الجمعة، 18 يناير 2013

الرسامة العراقيَة هناء مال الله معرضها في لندن كانون الاول 2012







الرسامة العراقيَة هناء مال الله معرضها في لندن كانون الاول 2012

  

فن الخراب....
من الفناء العراقي إلى الفناء الوجودي





خالد خضير الصالحي

تعتبر الرسامة العراقيَة هناء مال الله واحدةً من اهم رسامي "جيل الثمانيناتِ" في العراق، وهو الاسم الذي اطلقه نقاد الفن على الجيل الذي نضجِ في اتون الحروب: الحرب العراقية الإيرانيةِ (1980 -1988)، وبِدايات حرب الخليجِ الأولى التي جاءت بعد دمجِ الكويت مِن قِبل صدام حسين في 1990، وهم مجموعة فنانين قرّروا البَقاء والدِراسَة، ومُزَاوَلَة فنونِهم في العراق، وقد ادى تقييد حرية السفرِ، والصعوبات الإقتصادية، وعدم الإستقرار الإجتماعي وَالنِزاع المُسَلَّحِ المستمرِ إلى عزلةِ خانقة أَثّرتْ على العمليةِ الابداعيةِ؛ فانعكسُت مواقفهم في أعمالِهم الفنية. ويعتبر فنانو "جيل الثمانيناتِ"، مِنْ وجهةِ نظر تأريخِ الفَنِّ المُعاصرِ، حركةَ فَنِّية، أَو ربما مدرسة ذات أهمية كبيرة.



تتلاحق تحولات هناء مال الله في اتجاهها الذي بدأته قبل سنوات، والذي اسمته (فن الخراب)، حتى يصعب على النقد دمج تلك المتلاحقات الا ضمن منظومة اوسع من مفهوم الخراب، فربما ومن خلال معايشة العراقيين لما تخلفه الحروب عادة، فقد استحكمت منظومة (الموت) كأعظم الاسئلة الوجودية التي يواجهها العراقيون يوميا، وواجهها الانسان منذ وجوده وحتى الان، فخلال السَنَوات الخمس الماضية تَأمّلتُ معيشتها كلاجئة في البلادِ ذاتهاِ التي لعبت -على الأقل جزئياً-  دورا في احتلال العراق واتمام دائرة انتاج الخراب؛ فكانت هناء مال الله تواجه الاوساط الثقافية بما اختزنته ذاكرتها من اثار خراب الحروب، والتي بدات تتوسع الى رؤية فلسفية ذات جذور ثقافية صوفية تتعلق بمواقف الانسان في مواجهة السر الاعظم في الحياة وهو الموت.



لقد ادركت هتاء مال الله ان الرسم قضية بصرية لا تتسع في النهاية الا للبصريات والماديات التي تخلق البصريات، وهو ما ادركته هناء مال الله باحترافية عالية حينما حولت فكرة الفناء في اعمالها الى معالجات لمواد صلبة؛ لاعتقادها ان الفناء يضرب الصلب المحسوس ليخلق إحساسا بفاعليته التدميرية، فكما يحاول الانسان تحويل فعل الزمن الى سرد او تاريخ ليعطيه ملموسية، فإن هناء مال الله تحاول انتاج العكس حينما تستخلص من الصلب الذي تآكل بفعل فنائه إلى سرديات ورؤية فلسفية تعبر بها عن إحساسها تجاه التدمير الذي يطال الإنسان كما يطال المادة الملموسة متجها بها إلى الفناء..



تشكّل هناء مال الله رؤيتها من خلال أعمال تسميها (الحافة الحساسة)، وهي مرحلة حرجة بين التشخيص والتجريد،  وهي اعمال غالبا ما تكون ثلاثية الابعاد وتريد ان توصل عبرها ان كل شيء صلب وهو هنا محسوب بحكم صلابته على التشخيص ممكن ان يتحول الى تجريد بقوة الفناء... فهي تقتنص لحظات التحول تلك بين الوجود الصلب وبين الفناء التجريدي، ان هناء مال الله، وعلى خلاف غيرها من مجايليها، تعيش تجربتها كرؤية روحية تعالجها من خلال المادة التي تشتغل عليها...



لقد تركت الحرب ندوبا كبيرة داخل هناء مال الله بحكم التماسّ المباشر مع اثارها المدمرة، فأيقنت أنّ الخرابِ جوهرُ الوجود او مآله الحتمي، وان الصلابة (الموثوقة) يُمْكِنُ أَنْ يُتحوّلَ الى (لا شيء)ِ خلال اجزاء من الثانية. وهكذا ترسخ عندها يقين عبر الإسْتِنْتاج بأن الخرابِ هو اللحظة الحاسمة بين التشخيصِ والتجريدِ، بين إلوجود والِفناء, وهو مفهوم تعتبره ذا معنى روحيَ عميقَ أيضاً. وتعتبر تقنيةِ الخرابِ ناتج الوجهِ القاتلِ للحربِ، وانها استعادة وإنتاج لفكرةَ الحربِ وفعلها التدميريَ وفي اعادة انتاج التجربةِ العميقةِ لحقيقةِ للحربِ بصرف النّظر عن طبيعتها الجغرافسياسية او الجيوبوليتيكية.



تفيض الاعمال الفنية المحروقة، والممزّقَة، والمخَدشَة، والمجمّعة، في أغلب الأحيان، من مصادر متفرقة، برائحة الدخانِ، وبلون السخام، وكلها تجسيدات بصرية تقوم مقام التلميحات المؤلمة لدمارِ وطنِها، وتُوصلُ رسالة عابرة للجغرافيا وللتاريخ معاِ، فكرة تؤكد ان الخراب جوهرُ وجودي للوجود، وليس للموت، او بمعنى اوسع (الاندثار) الا حقيقة كل مادة صلبة تبدو من النظرة السطحية متماسكة فاذا بها يمكن خلال اي قدر من الزمن متناهيا في الطول او في القصر، تتحول الى هباءة، وهو ما تحاول ان تقدمه في اعمالها التشكيليِة التي تقع في لحظة التحول القلقة بين الوجود وبين الفناء، اي بمعنى تشكيلي تقف بين التجريد والتشخيص.


تقول هناء مال الله في حوار لنا معها عبر النت: "ان فكرة مفهوم الخراب الذي كان جزءا رئيسا من تجربتي الحياتية والفنية في العراق، والذي كنت اقترب منه محليا كمفهوم لصيق بجغرافية معينة (العراق) ميسوبوتاميا، وكأنه قدر مستدير التعاقب على العراق ولا يمكن الفرار، او الخلاص منه، بدأت اعيشه كمفهوم عالمي بعد خروجي من العراق، واستقراري في مدينة عالمية رأسمالية مثل لندن، حيث معاملتنا كأدوات، او بالأحرى وقود لإدامة وضعنا في خانة هوامش مجتمع العولمة الرأسمالي، واعتقد ان للفن العالمي المعاصر الان وتسويقه دورا كبيرا في هذه اللعبة العالمية للخراب، واقصد بذلك ان ما ينتج في الفن العالمي الان ليس الا انعكاسا صادقا لجوهر الخراب الذي نعيشه، والذي تغذيه الرأسمالية وثقافتها التافهه مثل اميركا. هذا ما يجعلني استشعر حافة الخراب في كل شيء اعيشه حتى وان كان في لحظات سلام".

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

الناقد التشكيلي خالد خضير الصالحي وجلسة نقدية عن معرض منحوتات هاشم تايه



اتحاد الادباء يقيم نشاطه الثقافي في جمعية التشكيليين
الناقد التشكيلي خالد خضير الصالحي
وجلسة نقدية عن معرض منحوتات هاشم تايه


      المادة المرذولة..
                      تعبير عن وجع وسخرية



لمناسبة معرض (حياة هشة) للنحاة-الرسام هاشم تايه اقام اتحاد الادباء في البصرة وبالتعاون مع جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة وفي مقرها جلسة نقدية للناقد خالد خضير الصالحي الذي ادار الجلسة وبمشاركة عدد من الكتاب الذين قدموا اوراقا عن تجربة ومعرض هاشم تايه؛ فابتدأ الصالحي الجلسة مرحبا بالحاضرين ومعبرا عن احتفائه بالتشكيلي هاشم تايه قائلا:  نحتفي اليومَ بواحدٍ من المبدعين متعددي الاهتمام الذين نسميهم في علمِ الشطرنج (يونفيرسل ستايل)، وهو ما يوصفُ به اللاعبونَ متعددو الامكانيات الذين يجيدونَ كلَّ اساليبِ اللعبِ على الرقعة، ونرحّلُ هذا المصطلحَ الى الحقلِ الثقافيّ لنصفَ به المبدعينَ الذين يشتغلونَ في مناطقِ (المابين) او (التخوم)، وسنسميهم (العابرين للتخصص)، ومنهم هاشم تايه (التشكيليُّ الكاتبُ الشاعرُ)، ان هذه الجلسةَ ثمرةُ تعاونٍ مثمرٍ بين اتحادِ الادباءِ في البصرةِ وجمعيةِ التشكيليين في البصرةِ في أولى الجلساتِ الثقافيةِ التي تُعقدُ في مبنى الجمعيةِ ونتمنى ان تكونَ فاتحةَ خيرٍ لها، وهو تعاونٌ مثمرٌ قد يعوّضُ جزءا من الاهمالِ والمجافاةِ المتعمَّدَةِ التي تبديها حكومتُنا تجاهَ كلِّ ما هو ثقافي، فلا تبدو مصممةً لتخدمَ أيا من الأهداف الثقافيةِ..


وقدم الصالحي عددا من ضيوف الجلسة الكتاب الذين رغبوا بالحديث عن هاشم تايه مرجئا حديثه وحديث تايه بعدهم فقدم صباح سبهان ورقة بعنوان (منفيات تفضي الى اشياء هشة) مؤكدا فيها: ان هاشم تايه يكشف عن المخبوء من تحت اقنعة الجمالي باشنفاله على انساق ومهيمنات متحررة من الاستهلاك، وبمقصدية باحثا عن المسكوت عنه عبر لغة ثرة قادر على الادهاش وقادرة على نزع الاقنعة عن الايديولوجيا واكد ان تجربة تايه تقبلتها النخبة من المتلقين وعزف عنها الجمهور العريض رغم انها تجربة خصوصية من ناحية الخامات الموظفة التي قد لا تقاوم الزمن ولكنها قادرة على اثارة شعور بالاسى فقد اضفت المادة شعورا محسوسا وقيما مضافة..
واستعرض الكاتب سردا تاريخيا للمعارض السابقة (لوحات مشوية) 1992 في قاعة المتحف الوطني في بغداد، و(منفيات هاشم تايه) في المركز الثقافي قي البصرة 2007، واخيرا هذا المعرض (حياة هشة) ولكنه اغفل عن معرض مهم للتخطيطات افامه تايه في اتحاد الادباء غي تسعينيات القرن الماضي، واسمى الالية التي استخدمها تايه في توظيف المواد المرذولة والمستخدمة بـ(ــالتغريب)
وقال بانه استخدم كثيرا من قبل الر سام ماكس ارنست.. بينما قال الشاعر حسين عبد اللطيف انه مصطلح استعير من المسرح البريختي كما قال الشاعر حسين عبد اللطيف، واقترح خالد الصالحي بان مصطلح (التشاكل الصوري) الذي اشاعه (ر. روجرز) في كتابه المهم (الشعر والرسم) اكثر ملائمة كونه من الحقل التشكيلي وغير مرحل من المسرح.


ثم قدم الكاتب احمد صحن ورقة بعنوان (دادائية بصرية برؤية جديدة) اوضح فيها ان اعمال هاشم تايه تحمل دادائية بصرية يتعذر على المتلقي فك شغراتها ورموزها الا بعد الغور في المعاني الصورية ليجد الروح التي تتحرك مستمدة طاقتها من ربط الاشياء المستخدمة واخضاعها لقواعد التشكيل خالقا بذلك تاثيرا تفاعليا ناتجا من الاشارات الصورية المنبعثة من عالم اللوحة الدادائية التي جاءت محصلة حكمة ان اللاشيء هو كل شيء، وان معرض (حياة هشة)يثير جملة استفهامات ومعان لا متناهية تدعونا لان نتلقى طيات الورق المقوى المعمولة باليد حينما قام الفنان بالجمع بينها وبين المتناقظات متحولة الى قوالب لفظية تتفاعل مع النفس وتحرك بوصلتها ضمن سياق الفن المضاد الذي يتماهى مع نسق الدادائية الاوربية، وقد شكل هاشم تايه سيميائية تحاكي الفوضى وتحاكي المهمل، ليضع فيها روحا بعد ان سلبت من قبل مستخدميها من خلال لمسات فنية بارعة، واستطاع ان يترجم روح المثقف العراقي وترسباتها، انه التمرد بعينه، فلوحاته تصرخ بصمت يخرج من جوف قنانيه الفارغة.. كما تنم المنحوتات عن هيمنة على مادتة المرذولة التي يشتغل عليها، ليحولها الى لغة كونية لتدب فيها الروح على سطح الكارتون، عاكسة حياتنا الرخوة بمادتها الهشة التي يمكن ان تطيح بها في اية لحظة.
وعقب رئيس الجلسة الصالحي على الكاتب احمد صحن ان جمع الاشياء التي يتم قسرها على الجمع لخلقة الانزياح الضروري للفن، نقلها الكاتب صحن الى مستوى جمع المواد بين حقلين (متناقضين) بعد ان فهمها الاخرون بانها تناقض جزئي بين اشياء جمعت قسرا..
ثم قدم التشكيلي عبد الرزاق الحلفي ورقة عنوانها (منحوتات هاشم تايه.. اعمال نابضة بالاسى) قال فيها: قدم هاشم تايه جهدا استثنائيا في خلق اعمال فنية من جمع النفايات واعقاب السجائر والاسلاك والخيوط والعلب الفارغة وقناني الماء المهملة، مستخدما الكولاج وعلب الكارتون، وتخلى عن ادوات الرسم التقليدية ومواده التقليدية، ففقدت الاعمالُ بريقها اللوني وكانت امتدادا للدادائية بعد الحرب العالمية الاولى كرد فعل للشعور بالفراغ ولا جدوى الحياة التي كانوا يعيشونها فكانت محاولة للخلاص من قيود المنطق الذي فقد فاعليته، فاعاد هاشم تايه واستعاد منطلقاتهم والياته للتعبير عن قسوة الحروب وجشع الانسان والافكار السلفية التي اصبحت عائقا بوجه الحياة..


ثم قدم رئيس الجلسة دراسته المعنونة (هاشم تايه.. التخومُ.. والمحرّكاتُ السرّيّةُ.. والخيالُ الماديّ) قال فيها:
كنت دائما أرى في الرسامِ والمخطّطِ والنحاتِ، والكاتبِ والصحافيِّ واللغويِّ هاشم تايه صدىً لرؤيتي لنفسي من ناحيةِ قدرتِهِ على الكمونِ في المناطقِ التي يسميها سلفرمان وبرتراند رسل (المابين) أو (التخوم)، ومع انه يتنقلُ في مناطقَ التخومِ هذه إلا أننا نجدُه، أينما حلَّ، يمتلكُ ناصيةَ مادتِهِ التي يشتغلُ عليها: ناصيةَ اللغةِ حينما يأخذُ بأعنّتِها نحو الشعرِ، ونحو الكتابةِ: النقديةِ، والصحافيةِ في ارقى مستوياتِها، وناصيةَ اللونِ وهو يطوّعُهُ على ديناميةِ الرسمِ؛ فكان ليس فقط يعيدُ اختبارَ قدرةِ الألوانِ التقليديةِ، بل ويكتشفُ من الموادِّ الجديدةِ ما لم يكنْ يتخيّلُها الآخرون قبله صالحةً للرسمِ؛ هولاء الذين تطبعتْ عقولُهم وتقولبتْ على ما هو سائدٍ من موادِّالرسم.
يقدم هاشم تايه تجربةَ نحتٍ، في معرضِهِ الأخيرِ، ولكنّه يعيدُ علينا فيه الغرائبيةَ الماديةَ ذاتَها، ويؤسسُ لقوانينَ استثنائيةٍ كان يقدّمُها الرسامون حينما يمارسونَ النحتَ نمطا إبداعيا (آخرَ)؛ ففتحوا فيهِ أبوابا لم يعد غلقُها ممكنا بعدهم..
***

يرسمُ الرسامون، وينحتُ النحاتون، ثم ينامون ملءَ جفونَهم عما يبدعون، ويحارُ النقادُ في اكتشافِ أسرارِ تجاربِ هؤلاء المبدعين وما اخفوهُ من مرجعياتِهم، ونحن نومئ هنا طبعا إلى تجربةِ هاشم تايه التي لا جدالِ في أنها تحتلُّ مكانا ضمن المشهد التشكيلي البصري، وهنا مكمنُ المفارقةِ والمحنة النقدية، كيف احتلتْ تجربةٌ مفارقة لـ(ـلانساق) المألوفةِ من الفنون التشكيلية بأنماطِها السائدةِ، تجربةٌ مفارقة بالمادةِ، والتقنياتِ، و(المابين)؛ كيف احتلتْ موقعَها ضمن الفن وهي تحمل هذا القدرَ من المفارقة؟!، وهنا تكمنُ محنتُنا، نحن المشتغلين بالنقد التشكيلي، وهنا يكمن امتحانُ (قواعِدنا) التي ربما هي ليست قواعدَ، ولكننا أوهمنا انفسنا بها، وربما أوهمنا الآخرين كذلك!.
***

كتبت عن تجربة هاشم تايه مرات عديدة فكنت أتابع متحفه (السردي_البصري) الذي يبنيه بناءً قصديا حسب (قانون) التشاكل الصوري، بجمع عناصر من الصعب جمعُها، فكان ذلك الجمعُ (القسري) يخلق الانزياحَ الاستعاري الذي هو جوهر للجمالي كما هو جوهر للشعرية، وهي الية استخدمها السورياليون: سلفادور دالي، وماكس ارنست، فيتحقق في تجربة هاشم تايه من خلال ثلاثة (قوى محركة) في تجربته هي: أولا، تواشج (القوة والبساطة) في التكوين الخطي، وثانيا، فاعلية المادة المستخدمة في كل مرحلة من مراحل تجربته، وثالثا، فاعلية المحرك السيكولوجي الذي هو محرك دلالي وان تنافذ بشكل أو باخر مع المحركات المادية، وقد وجدت ان معرضه هذا جاء تكريسا ليس فقط لمادة مضى عليه معها سنوات طويلة فكان يطورها في كل معرض جديد يقيمه، وإنما كانت أيضا تكريسا لذات المحركات السابقة.. فما زالت البنية الكاليغرافية مهيمنة على أعماله الآن كما كانت في أعمال الألوان الزيتية التي كان يرسمها سابقا، وفي التخطيطات التي مثلت السلف الأقدم لإبداعاته اللاحقة، وكانت بنيتها الشكلية (تتخندق) مع تلك الأعمال التخطيطية، بينما تتخندق الآن دلاليا بشكل خطّيّ في تشكيل سردية الموضوع، حيث يجد المتلقي نفسه مضطرا إلى تتبع (خط) سرديّ يبنيه الفنان بناء (محكما)، فيدخل السرد واضحا في بنية العمل، ويتحول الخط من طبيعته المادية إلى طبيعة سردية، فكان، فيما سبق، يغلق الأشكال، ويردم الفراغات، وهو الآن وهو يفعل ذلك يقوم بها سرديا.. 
ان المحركات السابقة لتجاربه (النحتية) مازالت فاعلة حيث: أولا، مازالت البساطة والقوة التي كان يجلها الرسام الشاعر (وليم بليك) فاعلةً هنا، فكان هاشم تايه يتبع البساطة حينما يتخلص من الشوائب الزائدة في بناء لوحته عبر (خط) سردي لا انقطاع فيه، خط ارسطوطاليسي: من البداية مرورا بالوسط وانتهاء بالنهاية، هو زمن متعاقب، مستمر.
ثانيا، مازالت المقاربة السيكولوجية صالحة كمقاربة حيث تؤكد شخصياته بانها ترميزات لمظاهر داخلية من شخصية الرسام مشفّرة عبر كائنات متعددة، ومتناقضة في مواقفها، يبثها بشكل يغطي مساحة العمل.. يستلها من مستوى غائر، مطمور في أعماق النفس الإنسانية، ما يجعل كل ما يقال عنها محض افتراضات قد تكون أوهمتنا، أو أوهمنا أنفسنا بها، لكن لا ضير، ما دامت تفتح لنا مسرباً مضيئاً لهذه التجربة.
ثالثا، ظلت (سلطة المادة) الجوهر الأكثر فاعلية في  تجربة هاشم تايه؛ فقد كان هذا الرسام قد تخلى عن مواده التقليدية: الحبر الصيني ،والألوان، وتخلى عن الأدوات التقليدية: ريشة الحبر الصيني، وفرشاة الرسم، وأقلام الحبر الجاف الملون، ولكنه واصل الاشتغال على الخامات اللونية الاستثنائية التي تذكرنا بتجربة الألوان العطارية (=النباتية) التي كان يجمّعها من مصادر نباتية متنوعة، ليعود إلى تجربة الورق المقوى في معرضه هذا عائدا إلى العلب الورقية (الكارتون)، والأسلاك، والخيوط، والقناني البلاستيكية، وعجائن يصنعها من الورق المقوى أو من مواد أخرى، كلها تشكل عنده مادة استثنائية يحاول بها تطوير تقنياته في: الخرق، والحرق، والقص، واللصق، والتمزيق، والتراكم، والحك، والشطب، وسوى ذلك من التجارب التقنية، وكنا صنفنا تلك المحاولات بانها تقع ضمن ما يمكن ان نسميه (بالتشكيل الفقير)، مستثمرا كل مادة في اقصى ما تقدمه من قدرة تعبيرية؛ فكانت طبيعة المادة المستخدمة تلقي بثقلها على العمل، فكان العمل يأخذ استراتيجا مختلفا في كل مادة مستخدمة في إنجاز العمل؛ وبما يلائم الحدود التعبيرية لكل مادة.
***

لقد كان هاشم تايه ، في تخطيطاته السابقة، يستثمر نتائج بحثه النهائية في أعمال الألوان النباتية (العطارية) السابقة أيضا، فيختار كائناته التي خلقتها الصدفة، لكنه يتبع إستراتيجا مختلفا هذه المرة بما يلائم مادة الحبر، فلا يتبقى من تلك الكائنات سوى خطوطها الخارجية، وبعض اللمسات الظلـّية التي يعتقدها الفنان مهمة لاكتمال خلق أشكاله، أي ان التخطيطات فقدت صفة الصدفة حيث صار لها نموذج سابق كان يتبعه الرسام فيما مضى، وهو الأمر ذاته الذي يحدث عندما انجز أشكاله بالورق الذي فقد صفة الصدفة وصار له مثال سابق، فكانت أعمال الورق المقوى تبنى بوعي وقصدية وتنجز ببطئ وتخطيط  مسبق..
***

يصف هربرت ريد الريليفات والبنائيات النحتية التجميعية بأنها "تتأرجح بغموض بين حرفتي الرسم والنحت" (هربرت ريد، النحت الحديث .. تاريخ موجز، بغداد 1994، ط؟، ص 5)، فهو يحتار في تجنيسها ان كانت تنتمي إلى الرسم أو النحت، إلا أنها براينا تشتغل في مناطق  (تخوم الرسم-النحت)؛ وهو امر يذكرنا بتعريف للفلسفة اطلقه برتراند رسل في كتابه (حكمة الغرب) باعتبارها الحقل الذي يبحث في مناطق التخوم ما بين العلوم المختلفة؛ وان افتراض وجود تخوم للفنون المختلفة، ولفن الرسم تحديدا باتجاه مختلف أنماط الفنون الأخرى يفترض وجود تخوم بينه وبين الفنون المحايثة القريبة كالخط والتصميم مثلا؛ وهي مماثلة لتلك التي بينه وبين النحت، بما يخلق من (حركة) ناشئة، ومن تواشج فضائيّ (داخل-خارج) المنحوتة، فضاء مفتوح خارج المنحوتة، وفضاء مغلق (داخل) المنحوتة، فيتم إعادة تأسيس علاقات الفضاء نتيجة الافتقار للمادة الصلدة التي كانت في ما مضى جوهر النحت، ويبدو ان الحاجة إلى تغيير علاقات الفضاء كمعادل لردم الفضاء هو نزوع أصيل في هذا النمط من المنحوتات، نتيجة البناء النصبي لهذه المنحوتات فهي في غالبيتها توحي بانها مشاريع نصب ضخمة مقدر لها ان تحتل مساحات عامة يتعايش الناس معها بشكل تلقائي ويومي، وتنتظر كذلك إعادة إنتاجها بمادة مقاومة للزمن هي البرونز، فلنتخيل أعمال هاشم تايه الكارتونية وقد خلعت معطفها الكارتوني وتدثرت بالبرونز الصلب، فأية صلابة مادية تلك؟، واي خيال مادي سيتحقق، وربما سيريح ذلك غاستون باشلار اكثر من غيره؛ وهو مصدوم، من افتقار الجمال لما يسميه (العلة المادية)؛ كما جاء في كتابه (الماء والاحلام). 
**
ثم قدم الصالحي زميله المحتفىبه (هاشم تايه) بقوله: "الان يقدم الكاتب هاشم تايه عن تجربته، ونحن نتعمد هنا تسميته (الكاتب) لاننا لا نعارض حديث التشكيلي عن فنه ولكننا نعتبره حينما يتحدث شفاها او يمارس الكتابة فانه يكون قد غير جلده واتخذ دورا اخر هو دور الكاتب اي المتلقي المنتج الفعال وبذلك سوف لن يكون لرايه عندنا افضلية ولو قليلة جدا على اراء الكتاب الاخرين، فان الاعتقاد السائد بان منتج العمل هو الاكثر دراية والاكثر قدرة على شرح اسرار عمله لا صحة له، لاننا نعتقد ان مفاتيح التجربة الابداعية تكون مخفية او محتجبة حتى على منتج العمل وان قدرا كبيرا من محركاتها تكون لاواعية وبالتالي سرية عليه ايضا، وهو ما يبرر لنا بخلنا عليه بالوقت الذي سيتحدث فيها عما يعتقده اهم ملامح تجربته ومقترحات التلقي الاهم التي يقترحها كمدخل لتجربته، ان هذا ينسجم مع فهمنا الشخصي وموقفنا بان منتج العمل انتهت مهمته بانتاج العمل وانه صار متلقيا كغيره، وهو ما يشرحه سلفرمان بتفريقه بين (العمل الفني) الذي يمتلكه صانعه ماديا وبين النص او المنحوتة التي يمتلك المتلقون مهمة تاويلها.. وتساءل رئيس الجلسة: هل تعيدنا (حياة هشة) بشكل ما إلى (اسم الوردة) لـ(امبرتو إيكو)، الذي يقول في كتابهِ (حاشية اسم الوردة) ان "الأمر يتعلق ببيت شعري مأخوذ من كتاب لبرنار دو موراليكس (حول أشياء الحياة الهشة)".. ام تعيدنا لما قاله هاشم تايه بأنها هامش، أو اشتقاق أو ربما انشقاق لا اتذكر عن مصطلح لوحات (الحياة الجامدة)..
***
فكان عنوان ورقة الكاتب هاشم تايه (إضاءة) وجاء فيها:
كم تبدو مهمة شاقة لا تخلو من مجازفة حين يٌورَّ ط فنان في الكلام على عملٍ فنيّ أنجزه، وستكون المهمّة فادحة لو أن هذا الفنان تكبّد عناء الدفاع عن عمله وتبريره، فالمفترض أن هذا العمل، وحده، هو من يعرض حقائقه الجمالية، ويدافع عنها ويبرّرها بمنطقه الخاص.
اللافت، أيضاً، أن ثقافتنا تطالب صانعي النصوص البَصَريّة بالنيابة عنها، وتتساهل في هذا الأمر مع نظرائهم صانعي النصوص اللغوية.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       
لماذا حياة هشّة؟
     هذا العنوان مستقى بتحريف من موضوع أثير لدى الرسّامين دأبوا على عنونته بـ (حياة ساكنة) أو (حياة جامدة) وهو ما جرى التعبير عنه في الإنجليزية بـ (still life).
    الصفة (هشة) في عنواني تعيّن طبيعة المواد والخامات والسطوح التي أنجزت بها أعمالي، وهي مواد تمت صناعتها لتستخدم كحافظات لمادة حياة يوميّة حالما تستفرَغ منها يكون مصيرها النفاية أو الأرصفة، أو جادات الطرق في بيئة عارية تجعلها عرضة لآثار متعددة فتتقادم وتتلف وتتغيّر أشكالها، وتنتهي إلى طبيعة هشة.
لماذا استخدام هذه المواد في عمل فني؟
    تبدو أعمالي مخيبة لكثيرين ربما بسبب توحّشها، ونشازها، وغرابتها، ولوثتها، وتلوّثها، وعدم ألهيتها، لهذه الأسباب، لأن تعلَّق على جدار نظيف في بيت، أو في متحف، لأنها لا تطاق حتى أن أحد مسؤولي ثقافتنا الرسميين عبّر عن اشمئزازه منها، وهو يطالع أحد هذه الأعمال، وقال لي إنه يخشى أن يلمس بأصابعه قنينة بلاستيكيّة تالفة ملصقة على سطح ذلك العمل متوقعاً أن تكون ملوّثة بالمكروبات...
هذه الأعمال تنطلق من افتراض وجود فنان في وضعٍ أقرب إلى عدمٍ، عدم توفر ما يُفترض أنه أساسيّ من الأدوات والوسائل المعروفة لصناعة أثر فنيّ، وعدم وجود تقاليد فنيّة راسخة يستند إليها الفنان صانعاً أثره بالانطلاق منها، وأخيراً افتراض عدم وجود ذاكرة في ذاكرة رأس هذا الفنان الذي سيجد وسائله وأدواته في أي شيء يقع تحت يديْه، وسيعمل بلا تقاليد فنية، وبلا ذاكرة.. خلاصة الأمر أعمالي هي حصيلة افتراض أنني أعمل في عدم..
    ليست هذه المرّة الأولى التي أنجز فيها أعمالي الفنيّة بمواد غير تقليديّة وأكرّس لها معرضاً شخصيّاً، فلقد سبق أن أقمت معرضاً العام 2007 بالبيت الثقافي بعنوان (منفيات) ضمّ أعمالاً نفذت جميعها بمواد مبتذلة، وسبق هذين المعرضيْن معرضٌ أقيم العام 1992 في بغداد استخدمت فيه تقنية الحرق على ورق المقوى الذي تصنع منه صناديق التعبئة.
   عموماً يمكن القول إنّ هناك أكثر من دافع وراء استثماري مواد غير تقليدية في انجاز أعمالي أستطيع إيجازها بالآتي:
1-       نزوع شخصي تأصّل مع الزمن الى التجريب لإفراد التجربة عن تجارب الفنانين الأقران بتحقيقها بخامات غير تقليدية تسمح بإعطاء نتائج تختلف عن تلك التي يحصل عليها فنان استخدم مادة تقليديّة.
2-       التحوّل الذي يطرأ على المواد الجاهزة المستهلكة التي يتمّ نفيها في البيئة جراء آثار متباينة يجعلها تكتسب مظاهر وأشكالاً مثيرة، فتبدو، وقد تعرّضت للتلف، كما لو أنها تختزن تعبيراً ما، بل تغدو ملهمة بتقديمها مقترحاً لصورة فنيّة أوليّة تعرض نفسها على الخيال مستفزة الرؤية ومحفزة على استثمار أشكالها المتحولة في إنجاز عمل فني.
ويمكن القول إن استخدامي الخامات والمواد المرذولة في إنتاج أعمالي كان حصيلة بداهة الرؤية البَصَريّة لأشياء العالم توافقت مع حقيقة أن العالم معروض علينا للاستثمار في ضروب شتى من الاستثمار بما فيها الاستثمار الجمالي.
3-       وعيٌ بأهميّة صناعة أثر فني مفارق ببدائل عن المواد التقليدية مع مفهوم عن فن شامل ترسّخ لاحقاً.. فن يعمل خارج منطقتي الرسم والنحت المعهودتيْن، وخارج الأعراف الفنيّة بمحظوراتها تعزّزه رؤية تسعى الى إدخال مادة الحياة في العمل الفني ومنح هذه المادة فرصتها للمشاركة في إنتاج هذا العمل وتقويّة التأثير الجماليّ فيه. وذلك يعني تغيير آلية التصرّف بالفعل الذي ينتج عملاً فنيّاً اعتدنا على أن يتحكّم به الفنان.
غير هذا تقترح أعمالي تحويل النصّ البصريّ إلى مجال استضافة/ استقبال/ استدعاء لأية مادة في الحياة مادام ممكناً تقديمها مقترحاً جمالياً.
4-       الوعي بأن استخدام مواد وخامات مألوفة وشائعة في الاستعمال الحياتي اليوميّ لإنتاج أثر فنيّ من شأنه أن يجعل هذا الأثر أليفاً لمتلقيه، وبما يسمح لتخفيف حالة اغتراب جمالي يعانيها عادة من يواجه عملاً فنيّاً حديثاً.
5-       إذا صحّ أن الآلية التي أنتجت بها أعمالي بخامات تالفة تعيد الممارسةَ الفنيّة إلى بدائيّتها كفعل حرّ يُنجز أثره بتطويع أية مادة قريبة مهما تكن بساطتها، إذا صحّ ذلك فإنّ هذه الآلية قد تفتح المجال أمام الممارسة الفنية غير المحترفة لتعمل بطاقة أكبر مدعومة بمبادرات وبداهات متحررة من أية سلطة، ولا بأس أن تكون بعد ذلك إلى جوار الممارسة الفنية المحترفة، أو على هامشها. المهم أن تكون مستفزة، مشاكسة، وحتى ساخرة.
6-       هناك تعاطف يسكنني تجاه ما رثّ وأبلاه الزمن من الأشياء المنفيّة في عالمنا.. تعاطف يدفعني إلى محاولة إعادة هذه الأشياء إلى الحياة، وتجديد لقائها بنا في كيان فني يمنحها جدارة بالبقاء. هناك أيضاً نزوع قبْليّ بإضفاء الحياة على كلّ شيء بما في ذلك الجمادات، ويدفع الفنان إلى استنطاق هذه الحياة في أعماله.
خارج ما سبق يتعيّن عليّ القول إنني فنان غير محترف اعتدتُ العمل بأهواء خاصّة في مكان عزلتْهُ فظاظتُه عن العالم، وإذا حدث أن توافقت تجربتي مع تيار فني عالمي فقد وقع ذلك مصادفة، إذ أن نزوعي إلى العمل بأية مواد رافقني منذ فترة مبكرة من عمر تجربتي التي بوسعي الآن أن أراها كيف انطلقت بمجرّد قطعة فحم تحرّكت بأصابع طفل على جدار إسمنتي خشن في بيت قديم ثم مضت تعبر عن نفسها بأية مادة وعلى أي سطح.
ليس هذا دفاعاً عن تجربتي، فحياة هشة هي إلى حدّ ما حياتي أوهنُ من أن تقدّم دفاعاً عن نفسها.
***
اثنى الصالحي على ورقة الكاتب هاشم تايه فقال بانه قد نزع جلده تماما وتحول الى ناقد مبدع لم يبقِ لنا نحن مدعي النقد شيئا نقوله فقد طرح افكارا استثنائية وغير تقليدية؛ فكان مصداقا للقول بان بندول النقد التشكيلي قد تحرك الى البصرة التي تقدم طروحات متميزة في النقد التشكيلي..
ثم فتح رئيس الجلسة خالد خضير الصالحي باب المداخلات الشفاهية فقال الكاتب صبا  ح سبهان بان المادة وسيط اضفي رونقا على اعمال هاشم تايه، بينما قال رئيس الجلسة ان المادة جوهر العمل الفني وليس وسيطا خارجيا وقد طرح ذلك هيدجر منذ عام 1935 في كتابه (اصل العمل الفني).. وتساءل الشاعر حسين عبد اللطيف هل يمكن اعتبار استخدامك للمواد التالفة امتدادا لتوجه بيكاسو وصالح الجميعي؟.. فأجابه هاشم تايه بل من طفولتنا حينما كانت جدتي تمد يدها في ساقية الماء لتخرج طينا حرا تصنع منها تماثيل فنية، فكنت اجمع الورد وادعكه على سطح الورقة لانتاج عمل فني، فكنت ارى في تلك المادة قدرة استثنائية على خلق الفن..
واثنى التشكيلي عبد العزيز الدهر على رئيس الجلسة بان الفنان حين يتحدث عن تجربته لانه حين يعبر عنها فإنه سيصير كاتبا؛ الفن الان تتمازج فيه فعاليات فنية متعددة كالعمارة والنحت والرسم والتصميم وحتى الشعر، وان اعمال هاشم تايه ارواح تتكلم ولا اعتقد انه في الفن الحديث ولا اهمية لتقليدية او عدم تقليدية المادة.. كما لا يوجد تحجر مدرسي كالذي نتحدث عنه فيمكن للفنان ان يستقي مواده وموضوعاته من كل المصادر والاتجاهات..
تساءل عبد الرزاق الحلفي ان كان تايه قد تاثر بالدادائية وهل هو غير معني بخلود اعماله ليختار هذه المواد سريعة التلف؟..
واضاف المترجم نجاح رحيم ان هاشم تايه يوجه لنا درسا اخلاقيا انسانيا بان لا ننتقد اخطاء البعض فقد تمكن من تحويل النفايات الى اعمال فنية فاعطانا درسا في الاخلاق..
وتساءل جاسم العايف عن الريط بين الوجود والعدم وهما مفهومان فلسفيان لا يمكن ان يلتقيا، فاوضح هاشم تايه الامر بكونه لا يتعدى العدم الفني الذي يدفع الى تصويره بهذه الطريقة..
واكد جعفر كمال وجود روح حداثية في اعمال هاشم تايهتستفز فضول الناقد لكن الا يؤدي استخدام المواد سريعة التلف الى وقتية العمل الفني؟ فاجابه تايه ان الثيمة الجوهرية للمعرض هي التلف..
واكد يوسف الناصر ان الاستمرار في الانتاج هو تحد للخراب وهو ما يفعله هاشم تايه بصلابة، وان استخدام المواد اخذ الجزء الرئيسي من الجلسة، وان البحث عن شيء جميل في النفايات يحمل من الطرافة الكثير.. وان هذا المعرض هو صرخة بوجه الجحيم المغلق وبالتالي فهو محاولة قيمة تستحق الثناء، واضاف ان الفنانين في الغرب يستخدمون المواد المرذولة في البصرة يختلف عن استخدامها في الغرب، انها هنا تعبير عن الجع الكبير، والسخرية المخيفة..
واضاف باسم القطراني ان اعمال هاشم تايه موجهة الى قاع المجتمع الذي يعيش واقع مر فهي مواساة له ولكن الغرابة ان متلقيه كانوا من النخبة.. 

الثلاثاء، 28 أغسطس 2012

حوار مع الناقد خالد خضير الصالحي


حوار مع الناقد خالد خضير الصالحي



"المشهد التشكيلي العراقي والعربي يفتقر إلى الجرأة والتقنية التي وصلها الفنان الاوربي"

  " الفن التشكيلي واقعة شيئية لها قوانينها الخاصة وأفق توقعها التعبيري الخاص "   

                                                حاوره: سعدون هليل

 خالد خضير الصالحي رسام وناقد تشكيلي ابتعد عن شروط  اللوحة التقليدية وانبهاره باللون،  واختار الأبيض والأسود عنصرا إيحائيا  لأعماله،  فهو لم يعتمد أدوات التشكيليين فقط، بل روح أولئك التشكيليين الذين تشبعوا بحبرية أولئك الشخوص الذين  كان يرسمهم بمداد اسود فاحم على مساحة مجاورة لنصوص الأدب، وهو مدرب شطرنج، وشاعر،  وناقد في المجالين  التشكيلي  والشعري، فأصدر مؤ خرا كتابا يتناول الشعر من الباب البصري وكان بعنوان (قيم تشكيلية في الشعر العراقي)، خالد خضير خلف الصالحي تولد البصرة  1956 بكالوريوس رسم في كلية الفنون الجميلة جامعة البصرة، دبلوم من المعهد العالي  للاتصالات. كاتبً وصحافي ورسام وناقد اًدبي وتشكيلي عضو جمعية التشكيليين العراقيين..صدر له كتاب عن دار الأديب البغدادي تحت عنوان "هاشم حنون تحولات الواقعية الشيئية"، له كتاب مخطوط من ثلاثة أجزاء بعنوان ( الرسم العراقي.. اللوحة واقعة شيئية). له كتاب مترجم مطبوع في عمان بعنوان (الشطرنج للمبتدئين منهاج تدريبي للناشئة) 2003 م.  الفنان الصالحي زارنا في جريدة طريق الشعب وكان لنا معه هذا الحوار..

·   قرأنا لك، وسمعناك شفاها في محاضراتك وتفوهاتك اللفظية، تردد أن العمل الفني واقعة شيئية، وان النقد الحق هو الذي يدرس العمل الفني باعتباره كذلك؛ وبالتالي فأنت تنزع عن الكثير من الكتابات صفة النقد، فهلا أوضحت لنا ذلك!..
أوضّح أولا أننا نقصد بالفن هنا وبالعمل الفني الرسمَ تحديدا أو الرسمَ أكثر من غيره، وان كان تعريفنا  يشمل النحت والسيراميك وأنماط الرسم المختلفة، رغم ان هذه الأنماط الفنية تختلف عن بعضها اختلافات تفرضها طبيعة المادة التي يشتغل عليها الفنان التشكيلي، وثانيا بأننا نعتقد كذلك ان العمل الفني واقعة تتألف من مستويين بنائيين مستقلين: مستوى تحتي مادي شيئي ينتمي الى جوهر العمل الفني المادي (البصري او اللمسي)، ومستوى دلالي فوقي ينشأ كهامش سردي على الواقعة الشيئية، وهو، أي المستوى الفوقي، وان كان موجودا ضمن جوهر العمل الفني فإنه لا ينتمي إلى البنية المادية للعمل الفني، وهذا الهامش هو ما يسميه النقد التقليدي بالموضوع، وهو الذي يعتبره الناقد البريطاني هربرت ريد طريقا للانزلاق إلى شتى الأهواء، وذلك بسبب ان الحكْم الجماليّ، والحقل الجماليّ ليس معرفة، لذا فهو مستقل عن معايير العقل وقيمه الأخلاقية والتقوية، وان الربط ألقسري بين الفن وبين الحقيقة منذ هيجل، واعتبار العمل الفني تجسدا للفكرة المطلقة، قد خلف كوارث دفع ثمنها الفن وحده، فالعمل الفني في حقيقته جوهر مادّيّ قائم في ذاته، ويعرض نفسه في وجوده الخاص، لذلك علينا تعميق البحث في الخصائص المادية للعمل الفني أي في شيئيته، وهي وجوده المادّيّ والتقني، وهذا الأمر يصدق كذلك على الأدب وتحديدا الشعر فجوهر الفن هو الشعر، ويجب أنْ يجري البحث عن جوهر الشعر في (الشعرية) التي تكمن في خصائص النص، وفي طبيعته النصّيّة واللغوية الجوهرية، ونحن نعتقد أنّ الكتابة (النقدية) التي تتناول العمل الفني عليها أن تتناول وجوده المادي الشيئي لتكون حقا كتابة نقدية، بينما نجد أنّ أطنانا من الصفحات التي يسوّدها الكتّاب تنتمي في حقيقتها إلى حقول قريبة من النقد التشكيلي كالسوسيولوجيا مثلا (علم اجتماع الفن) أو تنتمي إلى حقول راسخة أخرى كعلم النفس أو قد تكون تأملات فلسفية أو كتابة صحفية أو غير ذلك وهي في هذه الحالة لا تبحث سوى ببنيته الفوقية السردية التي يتساوى فيها مع وسائل تعبير أخرى ويفقد خصوصيته التي تعطيه شخصيته المتفردة وهي وجوده كواقعة شيئية، ومن الصعب أن تنتمي كتابات كهذه إلى النقد التشكيلي برأينا.. وكما يقول اوسكار وايلد ان على الفن ان يجد تحققه داخل ذاته وليس خارجها، فإننا نقول ان النقد التشكيلي من باب مماثل ان يجد ميدان اشتغاله داخل البنية الشيئية للعمل الفني لا خارجه، اي في جوهره لا في هوامشه السردية التي وان وجدت فيه الا انها لا تنتمي الى الفن كواقعة مادية..  وان يكفوا عن الاستناد الى تصريحات الفنان فهي لا قيمة لها الا باعتبارها قراءة مستقلة يقوم بها المبدع نفسه ولكن بصورة مستقلة عنه كمبدع للعمل الفني وان لا تكون لها أفضلية على غيرها من القراءات الأخرى نهائيا، فالعمل الفني هو المرتكز الأساس في القراءة النقدية وعلينا ان نكف عن البحث خارجه.. 
·   باعتبارك ناقداً تشكيلياً، هل ثمة مدرسة نقدية معينة تعتمدها في رؤيتك النقدية لتحليل العمل الفني؟ ما هي المفاهيم  النقدية او المدرسة  التي تميل  إليها  في  تحليل  النصوص التشكيلية ؟؟ 
_ انها مفاهيم كما قلت تعنى بدراسة الواقعة الشيئية او مادية اللوحة، واعتبار اللوحة مناسبة لوضع المادة على سطح ما، والمادة تشتمل اللون وكل التقنيات المرافقة كالتعتيق والحروق والخروق والملصّقات (المواد المضافة)، وهي رؤية اقرب ما تكون الى المفاهيم النصية والشعرية التي اعتقدها الأكثر كفاءة في دراسة الشعر وفي دراسة العمل الفني بصفته المادية، أي دراسة اللوحة باعتبارها واقعة نصية بمعنى انطوائها على بنية مادية (texture) هي البنية الاساس المكونة للعمل الفني.
·        ما العلاقة بين قراءة النص التشكيلي وقراءة النص الأدبي، وهل تقترب القراءتان حد الامتزاج؟
_   أعتقد أن النص اللغوي والنص البصري هما حقلان مختلفان في وسائل التعبير وفي المقاربات النقدية، إلا أن لهما مشتركا عاما هو  ثنائية الصورة بنمطيها: الصورة الشعرية بصفتها استعارة والصورة البصرية باعتبارها واقعة تشاكل صوري، وقد بحث هذا الأمر باستفاضة صديقنا الشاعر والناقد التشكيلي شاكر لعيبي، باعتبار العلاقة تتمحور بين طرفين هما: الصورة البصرية طرفا، والمجاز الشعري طرفا آخر باعتبارهما طرفي القضية، أو شكلي تمظهرهما، بين الصورة ( بمعنى العلامة البصرية ) وبين الصورة في اللغة المنطوقة باعتبارها اهم تحققات (الشعرية)، ومن خلال تعاكس مرآوي بين طرفي هذه الثنائية، وهذه الآلية كرس لها مؤلفا كتاب (الشعر والرسم ( قبله اهتمامهما باعتبارها الآلية الأكثر فاعلية لدراسة (الصورة الشعرية) من خلال عملية التشاكل الصوري بين مشخصات الواقع مع بعضها. وهي عملية تتضمن شيئا مما كان يفهم به بعض البلاغيين العرب المجاز بأنه "فكرة (المشابهة) بين دالين"، و"إقامة مماثلة بين أمرين أو أكثر لاشتراكها في صفة أو أكثر بأداة لغرض مقصود، وهي قد لا تختلف كثيراً عن فهم الصورة البصرية بأنها امتزاج بين (حقلين صوريين). أما من ناحية الاختلاف فإن ذلك ناشئ من اختلافات نسقية بين حقلين تعبيريين مختلفين، وإن أية محاولة لردم ذلك الاختلاف من خلال تحويل الواقعة الشيئية للرسم إلى واقعة لغوية هو معنى محكوم عليه بقدر كبير من التجني على الرسم، والفن التشكيلي عموما، باعتباره واقعة شيئية لها قوانينها الخاصة وأفق توقعها التعبيري الخاص.
·   هل توصل الفنان التشكيلي العراقي والعربي على مستوى الطرح الثيمي أن يطرح الكثير من التابوات أو يصل في طرحه ليتناول المناطق المسكوت عنها كما في الأدب الذي تعرض لتلك المناطق الحرجة؟.
_ يفتقر المشهد التشكيلي العراقي والعربي إلى الجرأة التي وصلها الفنان الأوربي، ويفتقر المتلقون إلى القدرة على هضم قدر كبير مما وصل إليه الفن العالمي، ويفتقر النقاد كذلك الجرأة في التبشير بتحولات الفن مما يعني ضلوعهم جميعا في وأد التحولات الجديدة قبل نشوئها، كما أنهم يفتقرون الى الجرأة بالتبشير بأنماط  من الفن الموجودة والتي لم تزل في منطقة هامش الفن، كالفن الفطري أو الفن الهامشي outsider art الذي يظهر في تجارب العديد من الفنانين الهامشيين العراقيين  في مجال الرسم: "كهاشم تايه، أو رؤيا رءوف،  أولهيب جاد واو صدر الدين امين"، وقد ساهم الفهم الرسمي الارثوذكسي للقوى المهيمنة على الثقافة العراقية عبر عقود بعد نشوء الدولة العراقية وحتى الآن في تكريس الفن باعتباره أداة نفعية لأفكار خارجة عنه ولا تمت بأية صلة للفن، وأتوقع ان تزداد محنة الفن والثقافة العراقية والعربية أيضا بعد بدأ هيمنة الأحزاب الإسلامية التي لا تختلف عن الأحزاب الشمولية الأخرى في موقفها النفعي من الفن..
* بدأت رساما- مخططا، وها أنت منصرف الآن كليا إلى النقد. ترى هل تقدم الناقد فيك على الرسام؟
- ليس كليا تماما، فأنا رسام الى اللحظة الحاضرة، لكني لم أعد مصورا، والفرق في لغتنا العربية ملتبس، فالرسام هو المخطط، الكاليغرافي، بينما المصور هو الملون، وكما هي الحياة، تجد أن الحدود بين هذين العنصرين ليست حدودا واضحة، خطا مستقيما، ولكن يمكن على أساسه وضع الكرافيكيين والحروفيين (الذين يمارسون الحروفيات ككاليغراف في الرسم) والمخططين (الذين يستخدمون الأقلام بأنواعها، وحتى أية أداة تنتج أثرا على سطح) في فئة واحدة هي فئة الرسامين، وبهذا لا أكون قد هجرت الرسم فأنا أنشر بصورة مستمرة في الصحافة العراقية، وأن كانت الكتابة قد أخذت جزء كبيرا من جهدي. إن إدامة وجود علاقة متوازنة بين الرسم والإبداع بصفة عامة والنقد مسألة تتطلب جهدا وبنية عقلية قادرة على الاشتغال على نمطي الإبداع: السامي و النثري معا، وتلك قضية تستوجب نمطين من الانشغالات العقلية، بينهما مسافة، وأنا أعتقد أن خير من جمع تلكما الصناعتين، في الفن التشكيلي العربي هو أستاذنا الفنان الناقد شاكر حسن آل سعيد.  
* هل هناك شروط معينة لكي يكون المرء ناقداً تشكيليا غير منحاز؟
_ أولا لم أفهم كيف ينحاز الناقد أو لا ينحاز في نقده للوحة ما لم نعترف أنه يمارس نقده وفق آليات معيارية عفا عليها الزمن، رغم ابتلاء النقد التشكيلي العراقي والعربي بها، النقد الآن قراءة توصيفية لا أهداف نفعية لها تشترط ليس فقط الحيادية في تناول الفن وانما الحصافة العلمية التي تشترط عزل الواقعة عن الخارج، لذا وكلما ابتعدنا خطوة عن النفعية فإن الانحياز إلى شروط الرسم وقوانينه الداخلية يصبح أمرا مطلوبا في مؤهلات الناقد الناجح، ولم يعد من يطالب الناقد بالحيادية فهو لم يعد يبين نقاط القوة ونقاط الضعف في العمل الفني ويعاير بينهما؛ فلم تعد هذه هي مهمة النقد الحداثي الذي بدأ بالعناية بمتيريالية اللوحة، أي بوجودها المادي.
·        ما هي أهم المرجعيات التي أسست لقاعدة التحولات الأسلوبية الحديثة في التشكيل العراقي؟
_  إن تحوّل الفن العراقي من الرسم الشعبي إلى تقاليد اللوحة المسندية (لوحة الألوان الزيتية) هو الخطوة الحاسمة في تدشين الحداثة في الفن العراقي، وهو يعود إلى سفر الموفدين الأوائل لدراسة الفن التشكيلي (اكرم شكري، فائق حسن، جواد سليم....) ومن ثم تأسيس معهد الفنون الجميلة، وكانت مرجعيات هؤلاء ملتبسة بشكل مربك، فلقد كانت سطوة الإشكالية الحضارية لعصر النهضة العربية (الموازنة المقدسة بين التراث والمعاصرة) تثقل كاهل هؤلاء، وكان تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث 1950-1951  مصطبغا بجوهر خطاب هذه الإشكالية، وقد مثل جواد سليم رأس الحربة في إيجاد (نموذج تشكيلي عربي!) تتحقق فيه هذه الثنائية، التي هي ليست شرطا من شروط الرسم (والنحت) بأية حال، ولكن لا أحد كان يجرؤ على قول ذلك علنا !!، وكان اكتشاف الواسطي، من قبل جبرا إبراهيم جبرا وتنبيه جواد سليم عنه، كان كافيا كمفتاح لحل تطبيقي لهذه المشكلة من قبل أوساط الفن التشكيلي، فقد أتاحت الاحتفاظ بدرجة (مقبولة) لدى الفنانين، وهم تعبيريون بالأساس، ولدى المتلقين الذين يبحثون أولا عن تشابه مع أشكال الواقع، وأخيرا كانت تلك الأشكال تذكّر بالتراث!، وفيها (تكنولوجيا) الحداثة متمثلة بالألوان والأدوات الأوربية!..
لكن حلول جواد سليم، ونحن نتحدث عن الرسم اكثر من النحت، لأن مشكلة النحت كانت أشد تعقيدا ونؤجل الخوض فيها الآن، كانت يجب أن تكون بمقام (المقترحات) ويجب أن تتواصل، بحيث يقدم كل رسام مقترحه الخاص، بينما الذي حدث أن أضحت حلول جواد (أنساقا) و(نصوصا أولى) يستمد منها الفنانون المحيطون به (أشكالهم)، مع بعض التحويرات الطفيفة، فأصيب الفن العراقي الحديث بحالة من العقم والتناسخ الداخلي.
·        هناك قامات مهمة في التشكيل العراقي، وقد ظهرت أسماء جديدة، هل كان لها تأثير على الفضاء الفني عندنا؟
_  يمكن أن نحدد الجغرافيات الأسلوبية في المشهد التشكيلي العراقي في الوقت الحاضر بالنسق التشخيصي والنسق التجريدي، وكلا النمطين قد هيمنت فيهما موجهات صورية كانت تقود الرسامين بقوة، وتهيمن على ذاكرتهم، ونبتدئ بالنسق التجريدي العراقي في فن الرسم؛ فنضعه ضمن أنساق فرعية تحاول أن تصنف تجارب الرسامين التجريديين العراقيين إلى زمر متناظرة ومتمايزة عن بعضها، فنزعم أن تلك التجارب يمكن أن تصطف في نسقين من الرسم: نسق انبثق من التعبيرية، ومن التشخيص ببطء، وظل وفياً لهما حتى في (أشد) حالاته تجريداً، ونسق ابتدأ من (اللا تشخيص)، وظل كذلك وفياً له؛ فكنت أتخيل دائما كل أولئك الرسامين وهم يحتفظون بموجهات صورية تقودهم بقوة، وتهيمن على ذاكرتهم، وتكمن حيث يكمن الطابع في قلب الرؤية الفنية. ولا يستثنى من أولئك ومن هؤلاء أحد سواء أكان رساما تشخيصيا أم رساما غير تشخيصي، فتلك الهيمنة واقعة في كل الأحوال، وفي كل أنساق فن الرسم، وهي قوة غامضة شكلتها ثقافة الرسامين البصرية ببطء؛ فهيمنت عليهم؛ وقادتهم إلى حقل اشتغالها؛ حيث التفكير بالصور.
وقد كنت أختار بعضاً من الفئة الأولى، التي تبتدئ بمشخصات الواقع وتنتهي بها مجردة، وبعضا من الفئة الثانية التي تبتدئ (باللا شكلية) وتنتهي بها، فكنت أختار: شاكر حسن آل سعيد ورافع الناصري وضياء العزاوي وعلي طالب من فئة الستينيين، وقد صنفت آل سعيد معهم ستينيا بشكل متعمد، واتخذت هاشم حنون الرسام العراقي المقيم في عمان وهاني مظهر المقيم في لندن الآن نموذجاً لفئة (المشخصين)، أولئك الذين منعتهم ( فكرة الشيء) من الرسم بطريقة (تجريدية) مثلما مَنعتْ بيكاسو الذي كان يؤكد "ليس هناك فن تجريدي.. ينبغي عليك دائماً أن تبدأ من شيء ما، وبعد ذلك تستطيع أن تزيل عنه كل بصمات الواقع.. ومهما يحدث فإن فكرة الشيء تكون قد تركت علامة لا يمكن إزالتها". فليس من الضروري للفنان، كما يؤكد هنري ماتيس، أن يمتلك داخل نفسه إيضاحاً لذلك الشيء الذي يمتلكه عميقاً داخل نفسه، وليس ذلك الشيء الغامض سوى تلك (الحقيقة التصويرية) التي توضع بالتقابل وبالتضاد تماما أمام (الحقيقة الحكائية)؛ لأن الرسام معني بتكوين الأولى وليس الثانية، وبذلك تكون تلك العلامة الصورية للمشخّص قد هيمنت بطريقة لا يمكن محوها مهما حاول الرسام الإيغال في المجردات.. وأختار: هناء مال الله ونزار يحيى وكريم رسن وغسان غائب وسامر أسامة وشداد عبد القهار من جيل ما بعد الستينات نموذجاً لـ(ـلاشكليين)، بينما هناك مشخصون في هذا الجيل، وهؤلاء إما أن يكونوا ممن اتبع خطى فائق حسن في خطه الانطباعي حيث التركيز على المادة ومن هؤلاء أذكر بالراحل محمد صبري وسعيد شنين وسيروان باران، واذكّر بآخرين، ممن أصفهم بالأكاديميين ممن تأثروا بالمدرسة المكسيكية وأذكر منهم: محمد عارف وماهود أحمد وفيصل لعيبي وعفيفة لعيبي، ونحن لا ننكر أن هذه التقسيمات فيها من الاعتباطية والميوعة ما يجعلها رجراجة لا تعرف حدود مياهها الإقليمية بدقة.
* المتابع لنشاطاتك يرى تنوع اهتمامك، فأنت رسام وخطاط وشاعر ومدرب شطرنج وناقد تشكيلي، كيف تستطيع الموازنة بين كل هذه الاهتمامات؟.
_ إنه التنوع الذي إمتدحناه قبل قليل، أليس كذلك، لقد كتب القاص غالب هلسا في مقدمة ترجمته لكتاب "جماليات المكان لباشلار" ان اهمية أي كتاب هو حينما يدخل لحمة الثقافة المحلية، وهو ما كان يفعله بابداع نادر (شاكر حسن آل سعيد)، حينما كان يصهر كل شيء ليخرج بخلطة ثقافته والتي كان لا يتحرج بوصفها بـ(ـالكولاجية)، أي التلصيقية او الترقيعية، إيمانا منه بوضوح تنوعها، إلا ان ابدع ما كان فيها انها انصهرت كلها في ثقافة وخطاب آل سعيد، وارجو ان اكون قد تمكنت من تحقيق درجة ما من ذلك، فقد استعرت مرة مفهوم الايقاع في كتابتي عن الرسامة عفيفة لعيبي وهو مفهوم شطرنجي يوضح سرعة تحولات الوضع على رقعة الشطرنج ومفاهيم اخرى يتم ترحيلها من هذه الاهتمامات نحو بعضها.
·   الفنان الصالحي كتب في نقد الشعر، هل تجد اختلافاً بما يتعلق بنقد النصوص الشعرية والأعمال الفنية التشكيلية كنص؟
_... طبعا هنالك إختلافات كبيرة بين النصين اللغوي والبصري، مثلما هنالك مشتركات، فعدد من هوامش العنوان في (كتب) الشعر ذات طبيعة بصرية او مادية، كلوحة العنوان والتخطيطات المرافقة وأشكال الحروف والتصميم وهندسة النص على سطح الصفحات وغيرها. ولأننا كنا قد بدأنا علاقتنا بالثقافة بداية لغوية، من خلال الأدب، والشعر خاصة، جَعلتنا نبحث، معظم الوقت، في تخوم العلاقة بين هذين النمطين الإبداعيين،  رغم أنهما من طبيعتين مختلفتين: طبيعة لغوية، وأخرى بصرية، إلا أننا نشعر بوشائجهما قوية بشكل محسوس في ميدان الصورة الشعرية والبصرية معا، إلا أننا رغم  وجهة النظر هذه  التي نزعم أنها خبرت كلا الفنين بدرجة لا بأس بها،  وهو ما يجعلنا نتعامل مع الجوانب البصرية للغة، أو ما تسميه هناء مال الله (العناصر التكوينية للوحة) بشكل يجعلها أمامنا وكأنها لوحة، باحثين فيها عن الجوانب البصرية، وعن ما يربطها بالرسم من الناحية البنائية، إلا أننا بقينا غير ميالين بدرجة كبيرة إلى الاعتماد على النص اللغوي الذي يكتبه المبدع او مرسل الخطاب اعتمادا في ذلك على ما نشعره من اختلاف في طبيعة الخطابين: البصري واللغوي، وبذلك فنحن كنا ُنقصر اهتمامنا وثقتنا بما يبثه النص البصري باعتباره الوثيقة الوحيدة المطروحة للقراءة ومن ثم التأويل هنا، أي كمون مركزية القراءة في النصوص البصرية، خذ مثلا كتابتنا عن نص (عيد البوقات) للشاعر حسين عبد اللطيف الذي نشره في نص (كتاب) ديوان نار القطرب، وقد قلنا فيه "نص كتاب" للتدليل على الجانب (المادي) للكتاب، وهو ما قادنا إلى ان ذلك (الكتاب الذي بين الدفتين) لا يقتصر على (المدونة) اللغوية بل يتشكل، برأينا من مجموعة من الإكسسوارات، او ما اقترح القاص محمود عبد الوهاب في محاورة شفوية لي معه تسميته (هوامش العنوان) على ما اذكر، وهي: صورة الغلاف ولونه، والعنوان ونوع خطه، وشكل الحرف، وعناوين القصائد ونصوصها، ثم التصديرات والإهداءات والهوامش والمقتبسات، ثم ما فعلته أنا بعدد من النسخ حينما قمت بالرسم في الفراغات التي بين نصوصها.
وحينما درج نقاد الأدب يبتدئون بالعنوان، باعتباره بوابة النص، وهو هنا يتوفر على بنية صورية ورمزية دالة بعمق، فنحن نبتدئ مما يهمله أولئك النقاد، وهو الغلاف، باعتباره بوابة الديوان القرائية الأهم، ونحن نزعم إننا أكثر معرفة بأهمية هذا الغلاف باعتباره دالة قرائية مهمة وبؤرة لامة؛ بسبب كوننا من قام بتصميم ورسم الغلاف، وهو تخطيط بالحبر الصيني، مصورا بطريقة الصورة السلبية (النيجاتيف)، ويمثل واحدا من مجموعة من أقدم الدمى والتماثيل الحجرية المجسمة العراقية القديمة التي ارتفعت فوق مستوى الحرفة الصرف الى مرتبة الفن الحقيقي، مرجعيتنا البصرية والدلالية، عند إنجازنا الغلاف.
ونحن نعتقد ان الغلاف هو جزء من هوامش العنوان؛ فرغم ان الغلاف لم يرسمه الشاعر، إلا انه وافق عليه، وتبناه فكان بالنسبة  إليه مادة نصية جاهزة، يماثل ما يعرف بالمواد الجاهزة (ready made) التي يستخدمها في بناء (كتابه).
·        ألا ترى معي ان الكثير من الفنانين يقعون في شطط الخيال والارتجال في طرح كتابات ترافق أعمالهم الفنية؟
_ فيما يخص مطويات المعارض فقد كتبنا مرة موضحين بان" كاسيرر" قد عرّف الفن بأنه لغة رمزية، وهيمن ذلك التعريف على الدراسات الفنية في القرن العشرين، فكان أخطر نتائج تلك الدعوة، حسبما يؤكد جورج كوبلر، ان استأثرت دراسات المعنى بكل الاهتمام، فكان "الحكم على العمل الفني في ضوء مضمونه, سبيل يؤدي الى تدخل كل أنواع الأهواء والتحيزات التي لا صلة لها بالأمر" كما يقرر (هربرت ريد)؛ فتراجع تعريف الفن بكونه نظاما من العلاقات الشكلية، وهو التعريف الأهم برأينا، رغم انه مازال بعيدا عما ألفه الناس، فقلما يعتقد سوى القلة من المختصين في الفن التشكيلي بآفاقه الحداثية وان اللوحة ليست في النهاية إلا سطحا مطليا بالمادة، أي الإقرار (بشيئية اللوحة) ومادية التعبير، وان جل ما يكتبه الرسامون في مطويات معارضهم في العراق ينصب في جانب المعنى بمختلف اتجاهاته، وهذه، برأينا الخطورة الأولى في تلك الكتابات، كونها تكرس تناول المعنى على حساب متيريالية اللوحة.
وتتمثل الخطورة الثانية في اتجاه تحول كتابات التشكيليين في مطويات معارضهم إلى ما يؤدي إلى بث موجهات قرائية متعمدة، وتتمثل الثالثة، بشيوع ما يسميه شاكر لعيبي قضية اختراع حوامل خادعة  supports  سرعان ما يقع فيها الرسام نفسه بطريقة الخداع الذاتي بعد ان يبدأ الكتاب بتناقلها العمياني، فيبدأ الرسام بتكرار ترديدها مما يعرض التجربة إلى خطر التناسخ الداخلي الذي يجعلها تدور في فلك حلقة مفرغة تؤدي إلى توقف إيقاع التحولات الأسلوبية فيها، ولكن لا يمكن نكران وجود رؤية فنية تنظيرية متكاملة لدى بعض الرسامين ممن يحاولون تطويرها من خلال معارضهم التي يقيمونها وينظرون لها في مطويات معارضهم، ونحن نتقبلها كمدخل قرائي يقترحه الفنان بصفته قارئا للمنجز وليس بصفته منتجا له، وهذا هو السبب الوحيد الذي لأجله كنت اعتمد في بعض وجهات نظري على الرؤية التنظيرية في مدونة المطوية باعتبارها نص قارئ اخر هو رسام الاعمال.

·   العراق من البلدان التي تعرضت الى هجرات عديدة نتيجة الحروب والحصارات وغير ذلك وكان الفنان والمبدع العراقي أول من هاجر باعتباره المعبر عن روح عصره وواقعه و لأنه يريد أن يتنفس ويبدع بعيدا عن الاقصاءات والتشوهات التي طالت انسان مابين النهرين، مامدى تأثير الهجرات على المشهد التشكيلي ؟
_ إن هجرة المبدعين العراقيين تنطوي على مزية مهمة في توفير جانب إيجابي في اطلاع الفنانين على تجارب فنية في البلدان التي هاجروا إليها، كما وفرت لهم فرصة الاتصال بالفنانين العالميين وبشكل مباشر وزيارة كبريات المتاحف والمعارض الفنية في كل أنحاء العالم، كما أتاحت لهم الحرية الكاملة في إنجاز تجاربهم وكان منجزهم محظوظا بالمتابعة النقدية التي حققت لهم الانتشار والذيوع وهذا بدوره أدى إلى اقتناء أعمالهم في مختلف المتاحف والكاليريهات العالمية، أتاحت لهم الاشتغال بمواد لم تكن لتتوفر لهم في العراق وخاصة في فترة الحصار، ومعظمهم يتواصل مع الثقافة العراقية بل ويعتبر نفسه جزءا منها، وان التشكيليين قادرين على الاندماج السريع مع الثقافات الاخرى والاستفادة منها على عكس المشتغلين في الحقل اللغة الذين تقف قضية اللغة بصعوبات تمكنهم منها او بفعل هيمنتها على لاوعيهم الثقافي، فتكون حجر عثرة امام اندماجهم مع الثقافات الاخرى، وهو امر لا يعانيه التشكيليون لان الصورة ثقافة عالمية بينما اللغة ثقافة قومية كما يقول ريجيه دوبريه...