الاثنين، 18 أبريل 2022

لفوتوغرافي زيني سعيد..تركز الرؤية بعين السيكلوب!

 

الفوتوغرافي زيني سعيد..
















تركز الرؤية بعين السيكلوب!

 

خالد خضير الصالحي

خلال احتدام جائحة كورونا استضافت الجمعية العراقية للتصوير، في برنامجها الثقافي الأسبوعي الذي كان يجري على منصة برنامج الزوم (ZOOM)، المصور الفوتوغرافي زيني سعيد، الشاب الذي ابتدأ التصوير الفوتوغرافي قبل بضع سنوات، وقدم في الجلسة اضمامة من صوره الفوتوغرافية التي تنوعت على ثيمات متعددة كانت أهمها وضوحا، وشكلت مركز الاهتمام الأول، هي تصوير الحياة اليومية المعيشة التي يصورها بعناية، ولكن مع حرص شديد على العناصر الفنية للصورة من خلال فنون استخدام الكاميرا لأنه قليلا ما يوظف تقنيات المعالجة ما بعد التصوير؛ فكانت الصور الفوتوغرافية لزيني سعيد، في غالبيتها، لقطات مفتوحة، وتبدو (اقتناصا) لفرصة التقاط الصورة، كما يحلو له وصف اللقطات غير المخططة التي انتجها، وهو ما تصفه سوزان سونتاغ بانها (الطبيعة الاغتصابية) للفوتوغرافيا التي تمنحنا "حقنا في المراقبة"، او ربما حقنا في التلصص على العالم وعلى الاخر.

ان الصور غير المخطط لها يخفت فيها صوت البطل المهيمن، وسطوته في غالبية الصور باستثناء البورتريتات، ولكن حرص زيني سعيد على الحفاظ على بؤرة لامة للتعبير، قد تتمثل أحيانا بالتفاتة بسيطة تجلب اهتمام المتلقي، فتشكل ما يسميه رولان بارت الـ(بونكتوم)، او البؤرة اللامة للقطة، في كتابه الشهير (الغرفة المضيئة.. تأملات في الفوتوغرافيا)، وكثيرا ما كانت تلك البؤرة اللامة عين احد شخوص الصورة وهي تقوم قام (الوخزة) الضرورية للصورة، وقد يمكن ان نسميها (البؤرة التعبيرية) في الصورة، حيث يمتد الخط التعبيري من خلالها بين المتلقي وبين الصورة، وغالبا ما تكون تلك العين المحدقة في تفاصيل الحياة اليومية، عين ابرز ابطال الصورة.

ان اشد الصور تعبيرية في تجربة زيني سعيد صوره التي يهيمن عليها الكونتراست التي انتجها من اجل كبح قدرة الألوان على جذب عين المتلقي وتوجيه عملية التلقي، فصور حياة عمال صناعة الطابوق التي تفتقر بالأساس الى وجود الألوان في الواقع، وصور البورتريه التي يكون البطل فيها بعين واحدة لسبب ما، فقد صور زيني سعيد عدة لقطات يمتلك فيها البطل عينا واحدة سليمة، فصور امرأة عجوزا من مدينته (الديوانية) بعين واحدة، وصور رجلا إيرانيا بعين واحدة والأخرى مطفأة بسبب الماء الأبيض، فكانت خطوط التلقي كلها تلتقي في البؤرة التعبيرية للعين السليمة لتتجه بعد ذلك لاستطلاع أشياء الواقع المحيط.

إذا كان الفوتوغراف يبنى بالضوء الذي يبدد الظلمة، تماما كما هو جوهر السينما الذي تشترك به مع الفوتوغراف، فان زيني سعيد يبني يعتبر السواد، وتحديدا الكونتراست، كجوهر مادي أهم في بناء صور البورتريت، حيث اتساع هيمنة السواد الذي يمنح الصورة تعبيرية قوية، مما جعل اشتغالاته في هذا النمط من الصور وكأنما كان يشتغل على التباين اللوني بين الضوء والظلام (الظل).

يتفنن زيني سعيد توظيف زاوية التقاط استثنائية في بعض الموضوعات، فقد صور عمال الطابوق من مكان مرتفع على سطح كورة صناعة الطابوق بزاوية نظر (عين الطائر) فكانت سحنة الغبار والابخرة والدخان الأسود المتصاعد من الكورة.. فكان للقطة دلالات تعبيرية قوية، كما انه يوظف بعد عين الكاميرا من وجه النموذج المصور فكان يبدو وكأنما يحاول الدخول بكاميرته الى دواخل النموذج.

لا يضع علي زيني من اهتماماته توثيق اثر ما بالمعنى التاريخي للتوثيق، انما يهدف الى (تسجيل) انطباع سريع لحدث ما، ليلاحق تفاصيل حياة الناس في القرى الجبلية وفي اهوار العراق،  من خلال لقطات لأطفال يلعبون، وامرأة تكنس باحة الجامع، فتاة صغيرة تنظر من ثقب في زجاجة مكسورة، او من ظلفة الباب، فتاة صغيرة تهم باجتياز زقاق قصير،

ان الرغبة العارمة التي تتلبس زيني سعيد من اجل خلق حركة ما داخل الصورة وان كانت طفيفة في صور الببورترت الساكن من خلال دخان سيجارة النموذج الذي يصوره زيني سعيد.  

الأربعاء، 13 أبريل 2022

 









































 ·   ·

الفوتوغرافي أنور الدرويش..احتضارُ المدنِ واختفاءُ أبطالها

خالد خضير الصالحي

١٢ أبريل ٢٠٢١

"تلك زوجتي الراحلة معلقة على الحائط ترنو كما لو كانت حية" (براوننغ)

        نعتقد أن تجارب الفن التشكيلي، والفن الفوتوغرافي كذلك، غالباً ما تنبني على موضوعة (ثيمة) أساسية مهيمنة، أو ربما ثيمات مهيمنة، تستعاد، وتتكرر إعادتها طوال التجربة، وما جلب اهتمامنا في تجربة الفوتوغرافي أنور درويش إنها تعمل على الارتقاء بالعابر، والمهمل، والمندثر، الى مرتبة الفن الجمالي الراقي دونما تفريط بالعناصر التقنية للتصوير الفوتوغرافي ومنها:

التكوين، والإنشاء، والاتزان، ومادية (شيئية) الصورة، وزاوية الالتقاط، وكل هذه العناصر يجمّعها، ويؤطرها، (الأثر) و(المندثر)، وعلاقات الأشكال والعلامات المتهرئة على السطوح والجدران وغيرها، وهو ما يسميها أنور درويش (التاثيرات التشكيلية)، ونحن نسميها (مادية) أو (شيئية) الصورة الفوتوغرافية، فحينما يصور الدرويش الكرسي الفارغ في صورة من أجمل صوره فانما هو لا يصور ما هو موجود قدر تصويره ما هو مفقود وغائب، لذلك أجده يتتبع، بأرقى الدرجات، خطى رولاند بارت، وسوزان سونتاغ اللذين تمثل الفوتوغرافيا عندهما تسجيلاً للموت، والفقدان، والأثر، والاندثار، وهو ما عناه الدرويش حينما صور مئات الصور التي أرخت لتهديم مدينة الموصل بعد إخراج داعش منها، كما أن غياب الإنسان من غالبية صوره كان بسبب انغماسه الكبير في محاولة تسجيل غياب الإنسان أكثر من تسجيل حضوره، حيث إن افتقاد الصورة للوجود الإنساني قد يشكل سمة من سمات الثقافة المدينية، وتسجيلاً لآثار جدرانها، كما إنها تصب في بناء الصورة الفوتوغرافية لتكون حقلاً خصباً للتلقي، فلا يكتفي المتلقي بالرؤية السلبية للصورة انما ينغمس في قراءة تأويلية (هرمنيوطيقية) تحاول ملء (فراغات) الصورة، بجعل هوامشها متوناً لها..

          لا يكتفي أنور الدرويش بوثائقية الصورة، فلا تشكل تلك الوثائقية إلا منطلقاً أولياً للصورة الفوتوغرافية، لذلك نحن نؤكد بان ملاحظاتنا لا تشكل دليلاً على أن المصور الفوتوغرافي (أنور درويش) كان يهمل (مادية) الصورة الفوتوغرافية مطلقا، بل كان في أشد حالات الحرص على توكيد (مادية الصورة) و(شكلية الصورة) التي نعني بها شيئاً أوسع من طبيعتها المادية كونها أحباراً أو مركبات على ورق، أو ضوءاً على شاشة، بل إنها تعبير يستند على مادية التعبير الذي بسببه اعتبر غاستون باشلار علم الجمال حقلاً مهمِلاً بإجحاف لـ(مادية الصورة)، التي كان أنور درويش مخلصاً لها بقوة، وتلك واحدة من أهم الخصائص الجوهرية في تجربته الفوتوغرافية.

          إن تجربة الفوتوغرافي أنور الدرويش تؤكد أنه يمتلك خبرة تقنية وجمالية في التعامل مع عناصر الصورة، وقدرة استثنائية على تركيب وإنشاء أهم عناصرها التي يبدو واضحاً بانها ناتج اعداد مسبق، في اختيار عناصرها الأهم، واختيار الزاوية الأمثل والأشد فاعلية للالتقاط بالترابط مع مصدر الإضاءة في المشهد، وهذه الخبرة كانت مرتكزه في الارتقاء بالأحداث العابرة التي قد لا تلفت نظر أحد غيره؛ فيصنع منها لقطات فوتوغرافية تشكل موضوعاً للتلقي الجمالي.

         تعتبر مسوحات كاميرا أنور درويش للأمكنة تسجيلاً أميناً لتحولات أمكنة المدن العراقية نحو شيخوختها، فكان أن قضى عقوداً، وهو يسجل موت المدن العراقية رويداً رويداً ربما الى الحد الذي اعتبر فيه تلك جوهر مهماته، وجوهر تجربته الفوتوغرافية التي يضع لها مهمة صعبة وخطيرة وهي توثيق احتضار الأمكنة عبر سلسلة من اللقطات التي تسجل مرور السنوات عليها، موت كان مستمراً تحت شتى الأسباب والمسوغات، وهو كذلك يسجل أمراً خطيراً آخر سجله بعض من كتب عن تجربته، وهو اختفاء الأبطال من كل نوع: الأبطال المنفردون الذين كانوا فاعلين في الرسم التشكيلي، واختفاء المجاميع المهمشة التي أورثها السرد الروائي الى القصة القصيرة، تماما كما أورثها الرسم الى الفوتوغراف، بل واختفاء الأبطال المهمشين هؤلاء أحيانا كذلك، حتى يمكن القول إن تجربة أنور الدرويش كانت تجربة دونما أبطال حينما تحولت الأمكنة فيها الى أبطال متخفين، فكانت تحكم هيمنتها على الصورة بغياب الإنسان الفرد، وذلك أمر مهم في الفوتوغراف الذي تشكل إطلالة الواقع أمراً لا فكاك منه في كل التقاطة فوتوغرافية، وكل سحنة مهما كانت ضئيلة الشأن، وذلك أهم فروقات ىالفوتوغراف عن فن الرسم بتقاليده الغابرة التي تمتد الى آلاف غابرة من السنوات منذ الكهوف الأولى.

الثلاثاء، 12 أبريل 2022

 

 

الفوتوغرافي عبد الرحمن عدي..

  

تحوّل الحياة كلها الى (بورتريت) بالأسود والابيض

 

 خالد خضير الصالحي

 






























رغم ان التصوير الفوتوغرافي فعالية قديمة في اهتمامات، ونشاطات عبد الرحمن عدي، ولكنه مازال يؤكد ان البداية الحقيقية له كانت فوزه بالجائزة الأولى في مسابقة فوتوغرافية كانت قد جرت في المانيا عام 2003 وشارك فيها 150 مصورا فوتوغرافيا من مختلف بلدان العالم؛ فكانت تلك بدايته الحقيقية.

لم تجعل فكرة المماثلة مع اشكال الواقع في فن الفوتوغراف، الامر صعبا على الفوتوغرافي عبد الرحمن عدي في التعامل مع الصورة الفوتوغرافية باعتبارها واقعة شيئية (مادية)، فحصل على مكاسب حقيقية في بناء صورنه الفوتوغرافية باعتبارها حقلا ماديا تتم فيها تجارب اللون والتكسجر والعناصر المادية للصورة الفوتوغرافية بالاسود والأبيض التي هي بطبيعتها تفتح الباب بقوة لتناول الصورة الفوتوغرافية باعتبارها واقعة مادية بشكل مماثل للوحة المرسومة اطثر من الصورة الملونة..

لقد شكل عنصر الضوء (البياض)، ووجوده السلبي الأسود (الظلام)، العلامة الفارقة في المنجز الفوتوغرافي للمصور عبد الرحمن عدي، فهو بفضل انتاج صورة فوتوغرافية تترسم خطى الرسم الزيتي الكلاسيكي لرمبراندت وغيره من الرسامين الذين برعوا في توظيف أجواء الظلام ومنهم مثلا: جريكو، وكارافاجيو حينما رسموا قصص الكتب المقدسة، حيث الأجواء التي يغرق فيها الشخوص في حندس الظلام فلا تبين منهم الا الاجزاء الكافية للتعبير عن موضوع الصورة، وانفعال النموذج (الموديل).

يبني عبد الرحمن عدي صورته في تصوير البورتريه، على زاويتين متعاضدتين هما: زاوية التقاط الصورة، وغالبا ما تكون زاوية تقليدية لا انزياح فيها عن المألوف في تصوير الفوتوغراف، بينما تشكل زاوية الاضاءة، وسعة البقعة المضيئة الساقطة على الموديل، مرتكز بناء الصورة، وغالبا ما تكون زاوية الإضاءة منحرفة قليلا حيث ان هدفيها الأهم: إظهار التفاصيل بشكل واضح ودقيق اولا، وطمس معالم بقية الأجزاء غير المرغوب بها من الصورة ثانيا، وقد تأتي الانارة أحيانا من مصدر شديد الغرابة، واحيانا تأتي من منطقة تقع خلف النموذج، وبما انه يستخدم مصدر ضوء واحد في الصورة فان الناتج يتسم أحيانا بنتائج غرائبية في بناء الصورة، ونحن نعتقد بان نجاحه في استخدام مصدر وحيد للضوء راجع الى أنه لا يحتاج الى الكشف عن مناطق الظلام المعتمة التي يراد منها إخفاء كل التفاصيل غير الضرورية في كل مساحة الصورة عدا البقعة المضيئة، وان كان ذلك قد يعطي انطباعا لدى المتلقي بان الصورة قد مرت بعملية تخليق صناعي، ولم تأت بطريقة ولادة طبيعية..

تتخذ البنية المادية للصورة سمات التصوير الأسود والأبيض حتى وان انطوت تلك الصورة على بعض (الضربات) اللونية هنا او هناك، فتلك البقع اللونية تبدو ثآليل صغيرة مقابل التأثير المتعاظم لجوهر الصورة التي يشكل الظلام والضوء جوهرها البنيوي الراسخ.

ان الايمان الراسخ لعبد الرحمن عدي بان على الصورة ان تلامس واقع الانسان وحياته، وان اهم موضوعات التصوير الفوتوغرافي جعله يتجه الى تصوير البورتريه الذي هو في حقيقته ينقل موضوعات الفوتوغراف من سطح الواقع ويومياته وتفاصيله الى الدواخل الإنسانية. 

ان خلاصة التجربة الفوتوغرافية لعبد الرحمن عدي، هي انها تجربة كرست نفسها من اجل تصوير الممحو (المحذوف او السواد)، اكثر من تصوير ظاهر الصورة (البياض) من الواقعة الفوتوغرافية، فاذا كان النحات الشهير جايكومتي قد وصف الوجه الإنساني بانه غابة لم تكتشف بعد، باعتبار ان الطاقة التعبيرية التي يتمتع بها الوجه البشري لا حدود لها، نجد ان الفوتوغرافي عبد الرحمن عدي قد ادخلنا ادغال غابة الوجه الإنساني هذه؛ فتلمسنا صعوبة الإحاطة بتلك الغابة التي لم تكتشف بعد، الا انه بسعيه الحثيث استطاع ان يخلق نظاما بصريا يلف العالم الإنساني من خلال سعيه الحثيث الى تحويل من يلتقي بهم الى صورة بورتريت، بل ان الحياة كلها عند عبد الرحمن عدي تحولت الى صور (بورتريت) بالأسود والابيض.