الأحد، 30 أغسطس 2009

عفيفة لعيبي







القطيعة عن الحياة ..
لا تمنح سوى مخلوقات مشوهة



خالد خضير الصالحي

لقد احسست وانا اكتب واعاود الكتابة عن الرسامة عفيفة لعيبي بذلك التواشج الكبير لعنصر المماثلة ، وهو، برأينا، العنصر المشترك الاعظم بين التصوير الفوتوغرافي والرسم الاكاديمي، وهو يعتمد محاولة (النقل) المماثل لمشخصات الطبيعة، فكانت تجربة عفيفة لعيبي واحدة من اهم تلك التجارب العراقية في هذا المجال (محمد عارف، ماهود احمد، فيصل لعيبي)، اكثر من اية تجربة (انطباعية) تتميز بالاشتغال على قوة التكنيك اللوني والتي تتبع خطى تجربة فائق حسن (محمد صبري، سيروان بابان، وسعيد شنين) فتلك التجارب تكون اقرب الى المعالجات الشيئية لمادية التعبير، وبذلك فهي تبتعد كثيرا عن التصوير الفوتوغرافي الذي تتراجع فيه شيئية اللوحة الى الخطوط الخلفية، وتبرز الى الواجهة المماثلة عنصرا مهيمنا، وهو مايتوفر في تجربة عفيفة لعيبي اكثر من غيرها.
وعلى الرغم من ان مكونات الصورة ذات طبيعة بصرية وأيقونية فان "التفكير بالصورة هو ، في غالب الاحيان، انتاج لا للصور بل للغة الكلمات" كما يقرر ميتز، فالصور موجودة لأننا نقرؤها، فتكون السيمولوجيا البصرية ليست اساسا نشاطا بصريا، بل تكون تأويلا لغويا في النهاية، وهو يبدو الهدف الاهم لكل تأويل لاحق. فهل يمكن ان نتحاور مع الرسامة المبدعة عفيفة لعيبي من اجل المساهمة في استنطاق بعض مغاليق تجربتها رغم تحفظنا الشديد على الاعتماد على تصريحات الفنان، واعتمادها مقترحا تأويليا، او مقترحا قرائيا. سألتها اولا:
@ يقول الناقد الأمريكي جورج كوبلر "إن تعريف (كاسيرر) الفن بأنه لغة رمزية" وهيمنة هذا التعريف على الدراسات الفنية في القرن العشرين .. قد كلفنا ثمنا باهضا حيث استأثرت دراسات المعنى كل اهتمامنا ، وأهمل تعريف آخر يقول أن الفن نظام من العلاقات الشكلية .. وهذا التعريف الثاني للفن أهم من المعنى"، هذا ما يقوله جورج كوبلر، ويبدو هو الأمر الأهم الذي كان يفتقره الفن والنقد التشكيلي العراقي. ألا تعتقدين إن بناء اللوحة بشكل (حكائي)، أو اعتماد الرسام على المعنى، وهو ما يبدو جزء منه في أعمالك أحيانا، قد يساهم في إشاعة نمط من الفن ، ونمط من فهم الفن، تستأثر قضية المعنى فيه بجزء كبير على حساب الجوانب الشكلية والبنائية والتقنية، وهو ما رزح تحته الرسم العراقي طويلا برأينا، حينما كرس قضية التعبير عن الروح المحلية باعتبارها لازمة وشرطا لتحقق صفة الرسم؟ ماذا ترين في ذلك؟
- كل مرحلة لها خصوصياتها، وهذه الخصوصيات مرتبطة بأسباب عديدة، وشروط مرتبطة بالنظام الاقتصادي- اجتماعي- سياسي، هذه الشروط توحد العلاقات وتنفرها في آن واحد، والفكر الناتج من كل هذه العلاقات يحدد توجه وشكل الثقافة السائدة، والفن والفنان وإبداعه هو جزء من هذا الكل، يتأثر ويؤثر.
في ألأزمان البعيدة القدم كان ألإنسان الفنان الذي لا يملك الوسائل لفهم أسباب كل ما يجري حوله كان يعتمد الخط واللون للتعبير عن مخاوفه وإبعاد الخطر عنه أو عن عائلته، ثم تأتي التغيرات والمرتبطة بشكل النظام والذي يحكم طرق الحصول على القوت اليومي من أجل البقاء بدأت معه تتغير كذلك طرق التعبير وأشكاله. فأصبحت الحرب موضوعة للتصوير عند العراقيين القدماء والموت وأسراره عند الفراعنة ، وعند ألأغر يق كان الجمال والكمال هو الهدف بعد أن ساد نوع من الترف اقتصادي واجتماعي والذي بالضرورة لحق به ترف فكري ، أما أهل روما بعد أن أصبحوا شكلوا قوة تهدد، توجهت ألأفكار مرة أخرى إلى تمجيد البطولة ارتباطا بالرغبة في التوسع وإخضاع البشر، وعندما أصبحت ألأفكار المسيحية ذات حضور وسطوة بدأ ت ألأفكار الروحانية والقدرة الربانية وفكرة القيامة وما بعد الموت والنار والجنة هي الموضوعة السائدة في كل أو معظم ما كان يبدعه المثقف في تلك ألأزمان. وإذا استمر سردنا سنأتي إلى عصر النهضة حيث بدأت الكنيسة تفقد سطوتها ومع سيادة فكرة الرأسمال الذي أصبح هو السطوة الجديدة والوسيلة ألأقوى لامتلاك العروش و ألاستمتاع بالحياة الدنيا في هذه الفترة بدأت الثقافة إلى حد ما تتحرر من السطوة ويبدأ فيها الفنان أو المبدع يستعيد أو يؤطر الأشكال من ألإبداع فيها نوع من الحرية ويستطيع أن يؤسس لبعض الخصوصية فمع تراخي قبضة الكنيسة والدين في ألإمساك بمفاتيح الجنة والنار, أخذ ألإنسان يستعيد البعض من إنسانيته وبدأ بالتأكيد عليها كحقيقة قائمة بذاتها.
أشارتي المختصرة أعلاه أردت فيها أن أؤكد إلى إن الثقافة عموما والفن كجزء منها هو ليس فقط نظام من العلاقات الشكلية بل هو أيضا انعكاس لأشكال واستمرارية لنظم وعلاقات وبالنتيجة لا يمكن الفصل بين كل هذه ألأمور عندما نريد تفسير ظاهرة معينة أو التوصل إلى فهمها واستيعابها. والآن نأتي على الفن العراقي وسؤالك هو حالة الفن العراقي المعاصر أو ما يمكن أن نسميه هكذا, لأن الفنون عموما والفن التشكيلي بالذات يكاد أن يكون معدوما تماما وعلى مدى خمسة قرون تقريبا في معظم المناطق التي كانت تحت ألاحتلال العثماني ومنها العراق.
ان تاريخ الفن العراقي المعاصر لا يملك امتداداته أو هو ليس استمرارية أو نتيجة لتطورات جاءت صعودا أو هبوطا في المجال التشكيلي في حدود العراق آو ما يحيط به من بلدان. اعتقد أننا في هذا المجال من فنانين ونقاد ما نزال نتدرب على العثور على ألأسس والتي نستطيع عليها أقامة صرح ما , رغم كل ما بذله الكثير من الفنانين العراقيين وعلى مدى السنين الخمسين الأخيرة من جهود للتأسيس لكن كان للسياسة والمرتبطة بالعنف دائما في هذه المنطقة بالذات دور لا يمكن التغاضي عنه في الدفع إلى الأمام أو العودة إلى نقاط الصفر وعليه سادت ثم بادت أنماط من السلوك والعمل، المشكلة هنا لا يمكن أن نحددها فقط في التوجهات التي اختارها الفنان العراقي أو النتائج التي استطاع أن يحققها أو يتوصل إليها ودور النقاد أو ألمختصين واللذين هم في الواقع غير موجودين أصلا.
المشكلة هي اكبر من ذلك , أنها مشكلة حضارية مرتبطة بتراكمات التخلف و ألانقطاع عن كل ما هو حضاري وعلى مدى قرون حيث لا يمكن التجاوز والقفز على مثل هذه التراكمات وإذا فعلنا ذلك فسيكون المولود مشوها بالتأكيد, فعندما نناقش الفن التشكيلي في العراق أعتقد إننا نظلم أنفسنا إذا وضعنا أنفسنا على خط واحد مع ما جرى أو يجري في أوربا و الشئ الوحيد الذي يمكن أن ننصف به أنفسنا هو, إن كل ما قد جمعناه في فترة الخمسين سنة ألأخيرة كان نتيجة جهود فردية كانت ذات طموح لتحقيق شيْ أو محاولة للتحريك و تعتمد مقولة على قدر أهل العزم تأتي العزائم.
@ ولكن ألا تعترفين أن الفن ، رغم كل ما ذكرت، يبقى جهدا فرديا أهم اشتراطاته القطيعة مع الآخرين لكي يشكل إضافة ضرورية، والا ما قيمة الرسم الذي يمتثل لاشتراطات: شكلية أو فكرية مسبقة تجعل منه نسخة مقبولة من (الآخرين) الذين يمتلكون سلطة المعرفة كما كان يحدث في العراق منذ بدايات تأسيس الجماعات الفنية ثم خلال الفترة الماضية اللاحقة؟
- كل التاريخ البشري هو اجتهادات فردية لكنها ناتجة من تراكمات معرفية وخاضعة لشروط ذاتية و موضوعية، مكانية وزمنية وبالنتيجة لا يمكنها أن تعيش القطيعة حتى لو سعينا إلى ذلك .أردنا أم أبينا ، فأن أي نشاط إنساني يملك في داخله الدوافع في أن يكون أو يتشكل ، وهذه الدوافع دائما كامنة في الظرف القائم والمحيط .
كما قلت في جوابي على السؤال ألأول إن القطيعة عن الحياة لا تمنح سوى مخلوقات مشوهة وغير قادرة على العيش و ألاستمرار لأنها غير قادرة على التواصل ولا تملك شروط بقائها ، كما لا يمكنها أن تشكل إضافة. بل قد تعطي تصور حيوي عن معنى العميق للقطيعة.
أنا أؤمن بأن أي جهد بشري مهما حاول أن يكون عبثيا أو لا مباليا ، تكمن في أعمق دواخله رغبة دفينة ومخنوقة للتواصل ، لكني أؤمن كذلك إن التواصل لا يعني القبول بكل الشروط ولا يعني الخنوع والخضوع وهذا برأي ما يميز الفعل الجاد عن غيره من ألأفعال البشرية التي كانت تتحرك لإرضاء واقع موجود أو مفروض أو سلطة معينة.
فهم الواقع بالنسبة لي لا يعني استنساخه بل حسب تصوري إعادة بناؤه بروح أكثر وعيا وإبداعيا.
@ لم يقل احد بانعزال الفن عن الحياة، فالقطيعة تعني الانقطاع الاسلوبي عن الاخرين، ومحاولة البداية في كل مرة مما اسميته مرة (درجة الصفر الاسلوبي) ، فدعوة جماعة بغداد مثلا قد انتجت تجارب متناسخة كان همها ليس مادية اللوحة ، اي الاخلاص لمعالجة مادة الرسم بفهم حداثي بل الاخلاص لموجهات خارجية (غير بصرية) والتضحية بمادية الفن او مادية التعبير (التي تعني ان اللوحة في النهاية ليست سوى تجربة بلاستيكية مادية). ما رأيك بذلك؟
- اعتقد إن طرح السؤال بهذه الطريقة غير المفهومة وعدم استخدام الكلام البسيط والواضح لا يفيدنا ولا يخدم الجهود المبذولة لتوصيل فكرة معينة وقد حاولت جهدي إن افهم بالضبط ما الذي تعنيه بهذه العبارات مثل مادية اللوحة أو الموجهات الخارجية والغير بصرية أو تجربة بلاستيكية مادية. برأي الشخصي نحن ليس بحاجة لكل هذا التعقيد حتى نستطيع أن نفهم ماهية الفن التشكيلي خصوصا. العملية ببساطة هي محاولة الفنان أن يجسد فكرة أو موضوعة معينة ومجردة في الوقت نفسه وتنفيذها ماديا بالشكل الذي هو يعتقد انه هو الشكل أو ألأسلوب الصحيح والمناسب للفكرة وتقديمها إلى شاهد هو ألآخر له حضور مجرد لكن بعد العرض ألأول تصبح اللوحة حقيقة ملموسة والمشاهد كذلك يصبح له حضور وتأثير على تفسير اللوحة وإعطائها الصورة التي يرتئيها أو القيمة المناسبة حسب التقدير الشخصي وهذا طبيعي له علاقة حميمة بمستوى وعي المتلقي وسعة خياله.
@ سيكون معرضك الاخير، الذي اقيم قبل مدة، فرصة (لأعادة تقييم) لمنجزك الابداعي ومعايرة لما سبق، من قبلنا نحن النقاد على الاقل، فقد اشرت ، في مقالين لي عنه، حقيقة اولية هي انك لم تكرسي جهدا كاقيا لاجراء (زحزحة) اسلوبية او ما اسميته (الايقاع في تحولات الاسلوب): لا في قوانين المنظور ولا في التشريح، وهما ما ركز عليهما فيصل لعيبي جهده، فكانت معالجته في ذلك معالجة استثنائية في اسلوب الرسم الاكاديمي، بينما كنت تكتفين في معالجاتك الشكلية بالمطابقة مع المشخصات بما يحفظ سمات اسلوب شخصي متفرد عن الاخرين. السؤال: اين انت من تيارات التجريب في الرسم العراقي المعاصر الذي وصل حدودا قصية في التجريد ، والتجريب بالمادة، ما موقفك مما اسميه (تيار الحداثة) هذا؟ وهل تعتبرين اهتمامك بمزيد من بالضوء والتفاصيل في خلفية اللوحة كافية لتجديد اسلوبك، امام تحولات اسلوبية جذرية يجريها الاخرون على اسلوبهم بين الحين والاخر؟ وهل ستستمر عفيفة لعيبي بالسير الحثيث بنهج اسلوبي اختطته لنفسها منذ مرحلة التلمذة ومازالت وفية له دونما زحزحة طوال تلك السنين الماضية؟ وما هي التطلعات التجديدية التي بذهنها الان كاستراتيج عام؟
- كل إنسان له أسلوبه في الحياة وعنده الكم الهائل من العلاقات المرئية والمجردة والتي تشكل تجميع مادي ومعنوي لمجموعة من القيم والتي يحتفظ بها لنفسه وهي في الوقت نفسه تشكل خصوصية تميزه عن غيره من البشر وبشكل شخصي أتابع على قدر ألإمكانيات المتوفرة لي و بالارتباط بقدراتي المحدودة لأني ليس بالإنسان السوبر ومن أجل تطوير قدراتي سواء على صعيد العلاقات الاجتماعية أو في مجال اختصاصي أحاول أن استفيد من هذا الكم ألخزين لدي إذن علاقتي مع ما اعمله أو أنتجه هو ليس علاقة تناحريه مع الآخر أو تنافسية ناتجة عن شعور بالعزلة أو الضعف بكل بساطة أنا أحاول أن أنتج ألأشياء القريبة إلى روحي وقلبي والتي تمنحني السعادة لكوني استطيع تحويلها إلى حضور قائم بحد ذاته ولهذا ليس همي هو الحداثة أو أن أنتج سطوح معقدة لأجل أن أدهش أو أثير ألآخر أو اعمل خطط واستراتجيات للهجوم أو الدفاع أو اعمل حركات بهلوانية لكسب الجمهور لأن كل هذه ألأمور لا تدخل في حساباتي الدفاع ولا تشغلني إطلاقا ولهذا فاني لا أتسابق مع الزمن ولا مع ألآخرين أنا أريد أن استمتع بما هو في متناول قدرتي أما كيف يفسر ألآخر تجربتي فله كل الحرية بأن يفسرها كما يشاء .
@ اشكرك على اجاباتك واتمنى لك مزيدا من النجاح.

هاشم حنون وربع قرن من الرسم







اللوحة بلغة الجسد

خالد خضير الصالحي
Khkh1956@yahoo.com


كثيرا ما صنفنا هاشم حنون، باعتباره رساما تعبيريا حتى حينما يكون في اشد حالاته غلوا تجريديا، فقد اعتمد هذا الرسام اختزال أشكال المشخصات وليس تأسيس رسم لاشكلي أو غير مشخّص، وبذلك فقد كان يعتمد الجسد الإنساني باعتباره منتجا للدلالة وللتواصل عبر استنطاق أعضاء الجسد ذاته أو امتداداته، فكان هذا الرسام، ومنذ أولى مشاركاته في معارض العاصمة العراقية، قد اتخذ الجسد كلا متكاملا كـ(ـمهيمنة شكلية) يؤسس عليها معمار لوحاته، جاعلا أعماله تلك مشبعة بإيماءات الجسد الإنساني من خلال ما تم التموضع عليه اجتماعيا من دلالات، وذلك يصدق عليه منذ لوحته (الأولى) التي تم اقتناؤها، والتي أطراها جميع من كتبوا عن بدايات هاشم حنون، ونعني بها لوحة الشهيد التي كانت تصور الجسد المسجى الذي تحيط به النسوة الناحبات، فكان يوظف إيماءة ذلك الجسد الإنساني من خلال نسق سبق وان وظفه دلاليا رسامون عراقيون عديدون: فائق حسن، محمود صبري، فيصل لعيبي، وآخرون، ونسق آخر هو من تأثيرات لوحات عصر النهضة وغيرها من الأعمال التي تصور جسد السيد المسيح (ع) وخاصة تلك التي كان رسمها جريكو ووظف فيها استطالات أشكال الجسد الإنساني ليوحي ببنية يرتفع فيها المقدس إلى الأعالي، وبذلك فقد كان هاشم حنون، ومنذ مشاركته المهمة التي استضافته فيها جماعة الأربعة في احد معارضها، حيث كُرس هاشم حنون باعتباره رساما سيشكل علامة في الرسم العراقي لجيل الحرب العراقية الإيرانية، كان يؤكد توجهه هذا بشكل قوي عندما طرح موضوعة الشهادة في معرضه الذي كرسه لها والذي أقامه في مركز الفنون عام ؟؟؟؟ ، ورافقته محاضرة لي أقمتها في المركز ذاته وأذن لي الصديق الناقد سعد القصاب بنشرها في نشرة (الواسطي) التي كان يشرف عليها، وكانت نشرة تعنى بموضوعات الفن التشكيلي وتصدر عن مركز الفنون في ذلك الوقت.
لقد كانت أشكال هاشم حنون في ذلك الوقت أشكالا تعبيرية مشخّصة ومحتفظة بملامحها بشكل كبير، وتكسوها غلالة لونية حليبية تماثل ألوان رينوار البيضاء، مع احتفاظها بالبنية التي كرسها عصر النهضة المتأخر والتي هي بنية هرميه لتوزيع الأشكال واتجاهها مرتفعة نحو مثلث الرأس العلوي.
كان احترام الجسد الإنساني دالة كبيرة في أعمال هاشم حنون المبكرة باعتبار ذلك الجسد موطنا للقداسة، رغم تعرضه للامتهان عند الوفاة، وذلك هو السبب القوي الذي جعل الرسام يعود إلى لوحات صلب المسيح ليتخذها هدفا للتناص في رسم أعماله التي تناولت موضوعة الشهادة، والتي كان الجسد الإنساني فيها هدفا تستوطنه الآلام ولكن تتجسد فيه القداسة في نهاية المطاف.
لقد أقام هاشم حنون معرضه الأول في بغداد والحرب العراقية الإيرانية في بداياتها، فلم يتكشف بعد ذلك الوجه القبيح الذي ظهرت به أخيرا حينما استعرت المعارك بعد الهجمات القاسية التي شنتها إيران لإخراج الجيش العراقي من أراضيها، ثم لاحتلال الفاو أخيرا، وهي معارك خلفت عشرات الآلاف من القتلى في كلا الجانبين، فشكلت جثث هؤلاء مادة تلفزيونية بشعة كانت يعرضها تلفزيونا البلدين كـ(ـصور من المعركة) ليبرهن كل طرف لشعبه إن ما فعلته قواته المسلحة (الباسلة) بالأعداء كان أمرا جللا تعجز عن وصفه الكلمات والصور، فظهرت الجثث نافقة، ومقطعة، ومحترقة، وتثير اكبر قدر من البشاعة والتقزز لتشكّل خزينا انغرس عميقا في لاوعي الناس في ذلك الوقت ثم ظهرت آثاره وآثار الحروب التي أعقبته، بعد سنوات حينما بدأت المجاميع المسلحة تستحل الجسد وتنتهكه بأبشع ما يكون عليه الانتهاك، فانتقل هاشم حنون من تقديس الجسد المقدس الذي يعرج مرتفعا نحو السماء إلى مرحلة لاحقة فبدأ الوجود البشري لديه ينفصل إلى جزأين من طبيعتين مختلفتين، جزء غير مادي يحمل القداسة ذات الطبيعة غير المادية وهي ترتفع إلى السماء كتلة هلامية لا معالم محددة لها وهي في طريقها نحو السماء، بينما تتخلف بقايا الجسد الممزقة التي كانت تعرض من على شاشات التلفاز في صور المعركة، أشلاء مقطعة تحتل قعر اللوحة وهي ليست إلا بقايا من كتل حمراء وسوداء غامضة ودامية وتشبه بقايا الدم المتخثر، وبذلك تمكن هاشم حنون من الكشف عن الطاقات التعبيرية التي ينتج بها الجسد وبقاياه الدلالات التعبيرية المضمرة فيه، فلا يعود الجسد يوجد خارج عالم الأشياء، بل يبدأ عالم الأشياء بالانتماء إليه بعد أن تكون الاشياء قد انفصلت عن عالمها بفعل قوة مدمرة؛ فتغدو كينونته كينونة لبقاياه، ولا يعود الجسد دالا مكتفيا وقادرا على توليد سلسلة لا متناهية من الدلالات انطلاقا من تنوع الأنماط الصانعة لكينونته؛ وبذلك يكشف هاشم حنون عن مسلك آخر تتحقق فيه كينونة الجسد من خلال فعل اندماجه ببقاياه التي تسد مسده، وحينما لا يتبقى منه إلا تلك البقايا، " عندما يستعصي العثور على معنى للكل، بإمكان المحلل أن يعود إلى الأجزاء. فقد لا يدل الكل إلا من خلال أجزائه، أو قد تختلف دلالة الكل عن دلالة الأجزاء المكونة له." كما يقول سعيد بنكراد.
لقد كرس هاشم حنون هذه الهندسة الشكلية واللونية والدلالية طوال عقدين من الزمن، لم يبتعد فيها أحيانا عن تناول الجسد باعتباره المكان الذي تمارس فيه أبشع جرائم البشر ضد أنفسهم إلا ويعود إليه سريعا بفعل الغربة، وأوضاع العراق التي لم تتبدل منذ حرب الخليج الأولى وحتى وقتنا الحاضر، فامتلأت نفسه بالحزن والغم على بلده الذي احترق وما زالت حرائقه مستعرة، فكانت عناصر لوحاته الأولى تختفي يوما لتظهر يوما آخر، ولتبلغ أقسى تمظهراتها من خلال تلك البقايا المادية لأجساد العراقيين: لبقاياهم التي لا تعدو أن تكون خرقا أو أشلاء أجساد محترقة، أو بقايا قطع جنفاص المواضع المحترقة التي ملأت المدن وهي تستعد للحظة الحرب، أو بقايا الآثار التي خلفتها الحرب الطويلة التي مرت بها مدينته البصرة، المدينة التي ولد وعاش فيها الرسام سنوات حياته الأولى، المدينة التي طالما اجتاحها الغزاة وموجات الطاعون على مر التاريخ.

ثقب في جذع نخلة










دهشة أزلية أمام الثقوب الغامضة
كما في المستحثات، آثار السطوح التي تركها الزمن بصمة مكوثه الطويل عليها، تستحث تلك المستحثات، وآثار الجدران، هي الأخرى، الذهن لاكتشاف عشرات الأشكال، والحيوانات والإشارات، فكان عالم النفس الألماني روشاخ قد رفع هذا التكنيك إلى ما يشبه الآلية الثابتة لديه في استدرار الذكريات من اللاوعي، وايضا جعلها كذلك الكثير من السورياليين كذلك لنفس الغرض، فقد كان ماكس ارنست يسميها (frottage) ، وهو تكنيك كان يتبعه لصنع (حقل متعرجات) يقوم باستقرائه، واكتشاف شتى اشكال الكائنات والمسوخ فيه، وهو ما فعلته صحيفة الصباح حين وضعت صورة ثقب في جذع نخلة امام عدد من القصاصين وتركتهم يتاملونه بهدوء.
لقد رافقت الملحق عدد من لوحات وتخطيطات الرسام محمد مهر الدين، ربما كانت هذه صدفة، وربما كانت تخطيطا مقصودا، وهي في كلتا الحالتين جاءت في محلها تماما؛ فهذا الرسام واحد من أولئك الر سامين الذين تعاملوا مع الثقوب في جسد اللوحة باعتبارها عنصراثابتا في ذلك البناء، وهو ما كان يفعله عدد من الرسامين الذين كانت الثقوب بالنسبة إليهم عنصرا بنائيا جوهريا في بناء لوحتهم، أكثرهم كان راكان دبدوب، وهو نحات كان يتعاطى الرسم، فكان يتعامل مع تلك الثقوب تعاملا يشابه تعامل النحات هنري مور مع ثقوب منحوتاته التي كان يصنها غائرة تخترق المنحوتات؛ فتخلق وشيجة تربط وجه المنحوتة بقفاها، هي "كائن تتواجه جهتاه على الفور" (فوكو، الكلمات والاشياء، مركز الانماء القومي 1990، ص 4) وهذا ما لا يتوفر في اللوحة ذات السطح الواحد، فكانت الثقوب في لوحة راكان دبدوب، ربما يمكن تصنيفها باعتبارها خيالا نحتيا يقع دون ملموسية النحت.
ان من تدارك حاجة الثقوب الى وجهين ليتم الربط بينهما كان الرسام الراحل شاكر حسن ال سعيد، الرسام الذي كان يصنع الثقوب حقيقية في جسد اللوحة، وربما كانت فكرة هنري مور قد ظلت جاثمة عليه وهو يرحّل ثقوب ذلك النحات من حقل النحت الى حقل الرسم ذي السطح الواحد، كان عليه اذن ان يخلق للوحة وجها ثانيا !!؛ وهو ما فعله هذا الرسام ذو الخيال الجامح والاستثنائي؛ فقد صنع لوحة ذات وجهين مثقوبة ثقوبا غائرة تربط بين وجهيها، فكان يغلفها بالزجاج الشفاف الذي لا يعتبره مادة مؤثرة، فتبدو اللوحة منحوتة مسطّحة، او لوحة بسطحين مثقوبة ثقوبا غائرة.
كان ثالث هؤلاء الرسامين: (صانعي الثقوب)، الرسام الذي استضافه ملحق الصباح: محمد مهر الدين؛ لترافق رسومه وتخطيطاته نصوص اولئك القصاصين، انه لم يكن يصنع الثقوب غائرة في جسد اللوحة، كما كان يفعل ال سعيد، كما لم يصنعها بوهم البعد الثالث، كما كان يفعل راكان دبدوب، بل كان يصنعها ثقوبا ببعدين تشكل فراغا (punch) ابيض يحتل غالبا اماكن مهمة في جسد اللوحة، تماما كالثقوب السوداء في عمق الكون، تلك التي حار الفلكيون في معرفتها ان كانت تؤدي الى وجه اخر من الكون ام لا، فكان هدف مهر الدين من خلالها، ومن خلال الثلمات التي يرسمها بالابيض، ليس الايحاء بوجود سطح ثان للوحة؛ ومن ثم العمل على ربط سطحي تلك اللوحة، بل الايحاء بوجود خرق في المساحة اللونية في سطح واحد لا ثان له، وبذلك فان ثقوب مهر الدين هي ثقوب ذات طبيعة تقنية، تخلق انقطاعات تماثل انقطاعات الشعر التي يملؤها القارئ.
ان هؤلاء الرسامين الثلاثة يستثمرون تلك الدهشة الانسانية امام الثقوب ايا كان شكلها، في حوار ثقوب "فان العينين، بنورهما المحدد تعكسان النور الاعظم الذي تنشره في السماء الشمس والقمر؛ والفم هو فينوسلان من خلاله تمرّ القبل وكلمات الحب؛ والانف يعطي صورة صغيرة لصولجان جوبيتر وشارة ميكور" (فوكو، السابق، ص 41)، وهو ما فعله القصاصون المشاركون في ملحق الصباح، الذين جعلوا العنوان (ثقب في جذع نخلة) قاسما مشتركا ومضمارا دلاليا وفنيا، في عدد يوم الاربعاء 28 ايار 2008، وقد ساهم في هذا المشغل القصصي كل من القصاصين: قصي الخفاجي، ناصر قوطي، نوفل عبد الواحد، عباس البغدادي، باسم القطراني، خيري القروي، فقد دهش هؤلاء من مرأى الثقوب في جذع النخلة، تماما مثلما كانت دهشتي في البصرة، عندما كنت ذاهبا، اثناء حرب الثمان سنوات، الى مديرية النشاط المدرسي، وكانت تقع خلف بهو الادارة المحلية في منطقة الجبيلة، وكانت، وقتذاك تقع وسط منطقة زراعية يخترقها شارع تقع بناية البهو بدايته، وكانت شظايا القصف الايراني على البصرة قد احدثت ثقوبا عميقة في حيطان الكثير من البيوت وقتها، فكانت هنالك على حائط احدى البنايات المحاذية للشارع، ثقوب في حائطها المبني بالطابوق الاصفر الناصع الذي كان يبدو تحت اشعة الشمس بلون الذهب، او ربما كان بشكل ادق، بلون (الخريط)، ذلك المسحوق الكتكتل الذي يصنعه المعدان في اهوار العراق من حبوب لقاح ازهار النباتات المائية التي تنمو في الاهوار، ويصب في قوالب تشابه (جبن العرب)، بدت لي تلك الثقوب وقتها مدهشة، فكنت اتاملها بعناية، كان ذهني مشغولا وقتها بالشظايا التي لم تستقر في الحائط ترى هل استقرت في قلب احدهم، لحظتها اطل عصفور علي براسه من ذلك الثقب، لقد كان ثمة عصفوران يبنيان عشهما في الثقب الذي صنعته الشظية، كان يبدو ذلك بالنسبة لي برهانا على ارادة الحياة في الحرص على نفسها، حرصها الذي يدفعها الى ان تخلق مقابل كل موت ولادة في الجانب الاخر منها، لم اكن قاصا لاكتب هذه الحكاية قصة، ولكني سردتها بما اعانتني عليه مقدرتي، كانت انسنة الثقوب اذن الية مشتركة للقصاصين هنا بالية التشاكل الصوري التي كان يتبعها الرسام ايف تانغي مثلا، حينما يتحول بين يديه الحصى الى حصى بشري يتدفق روحا انسانية!.
لقد وظف قصي الخفاجي الثقب في جسد النخلة ارتباطا مع الوعي الشعبي وما يسكن اللاوعي الشعبي كذلك من خوف من تلك الثقوب التي ترتبط بكائنات تسكن فيها؛ فكانت قصته حكاية ذات حكمة بالغة التقطير، حكمة شعب كامنة في لاوعيه الجمعي التي تجمعت على مدى قرون، بينما كان عباس البغدادي مازال يتحرك ضمن قوانين هذا العالم لم يبرحه وهو يتطلع الى الاف الثقوب التي صنعتها القذائف الغائرةفي اجساد النخل؛ فكانت ملاذا، هذه المرة، لكائنات من نوع مختلف، كائنات بالغة الصغر كالنمل وحشرة الارضة؛ فكانت تبدو "كدم الثقوب الاصفر، يفور في الليل، ويهدا في النهار".
استعار ناصر قوطي سطح الرسم الى القصة فبدأ يحكي قصته نقلا عن سطح مرسوم بالقلم الرصاص، وشيئا فشيئا يتبدى الثقب في جذع النخلة الغاطس في الماء "وكأن نحاتا عمل بازميله ليال طوال حتى يخرج بتلك النتيجة المذهلة"، فصار الثقب الاسود عند ناصر قوطي "اقرب الى عين انسان... كانت عينا فارغة الا انها واحدة... تشاركني رؤية وحشة المكان.. تشاركني الرؤية..."، وكان يصف الثقوب الاخرى الصغيرة بأنها "ثقوب سود صغيرة كانت تستشري وتنتشر كالبهاق وهي تحيط بتلك العين الوحيدة"، وبذلك فقد اسس الراوي بينه وبين ذلك الثقب "الفة غريبة فيها من البوح والشجن كما لو بين كائنين حيين"، ذلك الثقب الذي تحول في الغربة الى ضوء فنار يتلمظ من بعيد.
تحولت ثقوب جذوع النخل عند باسم القطراني الى افواه تصدر انينا كان الحاج مصطفى العثمان قد "ادخل راسه في بعضها واسنانه تصطك ذهولا. الان بوسعه ان يسمع الشهقات ترن في اذنيه وهي حبيسة تلك الجذوع الجرداء"، ثقوب نشقت روح الحاج مصطفى العثمان، فصار النخل بعدها قد "عاش واثمر وما يزال...".
لقد جعل القاص خيري القروي ثقب النخلة مرصدا له، اخرجه في النهاية من الجنة الى اتون الجحيم، بينما تحول الثقب في نخلة نوفل عبد الواحد نحو راس حبيبته، وكان في قصة كاظم حميد الزيدي ليس سوى ذكرى دموية في راس رجل كان فاقدا للذاكرة سنوات طوال.
نرى اذن اية دهشة، وذهول ذلك الذي يكمن في لا وعي الانسان امام ثقب غامض، ثقب عميق في جذع نخلة!!.

(مقترح للنزهة) مجموعة شعرية لعلي النجدي







المقطع الأخير جوهرا للقصيدة

خالد خضير الصالحي
khkhiraq@yahoo.com

"انتظريني
انتظريني
قليلا أيتها الروح
الصاعدة..
أغصانك
أصابع مودة فارغة
وشياهك
للريح"

******
غالبا ما نتخذ غلاف الديوان، باعتباره واقعة بصرية تشكل مدخلا إلى النص، فكان غلاف المجموعة الشعرية (مقترح للنزهة) للشاعر علي النجدي، يهيمن عليه هارموني لوني يشكله اللون الأخضر الضارب إلى لون الحشائش الذي تندس به خلسة صورة الشاعر في الغلاف الأخير وهي تكتسي بمسحة من ذلك اللون لتندغم ومقتبسا للدكتور لؤي حمزة عباس بالغلاف تماما، كما ينطوي الغلاف ولونه الحشائشي على حديقة مجتزأة من لوحة للرسام الفرنسي بول كليه وشذرات مقتطعة منها موزعة بذكاء اتسم به المصمم الرسام صدام الجميلي، فكان اختيار المصمم للرسام بول كليه موفقا حيث طالما حير تفرد ذلك الرسام بول كليه متلقيه الذين لم يتمكنوا في تصنيف منجزه، فقد نأى بنفسه بالوقوف بعيدا ووحيدا في طرف قصي من فن الرسم، فرغم انه يسير مع الرسامين كلهم ولكنه فريد فيما أتى؛ فلم يكن الرسم بالنسبة لبول كليه إلا حلم يقظة طفولية متواصلة يجب ان تنتهي إلى سبر أغوار اللامرئي من الوجود البصري.
لقد بدا غلاف المجموعة وكأنه أحد التحولات البصرية لقصيدة الشاعر (لي) في مجموعته هذه:
"بيت
لا يشبه البيوت
عشبة
لا تشبه المراعي
أطفال لا يشبهون الذكريات
أصدقاء
لا يشبهون المرايا
...
نافذة
لا تطل
شمس
من ورق
...
حياة
تتساقط
حبات
رمال"
******
لقد هندس علي النجدي نصه بدءا من العنوان فكان عنوان المجموعة (مقترح للنزهة)، عنوانا مولدا للعنوانين الفرعيين فالشعر عنده نزهتان (=رحلتان): (نزهة النهار) و(نزهة الليل)؛ فيولج رحلة النهار برحلة الليل؛ فينتهي الشعر عنده إلى نزهة تبتدئ من غلاف المجموعة وتنتهي بكل تفاصيل النص، فكانت نصوصه ناتج تقطير (إتلافي) للغة لا يبقي منها إلا جوهر الشعر (=الحلم) حلم يومي ليس إلا لمحة خاطفة تجمع ملتقطات احفورية من اليومي لتجعلها جوا سائدا يلف عوالم القصيدة: فكان جو الاستغراب يلف قصيدة (أطراف جديدة)، وحميمية الذكريات تلف عالم قصيدة (عند شاطئ هادئ)، وكذا جو الانتظار الخانق الذي يهيمن على قصيدة (لعبة).
يتاطر نص علي النجدي بحلمين كئيبين هما أولا قصيدة (وطن) "...يفكر بمدن لا مرئية" مثل مدن بول كليه الشهيرة، "بوجوه نابضة"... وينتهي فيه الأطفال بأن لا يعودوا "بحاجة، إلى مدنه الخفية، لتكون وطنا"، وانتهى بحلم قصيدة (نداء) حيث "البلاد الدخان، تبحر، شاحبة"... فقد "تغير كل شيء".
بدت لي كتابة علي النجدي بوحا مسموعا او خطابا راجعا موجها من الشاعر نحو ذاته:
"حين تدفعك الكوابيس
إلى الصباح
ادع نفسك لفنجان من القهوة
... "
(مقترح للنزهة)
"أتعرف
ان شخصا بداخلك
يعرف كل شيء
يمضي بك نحو بياض"
(روحه برتقالة)
"أرجعت سبابتك إلى الحائط
وقلت هنا"
(باب)
"قد يستوقفك احدهم ذات صباح
ترمقه بنظرة عابرة"
(نظرة عابرة)
"اسأل قميصك عن أسماء الفراش،
اسأل كينيك اللتين مازالتا ترعيان روحي
اسأل المروج"
(كل الحكايا، من دونك، عابرة)

******
رغم ان قصيدة علي النجدي "تحتفي... باللحظة العابرة، وتنشغل بالواقعة اليومية محاولة التقاط ما هو حلمي فيها" كما جاء في تشخيص دقيق لصديقي الدكتور لؤي حمزة عباس، إلا ان يومية الواقعة لم تثن الشاعر، عن هندسة (كل شيء) في ديوانه!، فقد كان يقلم أطراف النص إلى ان ينتهي الأخير إلى لقطة منفردة او صوت منفرد تلفه أنفاس جو منفرد وحيد يؤثث أرضية القصيدة، متمثلة غالبا في مقطعها الأخير الذي يبدو الشاعر وكأنه يبتدئ كتابة القصيدة منه، فان جوهر القصيدة يبتدئ من ذلك المقطع الذي يحتم على القارئ إعادة قراءتها، مرة ثانية، انطلاقا منه؛ وبذلك يكون ذلك المقطع جوهرا للقصيدة وتكون كل التفاصيل الأخرى ليست إلا إكسسوارات ملحقة او في أفضل الأحوال ليست إلا فلاش باك او تداعيات مضت (يسردها) الشاعر حينما يكتب (الآن)، حتى انه، في أحيان كثيرة، يلقي بإشارة نصية تدل على آنية الحدث هذه في القصيدة، وغالبا ما يلقي بتلك الإشارة في المقطع الأخير:
"هو الآن ..."
(وطن)
"يحدق الآن..."
(أطراف جديدة)
"الطائرة ما زالت"
(عند شط هادئ)
"ترى ما الذي افعله الآن"
(ظل كثيف)
"انك الآن ..."
(نسيان)
"على جذعها اتكئ الآن"
(غياب)

السبت، 29 أغسطس 2009

الفوتوغرافي زياد تركي





الصورة الفوتوغرافية .. مشروعا تأويليالانفصال عن الواقعة
حالما تنفصل الصورة الفوتوغرافية، عند زياد تركي، عن اية متعلقات بالواقعة: المعلومات الثائقية، والعنوان، واشارات المكان والزمان ونحو ذلك، فلن تعود جزءا من الارشيفات والسجلات التاريخية والوثائق والمعلومات .. وتندرج عندها ضمن مشروع بصري تأويلي ذي بعد انساني مفصول عن لحظته التاريخية، مشروع لمجاز منطو على ذاته، ومكتف بها، ويحمل صفة هامة باعتباره ليس الا اثرا من واقعة ذات بعد انساني عام، فتنتهي عندئذ تاريخية اللقطة، وتتسع المسافة، وتبتعد الشقة بين الواقعة والصورة حدّ اكتفائهما الذاتي، فينتهي المعيار التاريخي للصدق، ذلك الذي يقع في وهمه، كتّاب كثيرون حينما يتهمون انماط التصوير والصور التي يمكن (التلاعب) بتفاصيلها، بعدم الصدق جرّاء هذا التدخّل البشري، ولكننا نعتقد ان هذا المعيار يبدو ضيقا للغاية، وقد لا ينطبق الا على حدود ضيقة من التصوير الفوتوغرافي، كما لا تصحّ برأينا معايرة صدق الادوار التاريخية (=أدوار الاستحالة) التي مرّت بها الصورة الفوتوغرافية، وادت فيها مختلف المهام، خلال تطور (تكنولوجيا) التصوير عبر التاريخ؛ ومنها اعتبارها دالة على الواقعة التاريخية؛ وبذلك تتم اعادة انتاج مفهوم (الصدق)، وهو ما حاولت تجربة زياد تركي الفوتوغرافية الاسهام في تأسيسه حينما عرضها مؤخرا في معرض اقامه ضمن ملتقى المدى الابداعي في مدينة اربيل.
المحنة الانسانية
لقد كانت المحنة الانسانية هي الثيمة الكبرى التي قدمها معرض زياد تركي فيظهر فيها الانسان مقهورا، مقهورا، ومحطما، وحائرا، امام ابواب الحياة الموصدة دونه فكان التعبيرعن الحالة الداخلية من خلال عناصر الشكل الخارجي والعناصر الشيئية للصورة الفوتوغرافية، عند زياد تركي، يتم من خلالها توظيف عناصر الصورة والواقع كمجسدات لهذه الثيمة عبر تلاعبه بتوزيع الظلام في الصورة، بهدفين؛ هدفدرامي، حيث تطْبق تلك العتمة الثقيلة، كالكواليس، على الوجود الإنساني، تاركة له فسحة ضئيلة من مساحة الصورة (=الأمل) التي يظهر الضوء فيها، فكان توظيف الضوء من اجل إبراز "لحظة إدراك في وجوه وتلميحات الموضوعات؛ وكل ما سواه ملقي في الظلّ"، كما يصف الناقد (دونكان بول) أجواء مشابهة لتجربة زياد تركي، حيث تبرز التباينات بين الضوء والظلام، وثمة هدف سايكولوجي استبطاني يأتي ضمن محاولة للإمساك "بالحياة الداخلية لموضوعاته، عبر توزيع الضوء والظل لإبراز تعابير الوجوه التغضنة المحفورة بفعل الزمن القاسي الذي ترك اخاديد كان قد حفرها بقسوة لا توصف، فتبدو لحظات الإدراك والإستغراق في التفكير، والإنغماس في التأمل، في وجوه نماذجهالمختارة بالتزامن مع الجدران المرتفعة التي اخذت مساحة الجزء العلويّ الأعظم من اللقطة، فسحقت هيمنتها على فضاء الصورة أية مقاومة، يمكن ان تبديها تلك (الكائنات) البشرية المحشورة بين ظلفتيها تاركة إياهم غارقين في محنتهم، ساهمين، حائرين، بمصيرهم المحزن.
يقول زياد تركي
عن تجربته التي قدمها في معرضه في ملتقى المدى الابداعي الاخير في مدينة اربيل، يقول زياد تركي:داخل تلك المخلفات التي كانت يوما ما بنايات (محترمة !) تثير فينا الرعب ..والخدر ..والحذر ..والتقزز احيانا، والتودد احيانا اخرى,كانت هناك سجون وغرف تحقيق وغرف اجتماعات واخرى للنكات ,ولم تك تلك الغرف تخلو من صورة الاوحد ..الفريد ..العنيد.. الجبار .. اليوم لم تعد تلك الصورة معلقة ولم يعد له أسم مما كان . في جوف تلك البنايات ,وجدت من يفترش الاضابير للمنام وهناك من اقام مطبخه الصغير في زنزانة مفردة ,وهناك من يشارك زوجته غرفة رئيس التحرير الاطفال وجدتهم يلعبون في مكتب أمين سر الفرع ,وهناك صبي يغازل فتاته في غرفة المدير العام ... الى هؤلاء الى من يستحق منهم المأوى .الى عيون أطفالهم جميعا أهدي هذه الصور .
زياد تركي
ولد زياد تركي - 1964
معهد الفنون الجميلة - قسم المسرح 86
كلية الفنون - سينما 99
مصور فوتغراف وسينما
مشلركات في معارض عالمية
معرض شخصي في معهد غوته في سنغافورة
مصور فلم ومساهم في انتاج فلم (غير صالح ) اخراج عدي رشيد هذا الفلم حاز عل جوائز2004
مصور فلم العراق موطني لهادي ماهود 2005
مصور فلم زيارة الى جنة اخراج مقداد عبد الرضا 2006

الأحد، 23 أغسطس 2009

فاخر محمد وعاصم عبد الأمير وهاشم حنون













تماثل الهيكلية البنائية



خالد خضير الصالحي
khkhiraq@yahoo.com

حينما ظهرت تجارب الفنانين فاخر محمد وعاصم عبد الأمير في معارض جماعة الأربعة كانت تمتلك قدرا واضحا من القطيعة التي جعلت الكثيرين غير مقتنعين تماما بإمكانية بعث الجماعات الفنية، وبدعاوى جماعة الأربعة باعتبارهم جماعة ذات اتجاه فكري يجمع شتات تجاربهم المختلفة، إلا ان توالي معارض هذه المجموعة والمزاملة الطويلة لبعضهم واستضافتهم للرسام هاشم حنون بدأ يلاقح تجاربهم ببعضها، وينقل تأثيرات احدهم إلى تجربة الآخر؛ فبدأت تجاربهم تقترب من بعضها ونخص الآن منهم الرسامين: فاخر محمد وعاصم عبد الأمير وهاشم حنون، حيث لم تتشابه تجارب هؤلاء شكليا فقط بل وتماثلت بالهيكلية البنائية السرّيّة التي كانوا يبنون عليها تجاربهم فقد كان نسيج اللوحة عند هؤلاء الرسامين لا يمتد فقط في انتشار سطحي بل يمتد ويتغلغل عمقا، وفق بناء مؤلف من طبقتين (أي من مستويين = شريحتين بنائيتين) هما: مستوى (الباك كراوند) الخلفية (بعدان = طول X العرض)، وهو المستوى الذي يؤسسه تكنيك الألوان، حيث تستعاد علامات المحيط (= آثار الزمن في المحيط أو ألوانه التي تركها على المحيط) آثارا وبقعا وألوانا وسوائل مسكوبة دون وعي، وهو، أي هذا المستوى، يعالجه الفنان أولا، من الناحية الزمنية، فهو إذن مستوى غائر، تمثله بقايا مقتطعة من حائط أو بلاطة قديمة دونت الرطوبة والتعرية عليها آثارها، فبدا عليها فعل الزمن واضحا، وهي طبقة فاتحة من اللون دائما؛ لأنها مهيأة لاستقبال الأشكال الداكنة التي في مخيلة الرسام. بينما يبدو المستوى السطحي الكاليغرافي (العلامات = الخط = البعد الواحد)، داكنا، قريبا من السواد، الذي يقترب لونه من لون الحبر (الفاحم) الذي كان مداد تدوين المخطوطات، وهو يمنح اللوحة (بنيتها الشكلية) الأهم، ويجمّـعه فاخر محمد من عناصر شتى، من (مخلفات البشر) وآثارهم ورسومهم وعلاماتهم، من علامات جدران كهوف عصور ما قبل التاريخ وحتى الزمن الحاضر: أشكال حيوانات عاشت في تلك الأزمان وأسلحة صيد بدائية (سهام وأقواس)، وأشكال أنشأتها الحضارة :كالنقاط والمثلثات المتقابلة بالرأس غالبا، والنماذج والأشكال الهندسية الأخرى. خدوش وأطراف توحي بأشكال بشرية وحيوانية دونما تفاصيل محددة، نثار من خطوط كأنها مطر يرسمه الفنان فاخر محمد كما يرسمه الأطفال، وعلامات غائرة في الوعي الشعبي مثل أشكال البسط والسجاجيد وعلامة الكف التي يرفعها الناس في المواكب الدينية، أو التي تدق عند مداخل البيوت دفعا للحسد، بينما يتمثل عند عاصم عبد الأمير بوسيلة شكلية يعمد إليها الرسام ليؤكد أشكال اللوحة بعد الانتهاء من الطبقة السطحية للون وهو ما يفعله هاشم حنون كذلك ولكن بطريقة انتقائية لا تعدو ان تكون بضع لمسات خطوطية تشكل خارطة طريق للمتلقي ليتلمس بنفسه الأشكال التي (توحي) بها بقع اللون.
وبذلك تكون هذه الآلية هي ذاتها عملية (الانتحاء الرئيس) كما يسميها فرانكلين ر. روجرز ، وهو اتحاد الصور الذي يحدث في مخيلة الفنان بين صورتي الواقع (وهي هنا ما تثيره طبقة اللون من أشكال) والذاكرة (وهي ما يضعه الرسام من خطوط تحدد المياه الإقليمية لأشكاله)، حيث السطح (=البعدان) ينطوي على العلامات الخطية (البعد الواحد)، وأيضا يتفانى التشخيص والتجريد معا لإنتاج مادة كثيفة رؤيويا هي (المادة الجوهرية) العصية على التشكل ، بل أن كل عناصر اللوحة تنصهر في (البعد التقني) لتلك المادة، إلا ان علاقة هؤلاء الرسامين الثلاثة بهذه العملية متفاوتة القوة وهو ما يعطي لكل منهم سماته الأسلوبية المتفردة عن الآخرين إلا أنهم جميعا متفقون على الطبيعة الشكلية لهذه الآلية حيث يضعف الطابع النفعي للعلامة أي البعد الاتصالي، ويكرس بعدها الشكلي المجرد، وهم بذلك يكرسون (البعد الأسطوري للتدوين) حيث يتوحد اللغوي بالشكلي (=مدونات الأوفاق والتعاويذ والسحر) وهو ما يسميه شاكر حسن آل سعيد (التفاني =بمعنى فناء كل جانب في الآخر) ، حيث لا وجود عندها لثنائية (الشكل والمحتوى)، فالرؤية تتخذ تركيبة من (قالب الشكل) وتصبح الفكرة هي شكل الأشياء التي جمعتها المخيلة، وهي ذاتها فكرة الشيء التي يسميها الرسام ماكس آرنست (العلة الأولى)، وذلك ما نتلمسه في توجه واسع في الفن التشكيلي العربي الحديث: شاكر حسن آل سعيد، التريكي ، المليحي ، كريم رسن "وهو اتجاه يكرس فناء اللغوي ببعديه الحروفي و ألعلاماتي في التشكيلي وفي الرسم بشكل خاص".
ان الامتلاء الواعي والاحتفاء غير المحدود بموجودات الواقع في أعمال هؤلاء جميعا جعلنا نعتقد ان هؤلاء الرسامين لم يعرفوا التجريد، ولم يمارسوه كما يفعل الكثيرون، إنهم يوظفون علامات المحيط، ويوظفون محتويات الذاكرة التي تتم استعادتها يوما ما، باعتبارها (المادة الجوهرية) التي تملأ ذاكرة هؤلاء؛ فيستلون منها ما يشاءون، دون ان يعرفوا كيف ومتى يحدث ذلك. ورغم الحرص الواعي على إخفاء (المصادر الواقعية) للوحة، إلا ان مصدر الشيء (فكرة الشيء) أو بكلمة أدق (بصمة الواقع التي لا تمحي) تكون قد تركت (علامة لا يمكن إزالتها)، لأنها (الجرثومة الطوبولوجية) التي هيكلَ الفنان بناءَ لوحته عليها بطريقة لاواعية منذ وضع أولى لمساته على سطح اللوحة، تماما مثل كثير من لوحات كاندينسكي (التجريدية)، فلوحة كاندينسكي (دراسة لتكوين رقم 4) مثلا ، قد تبدو (تجريدية) من نظرة سطحية، إلا انه لم يزل هنالك الكثير الذي يمكن تبيّـنه من (تشخيصات) الواقع: يقف المحاربون المسلحون بالرماح وسط الحشد، يعتمر بعضهم القبعات الحمراء، وتظهر خلفهم القلاع التي جرت المعارك قبالتها، بينما تظهر أسراب الطيور والشمس في جانب اللوحة و يظهر قوس قزح بين الغيوم في الجانب الآخر.

السبت، 22 أغسطس 2009

صدر الدين امين رسام تسكن لحيتة العفاريت والكائنات المركبة



لم يكن إجماع النقاد عندنا على ان الرسام الكردي العراقي المقيم في بنسلفانيا صدر الدين أمين فنان بدائي، دونما أسباب قوية كان أهمها: درجة الهوس التي يبديها ذلك الرسام بالمحيط والبيئة، وموجوداتهما من الكائنات التي يتخذها وسيلة بصرية بهدف الكشف عن المعطيات الجمالية الكامنة في ثنايا الكيان المحيطي بصفته موضوعه الأثير وربما الوحيد، فكانت لقى ذلك المحيط تشكل بوابة الفنان إليه، لقى كان يبني وفقها منظومته الشكلية، فمن لا يعرفه سيحكم على تجربته وكأنها تجربة رجل بدائي, مازال يعيش في احد أدغال مجاهل أفريقيا الاستوائية, يرتدي لباسا من الريش او الجلد, يركض خلف الطرائد، يعيش في الكهوف والمغارات, وهو لم يفعل شيئا سوى انه نسخ لنا رسومه من صور الطرائد على جدران تلك الكهوف.
لم يكن صدر الدين أمين يؤمن بما امن به عشرات من الرسامين العراقيين باتخاذ مستحثات الجدران العتيقة موضوعا لهم فكانوا يستقرئون سطوحها، ويجرون بحوثهم الأركولوجية عليها؛ لاكتشاف كوامنها الإشارية والعلاماتية؛ باعتبارها مقطعا عرضيا, او شريحة نسيجية تحمل واقع الحياة الإنسانية في اصغر تفصيلاتها؛ من خلال اكتشاف مخلفاتها التي تشكل أثرا لمرور إنساني ترك إشارته علي سطح المحيط: كتاباتٍ, وآثاراً, وحزوزا، حينما مثلت هذه الحكايات والأساطير معينا أساسيا في تشكيل البنية الثقافية المستمدة من الميثولوجيا الشعبية لمناطق الغابات الجبلية في العراق, والتي أعاد صدر الدين أمين صياغتها من خلال فن عالي التقنية والصياغة البنائية.
يؤكد الرسام صدر الدين أمين في كل عمل جديد، او قديم, بأنه ليس فقط مسكونا بهاجس التوحد مع الطبيعة باستحضار كائناتها, بل هو متوحد بعناصرها, ربما كان ذلك راجعا لإيمانه بحتمية عودة كل كائن، يوما ما، إلى الطبيعة, من حيث أتى، فتتحلل عناصره، وتمتزج بعناصر الطبيعة المكونة, عناصر خرجت منها يوما ما، وستعود إليها يوما، وستنبعث منها تارة أخرى ضمن مكونات كائن آخر مختلف.. وهكذا؛ وبذلك يكون نزوعه نحو تأسيس لوحته من عناصر الطبيعة البكر, إقرارا بوحدة الوجود وعناصره الخليقية التي يحشّدها في لوحته بكرم باذخ, وباندماج ذوباني بين تلك الموجودات, وبشكل تكون فيه تلك العناصر مادة مشرعة دائمة للخلق, فهي إذن عناصر تكوين ( محايدة ), من الناحية ( الاجناسية ), ان صح التعبير, مستعدة لبناء أي عنصر او كائن جديد, فهي دائبة الحركة والانتقال, من كائن لآخر، او من مكان لآخر.
ان احد أهم الأدلة على إيمان صدر الدين أمين بوحدة كائنات اللوحة هو تعطل اشتغال فعالية الشفرات الجينية لكل كائن بشكل يخرق مواصفات النوع, ويؤدي إلى امتزاج المواصفات الخليقية للكائنات, فكثيرا ما تتعدد أطراف احد ذوات الأربعة, ولعدد غير محدد, في كل مرة, حتى يقترب أحيانا من أشكال الديدان ونحوها, فلا وجود لمواصفات موروثة ثابتة, تحفظ لكل نوع خليقي مواصفاته الجينية وتميزه المحفوظ, وبذلك يبرهن أمين على انه قد خطى خطواته: الأولى والاهم, نحو تحقيق وحدة العالم الحيواني, وصولا إلى تحقيق نزوع الكائنات للعودة إلى أزلها, أي تحللها إلى كائنات مجهرية, من ذوات الخلية الواحدة, خلية محاطة بغشاء يحفظ أجزاءها من التبدد, وصولا إلى الخلية ( الحيوا - نباتية ), ان كانت تصح مثل هذه التسمية في علم الأحياء.
يحقق الرسام صدر الدين أمين شكلا آخر من أشكال الوحدة على سطح لوحته, بتأكيد ذوبان الحدود الفاصلة بين التشخيص والتجريد, حيث لا يمكن في كل مرة وبثقة, تبين طبيعة العديد من أشكاله, هل هي كائنات مجهرية تمظهرت بمظهر تجريدي, أم ان ما نشاهده نمطا تجريديا تلبس, عبر عملية تشاكل صوري, شكلا ما, شكلا كان قد علق بذاكرته من أشكال الكائنات المجهرية, فيكون ذلك واحدا من أهم أسباب افتراض وجود الوحدة الخلائقية في تجربة هذا الرسام.
نتلمس في تجربة صدر الدين, نمطا آخر مهما من التوحد,ذوبانا للحدود بين الهندسي والطبيعي، فقد يتحول قرص الشمس بيسر من دائرة هندسية تامة الاستدارة, إلى كائن أميبي, تخرج أطرافه خارج الشكل الذي كان دائريا فصار شكلا طبيعيا غير تام الاستدارة.
ربما نتخيل صدر الدين او يتخيل نفسه في مختبر بيولوجي يقوم بتجارب جينية تمازج بين جينات كائنات مختلفة، فكانت إحدى نتائج تجاربه تلك كائنا (خرافيا) مركبا غريبا، رجلا برأس حيوان، ربما يشكل امتدادا للميناطورات والقنطورات التي كانت تظهر في فنون الرسم على مر العصور، انه كائن بشري مازال محتفظا بكل نوازعه الحيوانية الأصيلة التي يؤكد نمطا منها كل مرة يستبدل فيها رأسه: برأس كلب او ذئب او طائر او ثعلب او قط وحشي، او رأس كائن لا تبين ملامحه، كائن زئبقي متلون يمارس اغرب طقوس السحر والتحولات.
مثلما وصف والت وايتمان رجلا تملا لحيته الفراشات؛ فإننا نصف صدر الدين أمين بأنه "رسام تسكن لحيته العفاريت والكائنات المركبة".