في المجتمع العراقي وفئاته التي لا صلة لها بالتعليم والثقافة والمعرفة والحضارة، مباشرة بعد إسقاط النظام السابق.



لقد بدا لي جيل الستينات، في الرسم العراقي، جيل الانفصامات الكبرى، فقد كان منطقة فاصلة بين جيل الرواد بلازماته (اللابصرية) التي خلقتها طروحات خارج بصرية، أهمها (التعبير عن الروح المحلية بقوانين اللوحة المسندية) باعتبارها لازمة للإبداع، فزحزح جيل الستينات (عمليا) هذه الاشتراطات؛ رغم انه لم يكن شجاعا كما ينبغي، في ميدان التنظير؛ فأبقى الباب مواربا هنا، وحاول المداورة بالنصوص للمحافظة على المتناقضات كلها رغبة منه في ديمومة الصلة بالجمهور عبر أسهل الطرق: اللازمة السابقة والجاهزة والخارج بصرية (التعبير عن الروح المحلية ... )، ومحاولة إقناع الجمهور بقبول تغير أنماط التعبير بين تجربة وأخرى، وبين مرحلة وأخرى، سواء بسبب التحولات الاجتماعي أو ربما بسبب التحولات العالمية في الرسم.



أولى الغرائب التي نواجهه ان جيل السبعينات في العراق كان جيلا ارتداديا سادت فيه الايديولوجيا ومتطلباتها، بطريقة قاسية ومكشوفة، بسبب الوضع السياسي، فشاعت أساليب الرسم المدرسي الأكاديمي والبوسترية الإعلامية سواء تعلق الأمر برسم لوحة أو منحوتة أو أي عمل (فني)، لقد ضمّ هذا الجيل أولى الدفعات من الخريجين الذين تتلمذوا على يد فناني الستينات الذين بدؤوا التدريس إلى جانب الأساتذة الخمسينيين وأبرزهم فائق حسن الذي اثر في شخصية السبعينيين بشكل كبير: صلاح جياد، وفيصل لعيبي، ونعمان هادي، ووليد شيت، وعفيفة لعيبي، وإزاء (الفراغ الحداثي) الذي لم يكن بمستطاع السبعينيين ملؤه؛ استمرت فاعلية جيل الستينات الذين كانوا أكثر حداثة من السبعينيين الذين هيمنت عليهم الايدولوجيا التي كانت تروجها الأحزاب في تلك المرحلة، إلا ان الأمور لم تكن تتطور بهذا الشكل؛ فتحْتَ السطح، وفي خضمّ الحرب العراقية الإيرانية، وظهور أجيال من الرسامين ذوي الرؤية المتجاوزة من الذين خرجوا من عباءة شاكر حسن آل سعيد، أو التفوا حوله، وتبنوا طروحاته في (الفن التأملي)، و(الحقيقية المحيطية)، و(النزعة الخليقية)، و(البعد الواحد)، إلا ان صوت هؤلاء لم يكن الأقوى وقتها، فقد كان الصوت الأقوى هو صوت النقاد الرسميين الذين بشروا بالتعبيرية باعتبارها (فن المستقبل) في العالم!، التعبيرية التي تمّ تبنيها رسميا باعتبارها النمط الرسمي للفن العراقي، فماذا نسمي هؤلاء الرسامين؟، هل نقول جيل الثمانينات؟، لكننا على كل حال نعني بهم تحديدا جيل: هناء مال الله، وفاخر محمد، وكريم رسن، وغسان غائب، وحيدر خالد، ونديم محسن، ونزار يحي، وإيمان علي، وهيمت محمد علي، وسامر أسامة، ومحمود العبيدي، وحسن عبود، وهاشم حنون، وعاصم عبد الأمير، وإيمان عبد الله، وجسام خضر.



لقد كان الميل للاصطفاف يجري عند هؤلاء حول القناعات التحديثية والرؤى الفنية المغايرة، وكانت الانشغالات النظرية لشاكر حسن آل سعيد فكانت مفاهيم: (الفن المحيطي)، و(النزعة الخليقية) تؤلف المناهل التي كان هؤلاء الرسامون يشتغلون عليها، وقد استعنا بالناقد حاتم الصكر الذي كان قريبا من أجواء هذا الجيل؛ فذكر بأن:



هناء مال الله كانت مهتمة بـ"إشارات المحيط وأيقوناته" وإنها "تكشف قناعتها بالفن المحيطي ورؤيتها لوجود اللون عنصراً متعيناً في اللوحة، وربطها لذلك كله بما أسمته (التنقيب داخل الوجود) و(اكتشاف المحيط وتوثيقه)" وذلك يستتبع يقينها "بدخول المحيط بمستوياته المتراكبة والمتجاورة كبنية أساسية في هيكلة العمل الفني" وبذلك تعلل ظهور "الاستعارات المحيطية ضمن جغرافية اللوحة"، مع إيمان راسخ يشاركها فيه رسامو (جيل الحروب) "بـ(اختزل) المحيط وأشكاله المرئية بتشفيرها وتحويرها ، إدراكاً منه بأن ليس ثمة شكل نهائي أو (استقرار شكلي) للمرئيات" ..



وكان فاخر محمد مهووسا بالنزعة الخليقية التي كرسها من خلال "احتفائه باللون واحتشاد اللوحة بالأشكال المشجعة على البحث عن خيط سردي (حكائي) ينتظمها... فتآزرت في أعمال فاخر محمد مخيلة عفوية وحرية قصوى لاستعادة سحر المخلوقات الأولى".



وكان التجريد مسيطرا على منجز غسان غائب منذ بواكير عمله الفني و"غالباً ثمة مساحات لونية فارغة، في أعمال غسان غائب.. تناظر بتوزيع ذكي ذلك الاحتشاد الكتلوي للألوان في مساحات مجاورة لها. فكان من أكثر زملائه استخداماً للزيت على القماش".



لقد كانت حرارة الحرب، وهيمنة النفس الأيديولوجي المحرك للسائد النقدي الذي كان يقوده عدد من النقاد المروجين لطروحات خارج بصرية تشد الرسامين إلى إنتاج فن يتلاءم وطروحاتهم، إلا ان هذه التعبيرية سرعان ما تبخرت بفعل الضعف الذي أصاب محركاتها الخارجية، فقد هاجر العديد من الرسامين خارج العراق فتبنوا أساليبهم بحرية ومن هؤلاء: كريم رسن، ونزار يحيى، وسامر أسامة، وهاشم حنون، وغسان غائب، وهاشم حنون، وهناء مال الله، ومن الستينيين: رافع الناصري، وضياء العزاوي، وعلي طالب، ومحمد مهر الدين، فبدؤوا بإنتاج فن اتجه نحو فضاءات أكثر حداثة من خلال اطلاعهم على آخر صرعات الرسم العالمي، رغم ان بقايا من عناصر منجزهم ظلت كامنة كأطلال باهتة (لا يمكن محوها)، وخاصة ممن كانوا تعبيريين سابقين مثل علي طالب وهاشم حنون وعاصم عبد الأمير، وحتى الذين اتجهوا بقوة نحو التجريد التعبيري كهناء مال الله وفاخر محمد في تحولاته التجريدية؛ تجد في تجاربهم بقايا واهنة، بينما تحولت تعبيرية الآخرين من الذين اتجهوا إلى التجريد الهندسي إلى إحساس طغى في طريقة تعاملهم مع اللون في مساحات هندسية ليس فيها أية مشخصات كما في التجارب الأخيرة لكريم رسن، ونزار يحيى، وسامر أسامة، وكأنما كان الجميع متفقين على تصريف شحنة التعبيرية بشكل ما ودرجة ما، وهو تصريف لم يكن قادرا على محو السمات التعبيرية كلية فظلت عالقة، ولو بشكل واهن وضعيف ولا يمكن تلمّسه إلا بصعوبة شديدة، وهي بقايا تمثل برأينا الوجه الآخر لما لم يتمكن الستينيون من الإجهاز عليه، وهو الحاجة إلى الجمهور الذي تشده العناصر التعبيرية في اللوحة باعتبارها الخيط الرفيع الباقي الذي يحفظ صلة الرسم بالواقع.



لقد بقي الرسم في مرحلة ما بعد التغيير، ولا اعلم ترقيمها جيليا، محتفظا بذلك التوازن بين الأساليب والعناصر؛ فظهرت تنوعات كبيرة هي في حقيقتها تعكس الوضع الحقيقي للرسم الحديث الذي أجهز على (الأسلوب) الجمعي لصالح (طابع) فردي لكل رسام، كما ان الانفتاح على العالم عبر الهجرات الكثيفة للمبدعين إلى خارج العراق بعد التغييرات التي حدثت عام 2003 وبعد سقوط الهيمنة الأيديولوجية الموجهة للفن التشكيلي وجعلت الفن التشكيلي يتطور بالشكل الذي تقوده إليه محركاته الداخلية (الداخل بصرية).



لقد ظهرت بعد التغيير (هل نسميه المرحلة جيل ما بعد التغيير؟؟، او ربما ما بعد الحروب) تجارب لم تكن تعول كثيرا على الاستنادات النظرية، وبذلك لم يعد احد يعول على العناصر الـ(خارج بصرية)، وبذلك ستجد الأساليب المتناقضة فرصة التعايش معا، ليس فقط جنب بعضها، بل وداخل المنجز الواحد، وهو ما قدمته تاتو باختيارها نموذجا حافظ على توازن مقبول للعناصر البصرية بين التجريدية والتعبيرية؛ تلك هي تجربة الرسام محمد مسير الذي نشرت أربعة أعمال منها مجلة تاتو الثقافية في العدد 7 (15ايلول2009) حيث كانت اللوحات الأربع، حالها حال منجز محمد مسير، تتأرجح بحركة بندولية بين التعبيرية حينا وبين التجريد حينا آخر، فقد كانت تلك الأعمال نموذجا لما يمكن ان يكون عليه منجز محمد مسير حينما تتصالح عناصره مع بعضها وتتعايش (بحرية كاملة) كما تصف ذلك مجلة تاتو نفسها (ص16) الأعمال التي تحتل هذه الزاوية، لقد كان محمد مسير حريصا على ان تنطوي لوحته على عناصر تحافظ هي الأخرى على توازن مماثل لذلك الذي في منجز محمد مسير ككل، فلم يكن الرسام مسير ليتورع عن إقامة معرض ينتمي إلى أقصى درجات التعبيرية يعقبه معرض لا تجد فيه أثرا لمشخّص، بينما هو الآن في (معرضه) المصغر هذا (أربعة لوحات) على صفحات مجلة تاتو تجمع معا كل (تنوعاته) الأسلوبية في لوحات منفردة تنطوي كل منها على ذات العناصر بترتيب يزحزح كل مرة بدرجة طفيفة، ان أي من هذه الأعمال تتشكل من ثلاثة عناصر رئيسة: مسحة من اللون الصافي على مساحة واسعة من اللوحة لا تحتوي أي عنصر آخر، ثم مجموعة من الأشكال الملونة بأشكال تقرب من أشكال المربعات المرصوفة جنب بعضها تتغلغل فيها مجموعة من الخطوط (=الشخبطة) واهم هذه الخطوط الشكل المثلث، بينما يمتد العنصر الوحيد الذي يبدو انه مستمد من مشخصات الواقع وهو يقطع اللوحة باتجاه شاقولي بلون غامق نسبة إلى ألوان اللوحة ويبدو شبيها بكف أو بيد ترتدي كفا من المطاط.



حسنا فعلت تاتو وهي تختار تجربة يمكن ان تقدم باعتبارها نموذجا لتعايش الأساليب ذات الطابع الفردي بحرية في سوق حرة دون مسبقات واشتراطات قبلية.