السبت، 21 فبراير 2009

رسام الكاريكاتير مؤيد نعمة


مفارقة استثنائية
خالد خضير الصالحي
العـراق – البصـرة
khkhiraq@gmail.com



يبدو فن الرسم الكاريكاتيري خرقا للنسق العام لفن الرسم حينما يهدر،بما يتوفر عليه من خصائص مميزة، أو يبدو وكأنه يهدر المشترك العام للحقل البَصَري، ونعني به (مادة التعبير) matie`eve de l`expression ، وهو الطابع الشيئي لمادة الرسم وللوحة، كما يبدو وكأنه يشكل خرقا لأهداف التحليل السيمولوجي للصورة في استنباط (التشكلات البنيوية) أي (أشكال المحتوى وأشكال التعبير)، من خلال (هيمنة) اللغوي على خطاب الرسم الكاريكاتيري، ذلك الرسم الذي يتصف بكونه حقلا جامعا لدرجة من الايقنة والتماثل البَصَريَين مع درجة من اللاتماثل والاسلبة، وهي من مواصفات النسق البَصَري؛ وبذلك ينتمي فن الرسم الكاريكاتيري إلى نمط الحقول المختلطة التي يمتزج فيها الخطاب اللغوي والخطاب البصري: كالإعلانات، والسينما، والتلفاز، وبرامج الكومبيوتر ومواقع الانترنت، وكل الصور المرفقة بالكتابة والكتابات المقترنة بالصور،فتكون أهم المظاهر المختلفة هي كون الصورة الكاريكاتيرية لا تستحيي من الوظيفة التواصلية الابلاغية للخطاب، حاله في ذلك حال أنماط عديدة من أنماط الصور، وهو (أي الكاريكاتير) يهدف في محصلته النهائية إلى إحداث مفارقة: مضحكة حينا ومحزنة حينا آخر، من خلال تشاكل الكلام (اللغة) وعناصر الرسم (البصري)، وبذلك فالصورة الكاريكاتيرية تتصف بكونها ذات طبيعة مكانية – زمنية (=تتابعية) في الوقت ذاته تمتزج فيها رسائل الخطاب في جانبها البصري، بينما تتلو الرسائل بعضها بعضا في الجانب اللغوي(التعليق)، وبذلك تعد الخاصية الخطية وغير الخطية توأمان هنا دونما زيادات وعلامات اعتباطية. وهي كلها تثير في النهاية خطابا لغويا كأحد أهم نواتج عملية التلقي التي لا يمكن أن تتم دون لغة واصفة تحقق الفهم ألتأويلي من خلال اللغة فتحيي إنتاج علامات الرسم.
لقد تفرد رسام الكاريكاتير الراحل مؤيد نعمة في كون الجوانب البصرية التقنية التي يبثها موزعة على صفحة الرسم الكاريكاتيري الذي ينجزه: كالخطوط، والحزوز، والنقاط التي يقطرها على صفحة الورقة مباشرة من الدواة، وإشارات الحركة، وبعض العلامات الدالة على الشعور كالتعجب والهلع المجسدة بعلامات بصرية، ووسائل التظليل والعتمة والضوء، كلها عناصر يعاملها باعتبارها تنتمي إلى (مادة التعبير)، أي إلى البعد الشيئي للوحة (=الحبر الأسود الفاحم غالبا) ، "فالخط عند مؤيد نعمة ليس حدودا ولا أطرا، بل صرخة قلم مستفز وهذا ما يميز رسومه وشخوصه .. انه أداة تثوير وتحد بكل محمولاته التكوينية والأدائية لأنه يترك حتى الفضاء سليما من خطوطه الخادشة .. لقد كان مؤيد نعمة أمام طريقين لتثوير وعي التلقي أمام اللوحة: من خلال الأداء اللوني والخط" كما يقول د. فائز يعقوب الحمداني ، بينما يتخلق في البعد الآخر اللاشيئي أو اللغوي هامش واسع من الموضوعات التي توزعت بين مشاكل المواطن اليومية أو مفارقاته كمنتم إلى واقع طبقي او فئوي له همومه وملابساته المختلفة عن هموم الآخرين، فكانت شخوصه أبطالا لنسق ذي انتماءات ومصالح متباينة: كالمتقاعدين، والعمال، والطلاب، والمثقفين، والنساء، والرجال. وموضوعات أخرى تخص الثقافة العراقية وهموم منتجيها وغربتهم الحياتية، وموضوعات السياسة في العراق والعالم، فعرّض الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض أنظمة الحكم العربية السائرة بركابها، إلى نقد لاذع لم يعرّضها له رسام كاريكاتير آخر غيره إلا الفلسطيني ناجي ألعلي.
لقد تجسدت أهمية الرسام الراحل مؤيد نعمة في كونه شكّل البوابة الأهم لتحوّل الرسم الكاريكاتيري العراقي نحو الحداثة، فمن خلال توظيفه أساليب المدرسة السوفيتية والأوروبية الاشتراكية السابقة، في تناول الموضوعات، كما يقرر رسام الكاريكاتير ضياء الحجار،استطاع مؤيد نعمة الارتقاء بموضوعاته تلك لجعلها تلامس أدق الجوانب الإنسانية في حياة وبشكل مؤثر، بينما كان تمثله لمنجزات (المدرسة اللبادية المصرية) –نسبة إلى الرسام المصري محيي الدين اللباد- في أوائل مسيرة مؤيد نعمة، وهضمه تأثيراتها، شكلا جديدا آخر وحداثيا، حافظ فيه على درجة كبيرة من القطيعة عن كل تلك التأثيرات التي هضمها بعد ذلك بشكل صهرها في نسيج موحّد ومتكامل هو أسلوب مؤيد نعمة الذي تفرد فيه عن كل رسامي العالم الآخرين.
لقد حافظ مؤيد نعمة ،في كل ذلك، على درجة من المماثلة مع الشكل البشري والمشخصات عموما،مقارنة مع اللباديين ، ومع تجربة كاريكاتيرية عراقية أخرى هي تجربة خضير الحميري ذات الاختزال الشديد؛ فكانت تجربة توفرت على درجة من الاسلبة stylization الجوهرية لنسق الخطاب البَصَري، وكانت المرتكز المهم في تجربته، وفي تقبّلها من جانب قطاعات متنوعة من أنماط متباينة من المتلقين وعلى حد سواء، فكانت تجربة رسم سهلة ومترفعة في آن معا، احتلت حضورها وفرادتها بشكل قلما توفر سوى لقليل من تجارب الرسم الكاريكاتيري باتجاه تهذيب الفكرة الكاريكاتيرية وحداثتها.
لقد تنوعت تجربة مؤيد نعمة لتتعدى الرسوم الكاريكاتيرية التقليدية في الصحف والمجلات إلى رسوم الوجوه بالأسود والأبيض وبالألوان بإبداع اشترك معه فيه الرسام العراقي علي المندلاوي، وأيضا في عمل اغلفة مجلات الأطفال بأسلوب ينم عن أستاذية لا جدال فيها، كما كان إنجازه عددا من الرؤوس السيراميكية الكاريكاتيرية قد نقلت فن الكاريكاتير من عالم البعدين إلى عالم النحت المجسم.
لقد كان تميزت تجربة مؤيد نعمة بغزارة الموضوعات والأفكار التي تميزت بالجدة وعدم التكرار، وتنوع الأشكال على الدوام ، فهي حالة نادرة جنبته السقوط في القالبية الشكلية الجاهزة، فكان ينجز تلك الرسوم مثقلة بالتفاصيل الغزيرة أحيانا ليمنحها طاقة تعبيرية مما أثقل عليه كثيرا فشكّل - على ما اعتقد- عبئا ثقيلا عليه أدى في النهاية إلى توقف ذلك القلب الطيب الذي أضحكنا وآلمنا كثيرا حينما منحنا فرصة التماهي مع شخوصه الذين يسقطون في مفارقة استثنائية مضحكة ومبكية في آن معا !!.


الجمعة، 30 يناير 2009

النحات هيثم حسن في آخر تجاربه.. برودة البرونز وحرارة المانيكانات





1
كانت واحدة من أهم خصائص تجربة النحات العراقي المقيم في عمان هيثم حسن، إن تجربته، حالها في ذلك حال تجربة أستاذه إسماعيل فتاح الترك، قد تمثلت بطريقة واعية او لا واعية في ذلك النزوع الإنساني نحو البحث عن الخلود، ومحاولة استعادته متيرياليا من خلال المادة الصلبة للنحت أيا كانت، وهو ما اتصفت به حشود الدمى والمنحوتات الرافدينية القديمة، والتي شكلت كذلك أعظم القواسم المشتركة مع تجربة أستاذه النحات العراقي الراحل إسماعيل فتاح الترك، وسواء كان اقترابه منها بشكل واع او لا فان معرضه الشخصي الذي أقامه في عمان 2004 بعنوان (تحية إلى إسماعيل فتاح) كان نمطا من إعلان بيان براءة، ونفض لليد عن ارث تجربة كان شبحها قد تكرس وجوده سواء من خلال تأثيرات ما كانت قد ظهرت فعلا، او توهمها بعض الكتاب؛ فصارت لفرط ما تكررت أمرا (مفروغا منه)، فكان ذلك المعرض بدءا للتفرد الأسلوبي، وتصفية لحسابات شاملة مع ارث الراحل الترك الذي مازال يجثم على تجارب عديدة في النحت العراقي.

2
كانت تبدو المنحوتات السابقة لهيثم حسن (بمادة البرونز) ذاوية؛ ربما كانت كذلك بسبب عتمة البرونز، وربما حتى بسبب (برودته) بالدلالات الملمسية الايروتيكية، وربما بسبب إخفاقه في نقل الإحساس بالجمال المحتدم داخل النحات حينما تخالطه الايروتيكية؛ فكانت منحوتاته تبدو وكأنها تمارس لعبة ذوبانها الجليدي البارد لتتحول إلى جزء من قاعدة التمثال، وكان هدف النحات، في تلك اللحظة، أن (يوثقها) قبل أن تذوب؛ لتتحول إلى قاعدة فارغة لا تمثال فيها!.
تبدو قناعات النحات هيثم حسن وثقته بقدرة البرونز قد شارفت على منتهاها، ذلك على الأقل في ثقته بقدرتها على نقل الإحساس الخاص بجمال جسد المرأة، فقد كان ذلك يبدو أمرا عصيا عليه؛ مما جعله يبحث عن مادة أخرى قادرة ومطواعة على أن تتوسل في ذلك باللون، وانعكاسات الضوء الثرية في المنحوتة، وهو ما لا طاقة للبرونز عليه. فقد كانت منحوتاته أجسادا ممتلئة بالرغبة في التحليق عاليا والخلاص من قيود قواعدها، فقد كان جلها ينتمي إلى مادة البرونز انتماءً مادياً فقط، لأنها كانت تتمتع بليونة لا عهد للبرونز بها ففد كانت تنتمي، برأينا، إلى مادة أخرى بعيدة كل البعد عنه، إنها المادة الأشد رخصا وبدائية ومطاوعة، تنتمي إلى دراما الطين، المادة التي خبرها هيثم كثيرا، وفتن بها منذ عقود، وكان يستثمر طاقاتها الدرامية لصالح عمله النحتي "حيث ليونة وملمس الطين" ...

3
إن القدرة الاستثنائية للنحات هيثم حسن على الإحساس بجوهر المادة (=شيئيتها) جعله يدرك أن طاقة التعبير التي استثمرها في البرونز طيلة السنوات السابقة قد استنفدت وبالتالي قد شارفت لديه على نهايتها، وصار عليه أن يغيرها هي، لا أن يغير أشكاله أو تكنيكاته فيها، فشعر أن المادة الجديدة المؤهلة للتعبير عن (العري) الجميل يجب أن تقترن بعنصرين مفقودين في تجربته سابقا، ولا يتيحهما البرونز: اللون والضوء.
في مادته الجديدة انتصبت جذوع منحوتاته بعري فاضح حاول هيثم حسن كبحه من خلال ما كان يجريه على كل منحوتة من (العاب) تجريدية تقتطع أجزاء من الجسد في عملية كبح، ربما لا واعية للعري الداعر الذي يشعره في داخله، او ربما في داخلها، والذي يشي به امتلاء أجساد منحوتاته، والذي يحاول أن لا يسمح لنفسه إلا بإظهار قدر طفيف منه.
لم ينحت هيثم حسن منحوتاته إنما كان معرضه يبدو وكأنه قد شيد من قالب واحد صنع لينتج جيشا من المانيكانات التي يجري عليها آخر اللمسات التقنية واللونية التي تعطيها دفق تنوعها الذي يكفل أن لا يكون المعرض وكأنه منحوتة واحدة، يذكر أستاذنا الناقد سهيل سامي نادر ان هيثم حسن كان قد "مارس في منحوتاته دورا جديدا، فهو الآن خياط ألبستها، مرقع تعابيرها، وملصّق العلامات التي تنسجم مع ذوقها الافتراضي، وملون أجسادها، ومن يتستر على فتنتها أو يكشفها، يبالغ معها، يتحفظ، يتسلى، يرفع الكلفة، يستسلم للإغراء ... سواء عن طريق إسقاطاته الذاتية أو تحليل طبيعة الشخصية التي ينحتها من حيث الحجم والتعبير العام".
وقد أمكنه بسبب هذا التمييز اللوني الإضافي من خلق لقاءات بين شخوصه تتصف بالحميمية وليس بالصراع كما حدث في تجربة قديمة أشرت إليها، فضلا عن تعدد الوضعيات التي تمتاز بالعاطفة والحركة.
لست أظن أن مشكلة لون المادة الأصلية للمادة حلت بهذه الوسيلة بل إن التجربة الجمالية نفسها اتخذت مسارا وبعدا آخر كان الفنان في انفعاليته وحيويته وطريقته في الاستجابة مستعدا لها. والحال إن إكساب جلد جديد لمنحوتاته لم يقلل من نشاط كتلها في التعبير الفضائي، كما إنها حافظت على وقارها الذاتي حتى وهي تنفتح إلى الخارج بسبب اللون، بل لعلنا سنلاحظ إن هذه التجربة أطلقت شهية الفنان في اقتراح كتل تعبيرية جديدة وتحديدات شكلية تضافرت مع اللون في توليد أحاسيس واستجابات جديدة؛ فكان تواقا لاستثمار سحر وهيمنة الألوان وتأثيرها على المتلقي، وكان كنحات، يحاول أن يمارس لعبة خرق الاجناسية التي برع فيها الرسامون الذين مارسوا النحت، فها هو يمارس ما فعله آخرون قبله: النحات محمد حسن عبد الله، والرسام ضياء العزاوي في معرضه قبل بضع سنوات في قاعة الجدران الأربعة، حينما كانوا يستخدمون اللون مؤثرا دراميا ودلاليا من خلال ترك الحرية للألوان في قول ما يريدون... "وتلك مزية تأشر لصالح مشروع وعيه الجمالي الملون والمتفرد بدخول أدوات الرسم وسيطا في النحت"، ..

الخميس، 27 نوفمبر 2008

معرض الرسامة د. هناء مال الله في مؤسسة القطان الثقافية..











الخراب الشامل لميزوبوتاميا


"في النهاية سيدركني الإعياء الذي يظل يخترم فيَّ منذ ولادتي إبداعي دونما جدوى، ألأنه نبوءة فناء حي؟" شاكر حسن آل سعيد
ذكرنا في مقال سابق لنا بان الرسامة الدكتورة هناء مال الله، حالها في ذلك حال كل الفنانين، تحافظ على مرتكزات أولية كانت قد أسست عليها البذور الأولى لرؤيتها، فلازمتها، وكانت بالنسبة لها نسقا ثقافيا شخصيا تحركت ضمن مدياته، وظلت أمينة عليه، رغم أنها كانت تقوم بالتنويع في رؤيتها الفنية، وفي معالجة موضوعاتها لتحافظ على درجة من القطيعة المحسوسة الضرورية لحيوية منجزها، فكانت تعيد قراءة الرسم العراقيّ، وقراءة تاريخه كلّ مرة طبقاً لمتجه اشتغاليّ يهيمن على تجربتها التنظيرية، إلا ان كل ذلك ظل مرتكـِزا على مفهومها عن فنّ الحقيقة المحيطية الذي تشبعت به تجربتها حد الهوس، فكانت تلك النظرة الأركولوجية المقربة للمدينة ومتحفيتها: آثارها، ولقاها، وأرصفتها، وقرميدها، وحيطانها، وسطوحها، التي شكلت علاماتها الثقافية ؛ فكانت تعيد إنتاج كل ذلك، بل وتعيد تأسيس كل تجربتها وفق متغيرات ما بعد الستينات؛ تلك المتغيرات التي ظهرت من خلال اتجاه لا يعير ذلك الاهتمام المبالغ فيه الذي كان يبديه الستينيون لما يسميه سهيل سامي نادر (البلاغة الأدبية في الرسم)، ولبعض المفاهيم الأخرى التي رغم صلتها بمتيريالية الرسم فإنها لم تزل أسيرة مفاهيم خارجية مازال الكثير من الستينيين يعيدون إنتاجها، فلم تعد اللوحة، عند هناء مال الله، ،تثرثر بلغة الأدب، رغم أنها لم تفقد مرجعيتها البصرية بالمعنى الشيئي (المتيريالي) للمرجعيات التي كانت الصلة الوثقى بالمحيط.
لقد كتبت عن معرضها السابق الذي أقامته في لندن بأني "رغم صدمتي بلوحات المعرض الأخير لهناء مال الله إلا أني اعتبرته قابلا للاستيعاب، بمعنى انه قابل للادلجة ولوضعه ضمن سياق تجربتها على مدى السنوات السابقة، فاعتبرنا توجهها الآن بالاتجاه إلى خرائط مدينتها، والتعامل مع الخارطة باعتبارها مخطوطة، أو ربما دفترا للرسم، مواصلةً للانتقال الذي ابتدأ من أشكال المادة المتحفية، إلى المادة المتحفية في بنيتها الداخلية وفي أنظمة البناء الشكلية للأشكال في اللوحة إلى الهروب من شيئية المدينة (متحفيتها) إلى وجودها المتعين في طوبوغرافيا خرائط الأرض، لتتحول مدينتها إلى سطح ورقيّ يضمّ إحداثيات علاماتية، ومقاييس للرسم من تلك التي تموضع عليها المسّاحون في انجازهم خرائط المدن".
بقي عنصرُ اللون جوهرا للوجود الشيئي للوحة، حيث بدأت تلفّ عوالمَها أجواءٌ من اللون الأسود أو البنيّ الكدر الذي يغطي مساحات شاسعة منها، بينما حاولت في مرحلة أخرى استخدام كولاج (ردي ميد) من خلال إدخال مادة مجسمة إلى جسم اللوحة لتشكل خرقا لـ(ـجسد) اللوحة ليس بخرطوشة، وليس برصاصة، بل وبأجزاء كبيرة من مخلفات وحطام المدن التي تتخذ من المساحة المواجهة لأعمالها مكانا تستقر عليه باعتبارها (جزءا لا يتجزأ) من المدونة الواقعية، انه الدمار الذي لحق بمدينتها، والذي كان ولم يزل جزءا من دورة الخراب التي تتناوب على مدينتها عبر حقب التاريخ، فشكل ذلك هويتها التي هي معرضها الآن.
عندما كان شاكر حسن آل سعيد يؤسس تجربته في الرسم على افتتانه (بقيمة الجدار) "كمرآة تعكس واقع الحياة الإنسانية الحضارية اليومية"، كانت هناء مال الله تؤكد افتتانها باختراق الكتابة (=التدوين) للرسم في محاولة اختراع (أبجدية صورية جديدة)؛ من خلال التلصيق، واللقى التي تظهر في الرسم ، وهو ما يحيل اللوحة إلى تجربة كتابية تدوينية تتحول فيها إلى: نص، او خرائط، او بيانات؛ فكانت تحولاتها لا تخرج عن موضوعة التعامل مع الواقع باعتباره مدونة يستقرئها الرسام، ويعيد إنتاجها مدونة رسم؛ فكان ذلك يكشف قناعاتها، منذ أول معارضها، (بغداد: جغرافية وبشر) وحتى الآن، "بالفن المحيطيّ ورؤيتها لوجود اللون عنصراً متعيناً في اللوحة، وربطها لذلك كله بما أسمته (التنقيب داخل الوجود) و(اكتشاف المحيط وتوثيقه)" ؛ فلم يتوقف بحثها الذي انتقلت فيه من اتخاذها المتحف مرجعية اركولوجية إلى اتخاذها المدينة (متحفا) تستمد منها ايكولوجياها، ثم لتتحول نحو المدينة منظورا لها من الأعالي فتتحول تلك المدينة إلى قصاصة ورق تشيد بها الرسامة هياكل لوحاتها (=أوفاق مدنها)، وليتحول نظام التربيع، الذي كان بمقام (الوحدة الخليقية) الشكلية والهندسية والرياضية التي تأسست عليها الكتابة المسمارية والتي أسست عليها هناء مال الله ، نظامها الرياضي الصارم الذي حاولت تقديمة لعالم النقد باعتباره بديلا للغة النقد الأدبية السائدة ، وليتحول ذلك النظام إلى مقياس رسم تبني به هناء مال الله الخريطة التي التقطتها لمدينتها من مسافة الغربة بعدا.
ان الصرامة التي حاولت ان تنجز هناء مال الله بها لوحاتها بدأت تتخلخل أمام متجه اشتغالي جديد نابع برأينا من تفهم للرسم باعتباره قضية ثقافية، فبدأت تطرح رؤيتها الجديدة عن (تقنية الفوضى) المؤسسة على فوضى سطوح (الواقع)، ورغم أنها كانت تقصي عناصر، وتدني أخرى باستمرار، إلا أنها بقيت ممسكة بعنان نظام تدويني يحكم قبضته على المشهد، حتى ولو تحول ذلك النظام إلى نظام خراب شامل تتآكل فيه اللوحات وتتخرق وتحترق أجزاؤها، انه نظام للفوضى الشاملة الذي حاولت هناء مال الله ان تحوله من مدونة على الورق إلى مدونة على سطح اللوحة، وهي الفكرة الثورية التي تشابه ثورية دارون الذي افترض ان التغيرات الفسلجية التي تحدثها المؤثرات الخارجية على الكائنات يمكن ان تنطبع ضمن الأنظمة الجينية، وهو ما افترضته هناء مال الله بطريقة مشابهة حيث افترضت ان الخراب الذي تعرضت له الحياة العراقية يمكن ان يظهر ضمن النظام الجيني للرسم العراقي باعتباره واقعة شيئية ضمن ما تسميه (تقنية الخراب) في معرضها الذي أقامته في مؤسسة القطان الثقافية في لندن والذي ضم كتب فن وأعمالا فنية عرِضتها في نيسان 2009 الماضي في لندن، وقدمت حوله محاضرة وأجرت ورشة أثناء المعرضِ برؤية فنية جديدة حملت عنوان تقنية (الخراب الشامل).
كانت (تقنيةً الخراب) عند الرسامة الدكتورة هناء مال الله، تعبيرا محددا للفَنِّ العراقيِ يشكل جزءا من رؤية ثقافية، فبعد رحيلها عن العراق بسبب الحروبِ العديدة المدمرة والاحتلال الأمريكي الذي تعرض له، وهي تحاول تطوير الفكرة بالبَحْث الأعمقِ باعتبار تقنيةِ الخرابِ آلية وهوية للفَنِّ العراقيِ الآن، كونها آليات تقنية تشمل: الحِرق، والقطع، والخدش، والمسح، والتقطير، والحك والثقب والشطب، وذلك في رسوم دفاتر الرسم واللوحات الفنية، كهويةُ للتشكيلي العراقي.
لقد تغيرت الثقافة العراقية بشكل كبير، بعد ثلاثة حروب بدأت منذ عام 1979 حتى الآن، ثم أعقبتها عقوبات المقاطعة الدولية (1991-2003) فالاحتلال الأمريكي - البريطاني من 2003، فتحول العراق إلى منظر طبيعي من الخراب، فمن المهم ملاحظة ان العراق الحديث قد أسّس على الخراب الواضح لبلاد ما بين النهرين (مهد الحضارة)، فكانت البقايا التأريخية القديمة مبعثرة بين البنايات العراقية الحديثة، لذا، كان العراقيون متعودين على رؤية يومية لهذا الخراب الذي طال وغزا وحرق العراق اثنتين وعشرين مرة في تأريخه، كما تؤكد هناء مال الله، وان علم آثار ميزوبوتاميا لا تشكل سوى طبقة واحدة من طبقات الذاكرة العراقية المعاصرة، لقد شكلت الطبقات الأخرى الهويةَ الفريدةَ من ذاكرة العراق: أدوات الحرب، الخسائر في الأرواح، الحطام في البنية التحتية، ان هذا الطرح يجادل بأن الرسامة تنقل ما حدث في بلدها من خلال عمل شيئي على سطح اللوحة، ويوجه رسالة فنية إلى الغرب من خلال رؤية فنية محددة من تقنية (الخراب الشامل).
إن تقنية الخراب هي أكثر من تقنية ميكانيكية تمارس داخل، أو بواسطة، العمل الفني، إنها تضمر ثلاثة أسباب كخلفية لرؤيتها الجديدة تلخصها بثلاثة أسباب:
السبب الأول، هو أن المتحف يشكل إشارة عظيمة قبل الحروب، بينما شكل نموذجا للخراب بعدها، فتبعثرت الذاكرة المبدعة والجمالية (لبلاد ما بين النهرين) التي كانت الجذر الأعمق في الحضارة الإنسانية، تبعثرت البقايا الآثارية بشكل عشوائي إلى خارج البلاد مما جعل المتحف الوطني العراقي ضروريا في جمع وتقديم هذا التراث بشكل متماسك.
بعد حرب الخليج الأولى، وأثناء فترة العقوبات، كان الفنانون العراقيون، لجيل الثمانينات الذي تنتمي هناء مال الله إليه، كانوا مهتمين بتراثهم القديم، وذلك بسبّب الوعي الحادّ بالحاجة لاكتشاف هويتهم الفردية التي خلخلتها الحروب الطاحنة، والتي أدت إلى ظروف عيش استثنائية كان أعسرها منع العراقيين من السفر لأيّ سبب؛ فكانت القضية المركزية في حيوية جيل الثمانينات هي المتحف العراقي للآثار. كان ذلك المتحف ينطوي على مصنوعات يدوية مهمة تعود لأكثر من 5,000 سنة من تأريخ ميزوبوتاميا تضمها 28 معرض ومدفن؛ فكان التشكيليون العراقيون يتعاملون مع تلك المصنوعات اليدوية باعتبارها أعمالا فنية حديثة؛ فتشكلت هذه التقنية المادية (الخراب) كجمالية في هم تقني، ومن المهم ملاحظة أن المتحف أسّس في موقعه الحالي عام 1958 أكثر المناطق نشاطا وشعبية بغداد.
لقد أغلق المتحف عام 1991 أثناء حرب الخليج خوفا من الضربات الجويّة الأمريكية وأعيد فتحه في 28، أبريل/نيسان، 2000 ونهب وحطّم في 2003 أثناء الاحتلال الأمريكي البريطاني، فتحول المتحف إلى مركّب أو تجمّع للخراب؛ من المصنوعات اليدوية التاريخية ودمار الحرب والنهب اللاحق، فبدا الخراب أمام ناظر العراقيين في المتحف أو خارجه.
ان السبب الثاني الذي اباح الاعتقاد بأن (تقنية الخراب) هي في حقيقتها أكثر من آلية ميكانيكية في العمل الفني، كان (معقل الخراب والثقافة الغربية)؛ فبسبب حالة التساؤل والشكوك من جدوى الخراب الثقافي الواقع حول المتحف العراقي فقد اعتقدت هناء مال الله أنّ تراثنا يمكن أن يوازن عقدة نقصنا نسبة إلى التفوق الثقافي المحسوس للغرب؛ لذا، بدت الخسارة في تحف وموجودات المتحف العرقي تشير بأصابع الاتهام نحو موقف الثقافة الغربية من حضارة الآخر، فبدت السياسة الغربية الرجعية لإحداث الخراب في جوهر هويتنا الوطنية؛ لذا تحتمَ علينا تفعيل مقاومتنا الثقافية؛ وهكذا تكرر الخراب كتقنية فنية تشكل جزءا مهما من هذه الحالة.
أنّ تكرار الخراب في التقنية الفنية لهناء مال الله هي آلية للتعامل مع الاستمرار بالتخريب في العراق مما يقدم السبب الثالث الذي قاد الرسامة للتعامل مع القضية كموضوع ثقافي في عملها الفني، ففي عام 1991 ، في معرضها الشخصي الأول الذي أقيم في بغداد في المتحف الوطني للفنّ الحديث، والذي كان بعنوان (توثيق زيارات المتحف الوطني)، وفي معرضها الأخير الذي أقيم في لندن في مؤسسة القطان 2009 وكان عنوانه (الخراب الشامل)، فيمكن الاستدلال من اختلاف العنوانين، عن جوهر ما تتمنّى الرسامة الوصول إليه…

النحات محمد ناصر الزبيدي في معرضه الشخصي.. (الفضاءات والجسد الحر)



النحات محمد ناصر الزبيدي في معرضه الشخصي..
(الفضاءات والجسد الحر)

جسد في الفضاء..
مـادة في الفراغ..

"صدِّق الرسام فيما يعمل، ولا تصدق أقواله التي يطلقها حول أعماله"
دافيد هوكني

خالد خضير ألصالحي
البصــــــــــــــــــــــرة
khkhiraq@gmail.com


1
من البصري إلى اللغوي
.. تجربة شخصية
كتبت مرة في معرض دراستي لقصيدة (عيد البوقات) للشاعر حسين عبد اللطيف "إن الاشتغال من خلال اللغة هو إحدى نعم الكتابة النقدية التشكيلية وإشكالاتها في الوقت ذاته، وهو أمر يتلمسه النقاد المهتمون بالفن التشكيلي وبالشعر معا، فقد أكد الناقد التشكيلي سهيل سامي نادر مرة "أن لا وجود للنقد الفني بوصفه حركة مستقلة، انه نص يختلط بنصوص أخرى .. انه لا ينفصل عن التقاليد الأدبية، فخطته أدبية، أوصافه وتعابيره، و لاسيما لغته كلها، وطريقته في الحكم". ولأننا كنا قد بدأنا علاقتنا بالثقافة قد بدأت لغوية، من خلال الأدب، ، والشعر خاصة، جعلتنا نبحث ، معظم الوقت ، في تخوم العلاقة بين هذين النمطين الإبداعيين، رغم أنهما من طبيعتين مختلفتين: طبيعة لغوية، وأخرى بصرية، إلا أننا نشعر بوشائجهما قوية بشكل محسوس في ميدان الصورة الشعرية والبصرية معا، إلا أننا رغم وجهة النظر هذه التي نزعم أنها خبرت كلا الفنين بدرجة لا بأس بها، وهو ما يجعلنا نتعامل مع الجوانب البصرية للغة، أو ما تسميه هناء مال الله (العناصر التكوينية للوحة) بشكل يجعلها أمامنا وكأنها لوحة، باحثين فيها عن الجوانب البصرية، وعن ما يربطها بالرسم من الناحية البنائية، إلا أننا بقينا غير ميالين بدرجة كبيرة إلى الاعتماد على النص اللغوي الذي يكتبه المبدع او مرسل الخطاب اعتمادا في ذلك على ما نشعره من اختلاف في طبيعة الخطابين: البصري واللغوي، وبذلك فنحن كنا نقصر اهتمامنا وثقتنا بما يبثه النص البصري باعتباره الوثيقة الوحيدة المطروحة للقراءة ومن ثم التأويل هنا، أي كمون مركزية القراءة في النصوص البصرية، إلا أننا خرقنا هذه القاعدة حينما درسنا نص (عيد البوقات) للشاعر حسين عبد اللطيف الذي نشره في نص (كتاب) ديوان نار القطرب ، وقد قلنا نص كتاب للتدليل على الجانب (المادي) للكتاب، وهو ما قادنا إلى ان ذلك (الكتاب الذي بين الدفتين) لا يقتصر على (المدونة) اللغوية بل يتشكل ، برأينا من مجموعة من الإكسسوارات، او ما اقترح القاص محمود عبد الوهاب في محاورة شفوية لي معه تسميته (هوامش العنوان) على ما اذكر، وهي: صورة الغلاف ولونه، و العنوان ونوع خطه، وشكل الحرف، وعناوين القصائد ونصوصها، ثم التصديرات والإهداءات والهوامش والمقتبسات، ثم ما فعلته أنا بعدد من النسخ حينما قمت بالرسم في الفراغات التي بين نصوصها.
وحينما درج نقاد الأدب يبتدئون بالعنوان، باعتباره بوابة النص، وهو هنا يتوفر على بنية صورية ورمزية دالة بعمق، فنحن نبتدئ مما يهمله أولئك النقاد، وهو الغلاف، باعتباره بوابة الديوان القرائية الأهم، ونحن نزعم إننا أكثر معرفة بأهمية هذا الغلاف باعتباره دالة قرائية مهمة وبؤرة لامة؛ بسبب كوننا من قام بتصميم ورسم الغلاف، وهو تخطيط بالحبر الصيني، مصورا بطريقة الصورة السلبية (النيجاتيف)، ويمثل واحدا من مجموعة من أقدم الدمى والتماثيل الحجرية المجسمة العراقية القديمة التي ارتفعت فوق مستوى الحرفة الصرف الى مرتبة الفن الحقيقي، وهي مجموعة من التماثيل الكلسية بحالة غير جيدة، وقد وصلت إلينا من الوركاء، ولم تلاق في حينه أي اهتمام لكونها مهشمة، فاعتبرت فرثية خطأ بسبب الموقع الذي وجدت فيه؛ لذا فقد استبعدت من تاريخ الفن التشكيلي السومري، وان واحدا منها يمكن تمييزه - على الرغم من حالته المحطمة - كرجل ذي لحية كثة غريبة على شكل قرص تغطي ذقنه وخديه، وهو يعود إلى عصر فجر التاريخ في بلاد سومر، وان حال شعر الرأس واللحية يوحي بأنه شعر أمير، لأن الإكليل السميك هو لباس الرأس لدى الأمراء في عصري الطبقة الرابعة في الوركاء وجمدة نصر. وقد اعتبره الدكتور فوزي رشيد تمثالا للإله تموز في مقال له في مجلة (الرواق) التي كانت مهتمة بالفن والنقد التشكيليين، وهو النموذج الذي كان شكل مرجعيتنا البصرية والدلالية، عند إنجازنا الغلاف.
ونحن نعتقد ان الغلاف هو جزء من هوامش العنوان؛ فرغم ان الغلاف لم يرسمه الشاعر، إلا انه وافق عليه، وتبناه فكان بالنسبة إليه مادة نصية جاهزة، يماثل ما يعرف بالمواد الجاهزة (ready made) التي يستخدمها في بناء (كتابه).

2
مطويات المعارض
لقد عرف كاسيرر الفن بأنه لغة رمزية، وهيمن ذلك التعريف على الدراسات الفنية في القرن العشرين، فكان اخطر نتائج تلك الدعوة، حسبما يؤكد جورج كوبلر، ان استأثرت دراسات المعنى بكل الاهتمام ، فكان "الحكم على العمل الفني في ضوء مضمونه, سبيل يؤدي الى تدخل كل أنواع الأهواء والتحيزات التي لا صلة لها بالأمر" كما يقرر (هربرت ريد)؛ فتراجع تعريف الفن بكونه نظاما من العلاقات الشكلية، وهو التعريف الأهم برأينا، رغم انه مازال بعيدا عما ألفه الناس، فقلما يعتقد سوى القلة من المختصين في الفن التشكيلي بآفاقه الحداثية ان اللوحة ليست في النهاية إلا سطحا مطليا بالمادة، أي الإقرار (بشيئية اللوحة) ومادية التعبير، وان جل ما يكتبه الرسامون في مطويات معارضهم في العراق ينصب في جانب المعنى بمختلف اتجاهاته، وهذه ، برأينا الخطورة الأولى في تلك الكتابات، كونها تكرس تناول المعنى على حساب متيريالية اللوحة.
وتتمثل الخطورة الثانية في اتجاه تحول كتابات التشكيليين في مطويات معارضهم إلى ما يؤدي إلى بث موجهات قرائية متعمدة كما كانت تنتهي إليه كتابات شاكر حسن آل سعيد، وقد تتحول تلك إلى موجهات قرائية دون قصد من الرسامين أنفسهم حيث يقوم الكتاب بتناقلها كمسلمات مفروغ منها، كما يحدث في تناقل هؤلاء النقاد الفهم السائد بأن تجربة الرسام فيصل لعيبي لا تعدو ان تكون رسوما ذات طابع محلي لا يشكل سوى امتداد متأخر لجماعة بغداد وطروحاتها غافلين عن الأبعاد البلاستيكية في هذه التجربة، وهو ما أخر اكتشاف كوامن تجربة فيصل لعيبي واكتفاء معظم الكتاب عن القشرة الفولكلورية لهذه التجربة وهو الأمر الذي أثبتنا تقصيره في إحدى محاضراتنا عن هذا الرسام.
ثالثا، لقد سرت قضية اختراع حوامل خادعة supports سرعان ما يقع فيها الرسام نفسه بطريقة الخداع الذاتي بعد ان يبدأ الكتاب بتناقلها العمياني، فيبدأ الرسام بتكرار ترديدها مما يعرض التجربة إلى خطر التناسخ الداخلي الذي يجعلها تدور في فلك حلقة مفرغة تؤدي إلى توقف إيقاع التحولات الأسلوبية فيها.
رابعا ، لا يمكن نكران وجود رؤية فنية تنظيرية متكاملة لدى بعض الرسامين ممن يحاولون تطويرها من خلال معارضهم التي يقيمونها وينظرون لها في مطويات معارضهم، والأمر هنا دقيق ، فيما إذا كانت التنظيرات والتجربة البصرية متساوقة حقا، ام ان ذلك ادعاء ليس إلا أننا نستثني أحيانا الرؤية النظرية المعروفة في مطوية المعرض ونعتبرها مدخلا قرائيا يقترحه الفنان بصفته قارئا للمنجز وليس بصفته منتجا له، وهذا هو السبب الوحيد الذي لأجله كنت (أؤسس) بعض وجهات نظري على الرؤية التنظيرية في مدونة المطوية.

3
لم يعد همُّ الدراسات النقدية "البحث عن المعنى وتحديده ومحاولة إرجاعه إلى نية الكاتب ومقاصده، لان النقد في الأساس لا يتعامل مع النوايا والمقاصد، بل يتعامل مع كينونة النصوص أي من حيث هو موجود. اما النوايا فمجالها الأخلاق والايدولوجيا والفلسفة" (د.حسين خمري، نظرية النص، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2007، ص13)، فهل يمكن اعتبارالنصوص التي ترافق التجربة البصرية في باب المقاصد المسبقة والنيات القبلية؟.

4
نتساءل مرة أخرى: مثلما اعتمدنا الهامش البصري جزءا من النص اللغوي في الكتابة عن نص (عيد البوقات) للشاعر حسين عبد اللطيف الذي نشره في (كتاب) ديوان نار القطرب ، هل يمكن ان نخوض معكوس لآلية السابقة فنسمح باعتبار النص اللغوي (المطوية) هامشا للتجربة البصَرية مثلما اعتبرنا الغلاف هامشا للنص اللغوي؟.
5
لقد أقام النحات محمد ناصر الزبيدي معرضه الشخصي (الفضاءات والجسد الحر) ضمن فعاليات (أسبوع المدى الثقافي في البصرة)، وقدم فيه تجربته الأخيرة في النحت بالخشب، وهو في مدونته القصيرة التي كتبها في مطوية المعرض يقترح بعضا من المفاتيح الخارجية للقراءة؛ فيبثها تفاريق تشغل سطح المطوية. فأضاف عنوان (الفضاءات.. والجسد الحرّ) ليعلن منذ البدء ان أعماله النحتية ليست إلا عنصرين ضديين هما المادة (=الجسد) والفضاءات (الفراغ)، وربما يعترض احدهم ويعتبر استخدامه تعبير (الفضاءات) استخداما مجازيا ليس إلا وهو قد يعني آفاقا او موضوعات او أي معنى آخر، وهو اعتراض قد يبدو مقبولا إلا ان تقدمنا خطوة أخرى سيكون مفيدا في تحديد عنصري هذه الثنائية الضدية فهو يصف هذين العنصرين بـ"ـالجسد المكشوف في الفضاء الخالي" وبذلك يقرن الفضاء بالخلاء، إلا انه يعود ليبلبلنا بلغته الاستعمارية حينما يذكر ان "الجسد يبحث عن حيز في فضاء الروح" حيث يجعل الجسد باحثا عن حيز لكن في فضاء الروح وليس في فضاء النحت، إلا ان ذلك، برأيي ،لن يخيفنا فسيتراجع عن عناده أخيرا ليحدد بدقة ان هذه الثنائية باعتبارها "المكان الخالي والأشياء الشاخصة"، وليصف تلك "الاشياء الشاخصة" بانها "أشكال مجردة بعيدة عن القيود والتفاصيل"؛ وبذلك فقد كانت هذه باعتقادنا، ووفق قراءتنا هنا، موجهات قرائية هي في حقيقتها عناوين تحيل إلى عناصر النحت المادية وإنها ليست مقيدة إلى المشخصات وتستمد منها شرعية وجودها؛ كما هو الفهم الذي لمسناه مهيمنا على متلقِّيْ المعرض، فقد كان الكثيرون يبحثون عن علاقة ما مع مشخصات الواقع لتكتمل عملية التلقي، بينما كان حضور مادة الخشب كافيا لنا نحن الباحثين عن الجمالية الخالصة: بلونه، وملمسه، وتفاصيل سطحه التي تبقي روح الشجرة كامنة في جسد المنحوتة، رغم تلبسها روحا أخرى هي روح الجسد البشري.
كانت منحوتات محمد ناصر الزبيدي تلمّح، ربما عن قرب وربما عن بعد، بأجزاء الجسد الإنساني، ورغم ان منحوتاته مازالت (أشكالا مجردة) بعيدة عن قيود المشخصات وتفاصيلها، إلا أنها تلمِّـح إلى الأشكال البشرية وأجزائها، هذه حقيقة ولكن ذلك لم يكن من باب محاكاة المشخّصات، بل من باب التلامس الحيّ مع الموضوعات الأساسية للحياة.
ان تلميحات محمد ناصر الزبيدي لأجزاء الجسد الإنساني كانت تدفع المتلقين إلى إحالة المنحوتة إلى اقرب المشخّصات لها فكان التشاكل الصوري بين الشجرة والجسد البشري، بين مادة الخشب وبين الشكل البشري؛ قد بلغ في معرضه هذا حدا جعل المتلقين يمررون عملية التلقي عبر البحث عما يماثل الكتلة النحتية من المشخّصات في الواقع،فكانت تلك الآلية تخدم حينا ولا تخدم حينا، تخدم حينما يجد المتلقي (موضوعا) يربطه بتلك المنحوتات، بينما كانت تعرقل عملية التلقي لأنها تبعد المتلقي مرحلة عن مادية النحت، ومادته التي تشكل جوهر عملية النحت.
يعتمد محمد ناصر الزبيدي على صلادة المادة التي تشكل جسد المنحوتة فيمنح ذلك منحوتاته وجودا أكثر محسوسية، ويعطي للمادة هيمنة كبرى في تشكيل (فضاء) المنحوتة ومن ثم وجودها. وهو يحاول ان يطوع أحيانا مادته، او يقسرها مما يؤدي إلى تغيير أفق التوقع التعبيري للمادة، تغييرا قد يعتبره البعض تفجيرا او تقييدا، إلا انه نقل آليات التعبير من نمط تعبيري ينتمي الى مادة ما، إلى نمط تعبيري ينتمي إلى مادة أخرى، فهو يمارس نحت الخشب مثلما يمارس النحات العمل بمادة الطين المشغول بعد ذلك بالبرونز وذلك يدل على براينا على الحرفية العالية محمد ناصر الزبيدي في تطويع المادة لموضوعات معقدة.

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2008

مطويات المعارض.. حوامل مخادعة ام رؤى فنية









مطويات المعارض

حوامل مخادعة ..



أورؤى فنية

خالد خضير الصالحي

لقد عرف كاسيرر الفن بانه لغة رمزية، وهيمن ذلك التعريف على الدراسات الفنية في القرن العشرين، فكان اخطر نتائج تلك الدعوة، حسبما ي}كد جورج كوبلر، ان استأثرت دراسات المعنى بكل الاهتمام، وتراجع تعريف الفن بكونه نظاما من العلاقات الشكلية، وهو التعريف الاهم برأينا، رغم انه مازال بعيدا عن ما الفه الناس، فقلما يعتقد سوى القلة من المختصين في الفن التشكيلي بافاقه الحداثية ان اللوحة ليست في النهاية الا سطحا مطلي بالمادة، اي الاقرار (بشيئية اللوحة) ومادية التعبير، وان جل ما يكتبه الرسامون في مطويات معارضهم في العراق ينصب في جانب المعنى بمختلف اتجاهاته، وهذه ، برأينا الخطورة الاولى في تلك الكتابات، كونها تكرس تناول المعنى على حساب متيريالية اللوحة.
وتتمثل الخطورة الثانية في اتجاه تحول كتابات الرسامين في مطويات معارضهم الى ما يؤدي الى بث موجهات قرائية متعمدة كما كانت تنتهي اليه كتابات شاكر حسن ال سعيد، وقد تتحول تلك الى موجهات قرائية دون قصد من الرسامين انفسهم حيث يقوم الكتاب بتناقلها كمسلمات مفروغ منها، كما يحدث في تناقل هؤلاء النقاد الفهم السائد بأن تجربة الرسام فيصل لعيبي لا تعدو ان تكون رسوما ذات طابع محلي لا يشكل سوى امتداد متاخر لجماعة بغداد وطروحاتها غافلين عن الابعاد البلاستيكية في هذه التجربة، وهو ما اخر اكتشاف كوامن تجربة فيصل لعيبي واكتفاء معظم الكتاب عن القشرة الفولكلورية لهذه التجربة وهو الامر الذي اثبتنا تقصيره في احدى محاضراتنا عن هذا الرسام.
ثالثا، لقد سرت قضية اختراع حوامل خادعة supports سرعان ما يقع فيها الرسام نفسه بطريقة الخداع الذاتي بعد ان يبدأ الكتاب بتناقلها العمياني، فيبدأ الرسام بتكرار ترديدها مما يعرض التجربة الى خطر التناسخ الداخلي الذي يجعلها تدور في فلك حلقة مفرغة تؤدي الى توقف ايقاع التحولات الاسلوبية فيها.
رابعا، لا يمكن نكران وجود رؤية فنية تنظيرية متكاملة لدى بعض الرسامين ممن يحاولون تطويرها من خلال معارضهم التي يقيمونها وينظرون لها في مطويات معارضهم، والامر هنا دقيق ، فيما اذا كانت التنظيرات والتجربة البصرية متساوقة حقا، ام ان ذلك ادعاء ليس الا.
نموذج اول

هناء مال الله وقاع منظومات التعبير الرمزية
بعد ان جسدت تجربة هناء مال الله قضية المثلثات المقلوبة باعتبارها وحدات تدوينية ظهرت في العصر الذي سبق اختراع الكتابة في حضارة وادي الرافدين فشكلت بظهورها في فخاريات سامراء وتل حسونة ، الوحدات التدوينية لذلك العصر بالارتباط مع نظام التربيع انتهت في معرضها الاخير الذي ننشر هنا نماذج منه فطرحت اربع فكر مهمة هي:
اولا، النظر الى تجربتها باعتبارها تمثل محاولة تجريبية تطرح من خلالها "احدى المسارات التي تتنافذ فيها المنظومات: منظومة الاشكال المرسومة مع منظومة الكتابة مع منظومة الاعداد"بهدف الوصول الى استنتاج بأن الرسم "في قاع كل المنظومات الرمزية" وتكون التجربة برمتها "محاولة ادراك للانظمة"، وهي تؤكد ان تجربتها ليست الا محاولة في قراءة بصرية للنظام في فوضى تراكم المنظومات وبالعكس. وتبرر التزامها بنظام شكلي صارم داخل اللوحة (=هندسة اللوحة) بأنها "خطة لاكتشاف مسار ما لنسفه وتفتيته لتجريب مفهوم ممكنات الانظمة فيما يبدو فوضى".
ثانيا، ضمن هذا التعقيد الفكري الذي تطرحه فهي لا تنسى ان اللوحة في النهاية سطح يحوي مادة تعبير فكان سطح اللوحة عندها وتنوع الخامات من "ضرورات توالد الاسئلة وحيرتها"، فيشكل كل عمل مشروعا لعمل تال بما يولد من تساؤلات، فكان "الوجد للمواد الخام والانقياد لطاقتها" مبررا المجازفة للتجريب المستمر في تجربة الرسامة.
ثالثا، لقد بنت الرسامة تجربتها كهندسة خارجية على حد مشترك في قياسات الاعمال وفي وحداتها الصغيرة الانشائية، بشكل يتجه من "اختزال المساحة الهندسية الى الوحدة الهندسية الصغيرة" مؤسسة على العدد (5) الذي يساوي الحرف (هـ)وهو الحرف الاول من اسم الرسامة هناء مال الله.
رابعا، جاءت محاولة هناء مال الله ضمن اتجاهها "لاستئناف حضارتها الشخصية وتاريخها الشخصي بواسطة تاريخها العراقي فظهرت انظمة متحفية تتخلل اعمالها" ، وكانت تلك (الانظمة المتحفية) تظهر حينا بوعي مدرك وحينا بوعي باطني.
لقد كتبنا عن الرسامة هناء مال الله عددا لا بأس به من المقالات وكان السؤال الاكثر الحاحا علينا هو: هل يمكن للمتلقي ان يتوصل الى (الرؤية المدونة) لهناء مال الله من خلال (الرؤيا البصرية) اي ان العمل المنجز على سطح اللوحة عندما يواجه المتلقي عاريا من كل الحوامل التي تقدمها الكتابة؟.

شاكر حسن آل سعيد في تجربة تخطيطات (الحرب و السلام)
وقد قدم شاكر حسن آل سعيد في تجربة تخطيطات (الحرب و السلام) باعتباره مطوية معرض، قدم رؤية متكاملة حول تخطيطاته عبرتواشج اللغوي و التشكيلي، فقد اصدر شاكر حسن آل سعيد ، عام 1986 ، كتاب (الحرب و السلام) حيث أعاد نشر تخطيطات سبق له ان ضمها لمعرض أقامه بنفس العنوان ، مضافا لها مقدمة شكلت رؤية نقدية بحثت ما تضمنه الكتاب من رؤية فنية.
ورغم ان النقد الفني يجب ان يكون معنيا بالمنجز المتحقق (= اللوحة) ، التي تشكل المنطلق الأول والأخير ، وليس تصريحات الفنان – المنظّـر عنه.
اقتباسات من شاكر نفسه حول الموضوع
، إلا أن موقفنا سيكون مختلفا بعض الشيء هنا ، فخلافا لغيره ، يتصف شاكر حسن آل سعيد بكونه واحدا من اكبر صناع الأساطير حول فنه، كما يقول الناقد سهيل سامي نادر، فآل سعيد أستاذ قدير في الرسم والتنظير معا ويمتلك قدرة على تـلبّس حالات متباينة في كل مرة ، مما يجعل تصريحاته تتصف بكونها رؤية نقدية من متلق فعال (= التجلي الثاني لشاكر حسن) يحاول إنجاز خطاب محايث للخطاب الفني (الذي أنجزه في تجليه الأول كرسام) ، وبذلك فهو يهدي الى مداخل مفتاحية تجاه تفهّم تجربته كرسام ، وبذلك تخدم هذه المنارات في تنبيه .
إننا هنا لا نحاول فقط استقراء التجربة الفنية بل ونحاول استقراء متعلقاتها النقدية ، والتي فصل شاكر حسن آل سعيد القول فيها في عدد من المقالات التي كتبها حول هذه التجربة ، وأهمها مقدمة كتاب (الحرب و السلام) والتي أكد فيها انه قد قلب منطق الأشياء حين طبع الكتاب مستبدلا النصوص اللغوية بنصوص مرسومة ، وكأنه يريد من القارئ ان يحاول قراءة الكتاب بحيث تؤدي الرسوم دور (مقاطع) قصيرة تحتوي نصوصا مدونة بأبجديات غير مألوفة هي تفاريق الخط متمثلة بالنقاط والخطوط المتقطعة والوحدات الزخرفية ، فكانت كل (تخطيطة) تعيش وجودها اللغوي من خلال (الأبجديات) التشكيلية ، من خلال تنوع معاني النقطة وتحولاتها الشكلية(= تفاريقها) من أعداد وخطوط وأسهم ونقاط متقاطعة ومتتابعة ،تصنع خطوطا جراء تحركها على بياض الورقة من طرف لآخر ، مؤلفة مكونات متحفه الأركولوجي الشخصي من كتابات و إشارات وأسهم ودوائر وما الى ذلك من لقى وحروف أبجدية مفروطة ، وبذلك فهو يحقق ( تصورا لغويا للموضوع التشكيلي) ، ويساهم في شحذ التمثل للمحورين المرئي (الحسي) و اللامرئي (الذهني) ، وبذلك فهو يحقق ما يسميه (المنطق في الشهود التأملي) حيث يتحقق التفاني ، وهو التعايش بين صور الكتابة وأبجديات الرسم ، أي بين منطقتي الشهودي / اللغوي و الشهودي / التشكيلي ، لتحقيق نوع من الانصهار في بنية العمل الفني.
ان التواشج الذي يحاول شاكر حسن تحقيقه بين الرسم والكتابة هو في حقيقته تواشج بين المؤلفات المرئية والمقروءة معا ، لأنتاج صيغة تحقق الاقتراب من حالة (الكتابة / الرسم) ، أي رفع الحدود بين مناطق استخدام (المواد الإنشائية) اللغوية ، وهو تواشج بين تقنيتين تقنية تتعامل مع التصورات الذهنية وهي القراءة والكتابة وتقنية تتعامل مع الإحساس البصري والأنفعال وهي الرسم بمواد الرسم وتقنياته وأشكاله ، بهدف الحضور في تفاني العالمين الفنيين (منطقة الحياد = التنافذ) ، حيث (لن تعود الأشكال (المشخصنة) أو المجردة سوى نقاط عبور للوصول الى الضفاف النائية ….ص 55 ، انه استبدال للنص المرسوم بالنص اللغوي ، نصوص مدونة بأبجديات مألوفة هي تفاريق الخط التي تحمل معنى الأنقطاعات في بنية الخط الممتدة نقاطا وخطوطا متقطعة ووحدات زخرفية ، وبذلك يلبس الموضوع تصورا لغويا (= الحروف والكلمات …….ص54) ، يمكن ان نعد تجربة الكولاج والحرف العربي جزء من هذا التوجه حيث تختزل الأشكال الطبيعية الى أشكال هندسية تشكلها مفردات أبجدية تشكيلية يبني بها منظومته.

الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

الرسام هاني مظهر

الرسام
هاني مظهر













الصور الأولى


في مقال سابق لي عن الرسام العراقي المغترب في لندن هاني مظهر ، وكان بعنوان (تجربة الرسام العراقي هاني مظهر .. يتجاذبها مستقطبان رئيسيان من الفن الرافديني) افترضت بداية وجود مايشبه النظام الجيني الذي ينقل مورثاته من العام الى الخاص في التجارب الفنية، اي من الحركة العامة في الفن لتنتهي مستوطنة التجارب الفردية، فافترضت انتقال جينات الفن الرافديني القديم إلى جيل الفنانين المعاصرين وتحديداً الرسام هاني مظهر، وأهم هذه الصفات الثقافية الموروثة هي توحّد السماويّ والأرضي في ذات التجربة ، فلقد استند الفنّ العراقّي السومري إلى نظرة دينية شاملة للكون ... وكما يقول أنطوان مورتكات ، ويؤكد بأن(روح ذلك العصر امتزجت فيه المادة والروح أحدهما بالأخرى) ... بل أنهما راحا منذ البداية يوطّدان طابع الفن السومري في الصورة المنفردة وفي تركيب الأشكال أيضاً، فلقد استمرت الصفتان الأساسيتان تتصارعان في الفن العراقي الرافديني القديم وعلى مر العصور.
فجاءت تجربة هاني مظهر متجاذبة من ذات المستقطبين الرئيسين للفن الرافديني، وهما يشكلان عنده معاً البؤرة المولدّة لكل إبداعاته، فقد شكَّل المقدس( الإلهي، السامي، الشعريّ، الخيال المطلق) والأرضيّ ( الحّسي، عالم المشخّصات بما فيها من أشكال وعلامات ) عناصر (ميزانسين) لوحة هاني مظهر، وذلك تبعاً إلى درجة الشدّ التي يمارسها أحد هذين المستقطبين، حيث يفرض كل منهما طبيعة عناصر اللوحة عنده، فيقترن المقدس بالتجريد في درجاته المتطرفة (العماء اللوني)، بينما يجرّ الأرضيّ اللوحات إلى الموجودات الأرضية المشخصة ، وتدخل ضمنها العلامات ومنها الهندسية.
فكان يستعين بتقنية الإشارات العشوائية في إعادة ترتيب وموازنة عناصر اللوحة وبالتالي نقلها من مستوى لأخر، من الشعريّ( التجريد) نحو الأرضي (التشخيص) ، أي من الباطن (العماء) إلى الظاهر من خلال إجراء عملية الانقطاع التي وصفناها في مقال سابق عنه ، والتي يخلقها البياض المضاف إلى اللوحة ، وهو ما يوفر فرصة لاستثمار تقنية حقل الإشارات العشوائية مترامي الأطراف من المتعرجات ، وإن لم تكنْ تلك التقنية كافية، فستكون نتيجتها توفر الشروط اللازمة من أجل تحقّق فعاليّة العلامات باتجاه تشكل تكوينات خطية، قد تحدث بصفة عرضية، ولكنها في النهاية توصي وتؤدي إلى ظهور أشكال لا تحتاج سوى إلى إضافة لمسات طفيفة من الخطوط لتتحول إلى مشخصات ( أشكال أرضية) من خلال تحقق الاندماج الشكليّ كنتيجة أخيرة، فيبدأ هاني مظهر بإضافة إشارات ( علامات) هي مرحلة وسط بين العماء وبين التشخيص، ونقصد بتلك العلامات بعض الأشكال الهندسية، والإشارات الكتابية، كالمثلثات والدوائر والحروف والإشارات المرافقة لها، والأرقام والخطوط والنقاط ومجزءات كل تلك العلامات، وبذلك يحتكم هاني مظهر في النهاية إلى الجانب العقليّ من الرسم، والذي يعود باللوحة إلى سماتها الأرضية ( الحياتية) المفقودة فتغزو العلامات المشخصة أخيراً سطح اللوحة وعمائها اللوني .
الا انني الان بدأت ااقرأ هذه القضية بشكل اخر ، وهي انها قوة وحركة بندولية تتأرجح بين جاذبين رئيسين هما: مشخصات الواقع من طرف ، والمعطيات المجردة (=السحنة اللونية والشكل الهندسي واللامشخص) في طرف مناقض، فكان بندول تجربته يتأرجح تارة صوب المماثلة (الحرفية) مع مشخصات الواقع وتارة صوب لوحة تتسيدها الدلالات التعبيرية للون دونما وجودٍ محسوس لأية علاقة مشخصة، سوى تلميحات هندسية، ذلك راجع برأينا الى تشبّع الرسام هاني مظهر بأشكال المشخصات وتوفره على مقدرة لونية عالية تجعل تجربته في حنين دائم لتلك العناصر، فرغم محاولاته المستمرة لابقاء خيط رفيع يربط اشكاله بمشخصات الواقع الا انه يبقى رساما تجريديا متمكنا ، تهيمن على لوحته اشارات ليست مشخصة ولكنها ذات طبيعة هندسية يحاول ان يجعلها مهيمنة شكلية في بناء لوحته، وكأنما كان يحاول التخلص من انطباعاته الذاتية وشحنها بعناصر معرفة (موضوعية) تكبح جماحها، وبذلك فهو، حتى وان اتخذ (اشكال) الواقع، وغالبا ما تكون هندسية، فانما يقدمها عبر مسبقات يقينية، كما يسميها باشلار او من خلال (هندسة ملموسة) على حد تعبير meny ،وبهذا يعكس هاني مظهر رغبة متطرفة وخفية في (تهندس الرؤية) وهو ما دفعه الى البناء على (بلورة هندسية)، تماما مثلما يبني هاشم حنون وفاخر محمد تجربتهما في الطرف الاخر من التجريد على ( بلورة مشخّصة)، وغالبا ما تكون تلك البلورة الهندسية، عند هاني مظهر، مثلثا مقلوبا (قد يمكن الانتباه الى دلالاته الانثوية والجنسية في لوحة هاني مظهر ، كما قد يمكن التذكير بدلالاته الخصوبية كما هو عند هناء مال الله)، هذه البلورة الهندسية تهيمن لونيا وتكوينيا على طوبولوجيا اللوحة غالبا، وبذلك يؤنسن هاني مظهر اشكاله المجرّدة والايحاء بشخصنتها من خلال استلالها من الشكل المشخص، بذلك فقد ترك الباب مواربا للعودة ثانية الى (الصورة المادية) التي تحقق ارضاء سريعا للنفوس التي تبحث عن ضالة مشخصة، فكان هاني مظهر يتعامل مع تلك (البلورات الهندسية) باعتبارها (الصور الاولى) حيث الرياضيات الغامضة التي تتسم بالافتقار الى الوضوح الشكلي الكافي ، انه اذن يلجأ الى نمط من هندسة مبسطة و(مشاعة)، تبحث عن (بساطة جوهرية) هي ما يبحث عنها الرسام ذاته، فتنتهي اليها تجربته حيث تستعاد اشكال الواقع من خلال اصغر عناصره الهندسية التي تشكل حدا كامنا في النفس الانسانية في مراحلها (القبعلمية) حيث الصور الهندسية شديدة الاغواء للحواس، وحيث يتم النظر لأية اشكال مغلقة باعتبارها اشكالا طوبولوجية مغلقة كما يقرر ر. روجرز، لتشكل (بقعة) لونية تشكل بدورها (كميات ممثولة) هي في منزلة ما بين الملموس والمجرد يشتغل العقل فيها للوصول الى درجة من التوفيق بين (الرياضيات) والهندسة، بين القوانين والوقائع، فينجذب الفكر نحو( بناءات) اكثر تجريدا مما هي واقعة، نحو (حقول تصورية) تتقبل التمثل الهندسي، الذي لم يصل الى حدود التجريد الرياضي، وبذلك تثبت العقول البشرية ، مهما توغلت في الاستنارة، ان ظلالا من اثار الانسان القديم ما زالت تسكننا، بل وتسكن حتى ارقى العقول تجريدا.
يتأرجح بندول تجربة هاني مظهر، وهو في بحثه التجريدي في ثلاثة اقانيم مختلطة ومتواشجة تماثل المراحل الكبرى في تحول العقل البشري نحو التجريد وهو ما فصله باشلار بعمق حينما شخصها بأنها: الحالة الملموسة ، حيث يتلهى العقل بالصورة الاولى للظاهرة، ثم الحالة الملموسة المجردة حيث يضيف العقل من عندياته الرسوم الهندسية مستندا في ذلك الى (البساطة)، واخيرا (الحالة المجردة) حيث يباشر العقل بمعالجة المعلومات المأخوذة طوعا من حدس الميدان الواقعي والمنفصلة طوعا عن التجربة المباشرة، فكان هاني مظهر يتنقل بيسر خلال هذه الاقانيم منذعقود.

الرسام هاشم تايه







هاشم تايه
مرة أخرى


تنــــــــــافـــــذ
البساطــــــة والقـــــــــــــــوة
في التكويــــــــــــــــن الخطــــــــــــــــي


هاشم تايه ، هو غير هاشم حنون ولكنهما معا من البصرة ، رسام متعفف ، لا يحب الشهرة ، بل قل لا يسعى إليها ، فجلّ ما يطمح إليه هو ان يعبر بالرسم ، وهذه عنده رسالة لا قبلها و لا بعدها ! ، كتبت عنه ثلاث مرات سابقة ، ولكني أجد نفسي مدفوعا للكتابة عنه رابعة ، فأن مرور الوقت يكشف للمتابع الأركولوجي طبقات خفية ، طبقة بعد أخرى ، وكل واحدة منها تقود مجرى الكتابة تجاه مسرب جديد آخر ، وبشكل يمكن الإدعاء معه ان تجربة متعددة الطبقات لابد وأن تتيح إمكانية كتابة متعددة المسارب.
في كل كتاباتي السابقة كنت أحاول ان اعكس توجها طوبولوجيا في دراسة التجارب الفنية التي تناولتها ، فكنت أحاول ان أضع دراسة التكوين (= البنية) هدفا لي ، وهو ما حاولته ، في دراستي هنا لأعمال الرسام هاشم تايه ، والتي سوف تقتصر على تلك الأعمال ذات البنية الكاليغرافية ، وهي قد تكون أعمالا بالألوان الزيتية ، ولكن بنيتها تتخندق مع الأعمال التخطيطية ، وكأن اللون فيها لم يتنافذ كفاية مع بناء اللوحة ، فبقيت بنيتها كاليغرافية تشي وكأنها تخطيط تمت إضافة اللون إليه ، في مرحلة لاحقة فلم تغير تلك الإضافة على طبيعة العمل شيئا ، وبذلك فنحن نعاملها وكأنها لوحة تخطيطية من وجهة النظر الطوبولوجية ، وسوف نقصر اهتمامنا على تكوينها الشكلي الكاليغرافي ، مع بعض الإهمال لمتيرياليتها ، وهذه الملاحظة الأخيرة لا تصح على الأعمال التخطيطية بالحبر الصيني ، فأن تناولنا لها يتضمن (المتيرياليتي) كون الخط الأسود هو الذي يبني اللوحة وحيدا ، فيغلق الأشكال ، ويردم الفراغان ويقوم بكل المهمات .
يقيم الرسام (= المخطِّـط هنا) هاشم تايه أعماله على تنافذ استعاري بين مستويي العمل لديه : البساطة و القوة ، والبساطة تعني ببساطة التخلص من الشوائب الزائدة في الشكل ، وهو توجه تقليلي يحاول الاكتفاء بأقل قدر من الخطوط الضرورية لبناء الشكل ، تماما مثلما استخلص (بيكاسو زبدة كتاب براساي المسمى (أشكال خطوطية جداريه Graffiti ) في فصل (ولادة الوجه) وهي تجميع لصور فوتوغرافية لوجوه نفّـذت من ثقبين أو ثلاثة ثقوب في جدار ، وقد درس بيكاسو هذه التخطيطات باهتمام بالغ وعلق بأنه كان يعمل وجوها كهذه ، وأن ثقبين هما رمز للوجه الإنساني ، وهو ما يكفي لأبرازه من غير تجسيد بهذه الوسائل البسيطة ، وكذلك أنجز بيكاسو تخطيطات لم تكلفه سوى خط خارجي وحيد كاف لأبراز كثافة وامتلاء الجسد الإنساني ، وهذا هو ما فعله هاشم تايه تماما ، فكما يصنع الصغار الوجه الإنساني من كلمة (ملح) التي يمطون نهاية الحاء لتشكل دائرة تلتف حول الميم لتلتقي مع رأس اللام ، فقد كان يطلق حركة نقطة (من مكان مجهول من الشكل) خط يصنع أشكالا طوبولوجيا مغلقة، ينتهي من حيث يبتدئ ، يحيط الشكل ، فيصنع بذلك شكلا مغلقا معزولا ، بالخط الخارجي عن بياض الورقة المحيط به ، تماما كما كان يصنع العراقيون القدامى جدارا محيطا لمعابدهم بهدف المحافظة على قداستها بعزلها عن المحيط الخارجي ، وكانوا يسمون ذلك الجدار كيسو ، خط لا بداية له هنا ولا نهاية ، يبتدئ من أية نقطة وفيها ينتهي لصنع أشكاله المغلقة ، خط لا انقطاع فيه ، ولا وجود لتعاقب ارسطوطاليسي من البداية مرورا بالوسط وانتهاء بالنهاية ، هو زمن متعاقب مستمر ابدي لا ينتهي ، فلا وجود إذن لزمان يمكن ان نؤرخ له بتحرك النقطة ، وكأنما انهت الحركة الدائرية للنقطة البعد الزماني الذي يستوجب تسجيلا للتطور الخطي.
يتجسد البعد الآخر للتكوين (= القوة) في جرأة الخط ، أو جرأة النقطة التي يبدو أنها تعرف مسبقا خط سيرها ، لذا تترك أثرا لها خطا قويا محفورا على بياض الورقة ، يمتلك حدة واضحة ، خط يمتلك ثقة ومقدرة على فصل مساحتين من نفس اللون (=الأبيض) ، لذا فهو خط حقيقي يختلف عن المحيطات الكفافية الوهمية التي تفصل مساحتين لونيتين مختلفتين عن بعضهما ، وذلك راجع الى ان التكوين الخطي تصنعه خطوط حقيقية (محفورة) على بياض الورقة يصنعها المداد الأسود الفاحم.