السبت، 22 أغسطس 2009

صدر الدين امين رسام تسكن لحيتة العفاريت والكائنات المركبة



لم يكن إجماع النقاد عندنا على ان الرسام الكردي العراقي المقيم في بنسلفانيا صدر الدين أمين فنان بدائي، دونما أسباب قوية كان أهمها: درجة الهوس التي يبديها ذلك الرسام بالمحيط والبيئة، وموجوداتهما من الكائنات التي يتخذها وسيلة بصرية بهدف الكشف عن المعطيات الجمالية الكامنة في ثنايا الكيان المحيطي بصفته موضوعه الأثير وربما الوحيد، فكانت لقى ذلك المحيط تشكل بوابة الفنان إليه، لقى كان يبني وفقها منظومته الشكلية، فمن لا يعرفه سيحكم على تجربته وكأنها تجربة رجل بدائي, مازال يعيش في احد أدغال مجاهل أفريقيا الاستوائية, يرتدي لباسا من الريش او الجلد, يركض خلف الطرائد، يعيش في الكهوف والمغارات, وهو لم يفعل شيئا سوى انه نسخ لنا رسومه من صور الطرائد على جدران تلك الكهوف.
لم يكن صدر الدين أمين يؤمن بما امن به عشرات من الرسامين العراقيين باتخاذ مستحثات الجدران العتيقة موضوعا لهم فكانوا يستقرئون سطوحها، ويجرون بحوثهم الأركولوجية عليها؛ لاكتشاف كوامنها الإشارية والعلاماتية؛ باعتبارها مقطعا عرضيا, او شريحة نسيجية تحمل واقع الحياة الإنسانية في اصغر تفصيلاتها؛ من خلال اكتشاف مخلفاتها التي تشكل أثرا لمرور إنساني ترك إشارته علي سطح المحيط: كتاباتٍ, وآثاراً, وحزوزا، حينما مثلت هذه الحكايات والأساطير معينا أساسيا في تشكيل البنية الثقافية المستمدة من الميثولوجيا الشعبية لمناطق الغابات الجبلية في العراق, والتي أعاد صدر الدين أمين صياغتها من خلال فن عالي التقنية والصياغة البنائية.
يؤكد الرسام صدر الدين أمين في كل عمل جديد، او قديم, بأنه ليس فقط مسكونا بهاجس التوحد مع الطبيعة باستحضار كائناتها, بل هو متوحد بعناصرها, ربما كان ذلك راجعا لإيمانه بحتمية عودة كل كائن، يوما ما، إلى الطبيعة, من حيث أتى، فتتحلل عناصره، وتمتزج بعناصر الطبيعة المكونة, عناصر خرجت منها يوما ما، وستعود إليها يوما، وستنبعث منها تارة أخرى ضمن مكونات كائن آخر مختلف.. وهكذا؛ وبذلك يكون نزوعه نحو تأسيس لوحته من عناصر الطبيعة البكر, إقرارا بوحدة الوجود وعناصره الخليقية التي يحشّدها في لوحته بكرم باذخ, وباندماج ذوباني بين تلك الموجودات, وبشكل تكون فيه تلك العناصر مادة مشرعة دائمة للخلق, فهي إذن عناصر تكوين ( محايدة ), من الناحية ( الاجناسية ), ان صح التعبير, مستعدة لبناء أي عنصر او كائن جديد, فهي دائبة الحركة والانتقال, من كائن لآخر، او من مكان لآخر.
ان احد أهم الأدلة على إيمان صدر الدين أمين بوحدة كائنات اللوحة هو تعطل اشتغال فعالية الشفرات الجينية لكل كائن بشكل يخرق مواصفات النوع, ويؤدي إلى امتزاج المواصفات الخليقية للكائنات, فكثيرا ما تتعدد أطراف احد ذوات الأربعة, ولعدد غير محدد, في كل مرة, حتى يقترب أحيانا من أشكال الديدان ونحوها, فلا وجود لمواصفات موروثة ثابتة, تحفظ لكل نوع خليقي مواصفاته الجينية وتميزه المحفوظ, وبذلك يبرهن أمين على انه قد خطى خطواته: الأولى والاهم, نحو تحقيق وحدة العالم الحيواني, وصولا إلى تحقيق نزوع الكائنات للعودة إلى أزلها, أي تحللها إلى كائنات مجهرية, من ذوات الخلية الواحدة, خلية محاطة بغشاء يحفظ أجزاءها من التبدد, وصولا إلى الخلية ( الحيوا - نباتية ), ان كانت تصح مثل هذه التسمية في علم الأحياء.
يحقق الرسام صدر الدين أمين شكلا آخر من أشكال الوحدة على سطح لوحته, بتأكيد ذوبان الحدود الفاصلة بين التشخيص والتجريد, حيث لا يمكن في كل مرة وبثقة, تبين طبيعة العديد من أشكاله, هل هي كائنات مجهرية تمظهرت بمظهر تجريدي, أم ان ما نشاهده نمطا تجريديا تلبس, عبر عملية تشاكل صوري, شكلا ما, شكلا كان قد علق بذاكرته من أشكال الكائنات المجهرية, فيكون ذلك واحدا من أهم أسباب افتراض وجود الوحدة الخلائقية في تجربة هذا الرسام.
نتلمس في تجربة صدر الدين, نمطا آخر مهما من التوحد,ذوبانا للحدود بين الهندسي والطبيعي، فقد يتحول قرص الشمس بيسر من دائرة هندسية تامة الاستدارة, إلى كائن أميبي, تخرج أطرافه خارج الشكل الذي كان دائريا فصار شكلا طبيعيا غير تام الاستدارة.
ربما نتخيل صدر الدين او يتخيل نفسه في مختبر بيولوجي يقوم بتجارب جينية تمازج بين جينات كائنات مختلفة، فكانت إحدى نتائج تجاربه تلك كائنا (خرافيا) مركبا غريبا، رجلا برأس حيوان، ربما يشكل امتدادا للميناطورات والقنطورات التي كانت تظهر في فنون الرسم على مر العصور، انه كائن بشري مازال محتفظا بكل نوازعه الحيوانية الأصيلة التي يؤكد نمطا منها كل مرة يستبدل فيها رأسه: برأس كلب او ذئب او طائر او ثعلب او قط وحشي، او رأس كائن لا تبين ملامحه، كائن زئبقي متلون يمارس اغرب طقوس السحر والتحولات.
مثلما وصف والت وايتمان رجلا تملا لحيته الفراشات؛ فإننا نصف صدر الدين أمين بأنه "رسام تسكن لحيته العفاريت والكائنات المركبة".

كاظم حيدر واسماعيل الترك .. اختلاف رؤية





مرة روى الرسام العراقي المغترب في لندن ضياء العزاوي عبر صفحات مجلة العربي الكويتية في ملف اصدرته عن النحات-الرسام العراقي الراحل اسماعيل فتاح الترك، بان الرسام العراقي الراحل كاظم حيدر علق على المعرض الشهير الذي اقامه اسماعيل فتاح الترك عام 1965، بعد عودة الترك من الدراسة في روما، بأنه لو حبس في غرفة لليلة واحدة لأنجز معرضين مثل معرض الترك، ولم يوافق ضياء العزاوي وقتها على ما قاله كاظم حيدر واعتبر ذلك انتقاصا من قدرة الترك، الا اني ، في موضوع نشرته عن الراحل الترك، نظرت الى الموضوع من زاوية واتجاه اخر، ووجدت ان كاظم حيدر كان (محقا)، كما وجدت ان ذلك لم يخلّ بمكانة الترك ورفعة ابداعه، وان جوهر القضية لا يتعلق بموقف او رأي لكاظم حيدر بمكانة الترك، بل بمفهوم وفلسفة كاظم حيدر والترك بفن الرسم، واسلوبهما المتناقض في بناء اللوحة، فلم تكن اللوحة عند كاظم حيدر بناء شكليا فقط ، بل ومخططا فكريا تهيمن فيه (الدلالة) وعلى وجه التحديد (التعبير عن الروح المحلية) الذي كان من الصعب على التشكيليين القفز فوقه في ظل هيمنة النقد الذي يروج لهذا الاتجاه وهيمنته على الكتابة في هذا الحقل وعلى المنجز التشكيلي العراقي برمته، وتشهد بذلك اعماله في معرض ملحمة الشهيد الذي اسميته مرة: "(آنسات افنيون) الرسم العراقي"، باعتباره (العمل) الذي احدث اكبر تحول في الرسم العراقي الحديث، حينما افتتح (معرض الشهيد) عصر الستينات بعد ان ختم نصب الحرية لجواد سليم، عصر الرسم العراقي الخمسيني، او شكل النهاية المنطقية لذلك العصر، عندما انتقل مركز الثقل الى (السطح التصويري) باعتباره "اهم مستوى من مستويات الوجود الفني"، وحيث صارت الاولويات تنطلق من، وتعود الى "إعادة تجريب إنتاج المرئي بصور مختلفة ... والاهتمام بالمادة التي يٌنفّذ بها العمل بعفوية وتلقائية وجرأة" فكان الوعي الرؤيوي للستينيين هو (الوعي المتجاوز) ذلك الوعي الذي يحاول البدء من جديد في كل مرة من خلال وعي عال بمعالجة المادة باعتبارها "بحد ذاتها رؤية".
لقد كانت نظرة كاظم حيدر للوحة، باعتبارها بناء فكريا يستغرق وقتا طويلا للانتهاء منه، نظرة تنتمي الى كلاسيكيات فن الرسم رغم اشكاله الحداثية، وتنتمي الى (حكائيات) روبنز وانجيلو ودافنشي، وكل اللوحات (القصصية) التي كانت تستلهم القصص المقدسة، بينما تنتمي رسوم الترك الى فهم مختلف تماما، فمثلما لم تولد لوحات فرنسيس بيكون وجاكسن بوللوك "من ساعات طويلة من التفكيرفي موضوع، ولا رسمت من نقاش، بل كانت تنمو من تلقاء نفسها، من صنيع من الرسم، او ربما من انفعالات العقل اللاواعي" كما قالت لليان فريدكود، فان الترك كان يعتبر اللوحة تجربة متيريالية (شيئية)، او مناسبة لاختبار المادة، فلم تكن لوحاته‘ لفرط اخلاصها لشيئيتها، بحاجة الى عنوانات مثلا، فكانت عنواناتها لا تعدو ان تكون اشارات لتمييزها عن بعضها كعنوانات جاكسون بوللوك للوحاته حينما كان لا يكلف نفسه مشقة تلفيق عنوان مناسب لكل لوحة فيكتفي بترقيمها، وهو فهم دشن عصرا جديدا في الرسم العراقي هو جيل الستينات، وبذلك فقد شكّل الترك وعدد من مجايليه: ضياء العزاوي، ورافع الناصري، وصالح الجميعي، ومحمد مهر الدين، وعلي طالب، والــ(ـخمـسـ)(ـسـتـ)ــيني شاكر حسن ال سعيد، شكّلوا الوجه الاخر من العملة التي شكل فيها كاظم حيدر وجواد سليم وجهها الاول، وبذلك لم يكن كاظم حيدر واسماعيل فتاح الترك الا وجهين لعملة واحدة هي المخاض الستيني الذي انقض على قداسة الاشكال الخمسينية فيه كاظم حيدر بينما اسس الترك و(مجموعته) الطليعية (الرؤيا الجديدة والمجددين) فهما جديدا للوحة باعتبارها مغامرة متيريالية، او واقعة شيئية، لذلك كان الترك، مثله في ذلك مثل فرانسيس بيكون الذي لا يستغرق كثيرا في التفكير بموضوع اللوحة، فيكفيه ان يغمس فرشاته باللون، ويضعها على سطح اللوحة ليظهر وجه الشاخص الذي كان يظهر ويعاود الظهور في كل مرة بمظهر وقناع جديد.


الخميس، 20 أغسطس 2009

رنا جعفر ياسين و(المدهون بما لا نعرف)








البصــــــــــــــري
واللغــــــــــــــوي


خالد خضير الصالحي
العــــراق – البصـــرة

كتبت مرة في معرض دراستي لقصيدة (عيد البوقات) للشاعر حسين عبد اللطيف "إن الاشتغال من خلال اللغة هو إحدى نعم الكتابة النقدية التشكيلية وإشكالاتها في الوقت ذاته، وهو أمر يتلمسه النقاد المهتمون بالفن التشكيلي وبالشعر معا، فقد أكد الناقد التشكيلي سهيل سامي نادر مرة "أن لا وجود للنقد الفني بوصفه حركة مستقلة، انه نص يختلط بنصوص أخرى .. انه لا ينفصل عن التقاليد الأدبية، فخطته أدبية، أوصافه وتعابيره، و لاسيما لغته كلها، وطريقته في الحكم". رغم أن الشعر والرسم من طبـيعتيـن مختلفتين: طبيعة لغوية، وأخرى بصرية، إلا أننا نشعر بوشائجهما قوية بشكل محسوس في ميدان الصورة الشعرية والبصرية معا.
إن بحث رنا جعفر ياسين في الجوانب البصرية للغة، أو ما تسميه هناء مال الله (العناصر التكوينية للوحة) بشكل يجعلها أمامنا وكأنها لوحة، باعتبار تلك هي الرابطة البنائية بينهما، بحثا عما يبثه النص البصري باتجاه النص اللغوي، وما يبثه النص اللغوي باتجاه النص البصري، باعتبارهما الوثيقتين الوحيدتين المطروحتين للقراءة ومن ثم التأويل هنا بتواشج يجمعهما معا كونهما جناحا (مدونة) رنا جعفر ياسين (المدهون بما لا نعرف)، أي بمعنى كمون مركزية القراءة في المشترك من النصوص بصرية كانت أو لغوية.
إن هذا (الكتاب الذي بين الدفتين) وهو الإصدار الرابع للشاعرة و الإعلامية و التشكيلية العراقية رنا جعفر ياسين وصدر مؤخرا عن دار سنابل للكتاب في القاهرة، يبتدئ النص ليس فقط من عنوانه، وإنما يبتدئ وينتهي في كل تفاصيل المدونة منذ لوحة الغلاف الأول وحتى صفحته الأخيرة، فقد تم انجاز غلاف المجموعة من قبل الشاعرة الرسامة ذاتها، بطريقة القص بالة حادة: مقص أو كتر، وهو تكنيك اتبعه الرسام هنري ماتيس في أواخر أيامه، وهو، أيضا، تكنيك يفتح، برأينا، الصفحة الثانية لفن الرسم باعتباره مؤلفا من آليتين رئيسيتين تماثل آليتي النحت بالتجميع والنحت بالحذف، فحينما يبتدئ النحات بالفراغ ويبدأ بوضع المادة الطيعة كالطين مثلا فإنما هو يردم المادة التي مازالت بحكم الفراغ غير المرغوب به، بينما حين يبدأ النحات بكتلة صلدة كالخشب أو الحجر فانه إنما يزيل الفراغ الذي لم يزل مادة غير مرغوب بها، وقد يمكن تقسيم الرسم تقسيما مماثلا الآن، فخلافا للرسامين التقليديين الذين يضعون المادة في فراغ الكانفاس ، هنالك تكنيك آخر كان يفعله ماتيس، في أواخر أيامه، وهو ما فعلته الشاعرة-الرسامة رنا جعفر ياسين، حينما كانت تحذف مادة الصفحة فلا يتبقى منها إلا ما هو مرغوب به ويتخلف عنه الفراغ، وهو ما تفعله الشاعرة في الكتابة أيضا، حينما تبدأ باختزال نصها مشذبة إياه إلى أقصى مدياته ليبقى محملا بفراغ العبارة التي يكون البحث عنها مهمة يحملها القارئ، وتتنصل منها الكاتبة. فمنذ عنوان مدونتها (المدهون بما لا نعرف) تضع القارئ بمواجهة مهمته العسيرة وهي ردم فراغات النص، وهو أول باعتباره بوابة النص، وهو هنا يتوفر على بنية صورية ورمزية دالة بعمق، فنحن نبتدئ مما يهمله أولئك النقاد، وهو الغلاف، باعتباره بوابة الديوان القرائية الأهم.
نحن نعتقد إن الغلاف هو جزء من هوامش العنوان؛ فرغم إن الغلاف غالبا لا يرسمه الشاعر، إلا انه في احيان كثيرة يختاره أو يوافق عليه، فيكون بالنسبـة إليـه مادة نصـية جاهزة، يماثـل ما يعـرف بالمواد الجاهــزة ready made التي يستخدمها في بناء (كتابه)، فكيف إذا كان الشاعر هو الذي رسم غلاف مجموعته ورسم تخطيطاتها الداخلية، كما فعلت رنا جعفر ياسين، فتكون مكيدة العنوان شركا تنصبه الشاعرة للمتلقي باعتباره أولى عتبات النص التي على ذلك المتلقي أن يضعها في حساباته منذ اللحظة الأولى للقراءة.
من أولى خطوات قراءتي لمجموعة رنا جعفر ياسين (المدهون بما لا نعرف) كان الغلاف أولى محطات الغواية التي أسستها الشاعرة على الغموض، غموض شكلي مطبق فليس الغلاف بصفحتيه، الأمامية والخلفية، إلا كولاجا يمارس بطريقة عكسية لتكنيك الكولاجات، فالكولاجات إن هي إلا عملية إضافة شكلية (لونية هنا)، فإذا بها تتحول عند رنا إلى عملية إفراغ للبياضات من بين ثنايا الألوان، تماما كأنها ممارسة النحت بالإضافة، وهو ذات التكنيك الذي اتبعته الشاعرة في بناء نصها، وقبل ذاك في بناء تخطيطاتها، حيث كانت في تلك التخطيطات تمارس غواية حذف المعالم المشخصة من الأشكال؛ فتكتفي ببضعة من تلك الأشكال، بضعة تومئ إلى معالم الشكل من طرف قصي، وتلك ذاتها طبيعة نصها الذي أطبق على معناه في حرز حريز؛ فمنذ صفحته الأولى:العنوان (المدهون بما لا نعرف) بدا لنا لإهداء مملوءا بفراغ دلالي؛ فلم أكن على ثقة بطبيعة ذلك الذي أهدت له ديوانها...
"إليهِ فقط ..وإلى كلِّ ما حوله من غموضٍ، وبالوناتٍ، وأسئلةٍ معلقة"،
فقد بدا لي وكأنه لم يكن شخصا!!، ربما هو من طبيعة أخرى تماما، رغم انه يتمتع بكل ما يمتلكه الكائن من تواصل مع الآخر ومن قدرة على الانسنة الحوارية.
نصها إذن نص مسكون بـ"ـمحاولة لخلق حالة بحث عن اللامسموع و اللامرئي , اللامسمى و اللاممسك الأكثر غموضا من المجهول , من خلال توظيف لغة مركبة و فضفاضة و رؤى تنفتح على دلالات مختلفة قابلة لأكثر من تأويل"، تأويل يكتسي كل احتمالات التأويل؛ بما فيها احتمالات تأويل تتجه نحو الايروتيكية الخبيئة التي يبثها النص على استحياء أحيانا؛ "الكلماتُ المكسوَّةُ باللحم ِتنتفـضُ كوصمةِ ثلج, تساءلُ الجسدَ المبنيَّ من الدهـشة:
- من بعثركَ أيها المقدسُ المعقوفُ كالخوف؟
ينهمرُ صوتـُهُ من بعيدِ الزمن, مقتربا ًمن الهوس ِالملبَّدِ ببقع ٍ حمر.. يعوي ويئنُّ.. يعوي ويئنُّ، مستلذِّا ً بغرابةِ جرحهِ المظلم:
(يداكَ تحملان ِالرأس
قدماكَ تحملان ِالجذع
أما الروحُ فقد هاجرت أعضاءَكَ المتعفنة).
ترقصُ ضحكتهُ عاريةً، مُكشِّرة ًعن شهوةٍ نازفةٍ مرشوقةٍ بالبارود:
(تسارعت نحوي خطايَ
علها تجدُ مني العظمَ أو الكفن
فأنا ضائعٌ موجودٌ
وطفولتي هجرتني من ذاكَ الزمان).
ينتابني صوتهُ, فأفكرُ:
لا تبتئسْ, مصاطبُ الموتى أتقنت الكارثة َ, والرحمة َ أيضاً".
و"الورعُ القادمُ من جوفِ الرغبةِ يطمعُ بالماءِ المجدول ِبخرق ٍبيضاءَ لا أكثر.."
" ما أن أغلقتُ الضوءَ حتى انبجست الفوضى.
الصوتُ المصقولُ بالحرمان ينفرُ من الغفوةِ الأخيرة.
(لا تقلْ..
لا تقلْ..
اهمسْ كيفما شئت بلونٍ خفيض)
ما تبصرْ طوقـِّهُ بالخوف، إغمسْ رغباتكَ في بركةٍ مارد "

"المدبباتُ/ المغالياتُ بالسخونةِ/ المناهضاتُ للنعومةِ/ المحدباتُ/ المقعراتُ/ الملوَّثاتُ بالغلِّ، يضربنَ حريرَ النعاسِ بمخالبِ الكابوس, يرتفعنَ ..، وحينَ الانخفاضِ يضاءُ ما أمكنَ من التوجّع، يستديمُ اللمعانُ بعيداً بعيداً، يبرقُ الدمُّ ويـُلعَنُ الصبرُ بشراسة".
إلا أن الشاعرة لفرط هول ما شهده العراق من أحداث دموية يتخذ خطابها لغة واضحة لا مواربة فيها
فـ"ـالمشهدُ مازالَ طرياً، رغمَ إكساب الحلم ِ طعمَ التوتِ واللذة:
(الشارعُ المنخورُ من فرطِ الرصاص/ السيارة ُالمزينة ُبالحرائق/ بيتُ الجيران ِالمبتور/ النهرُ المخلوط ُبالدم/ الدكاكينُ الغاضبة ُمن تجوالِ ِالأسلحة/ المدارسُ المكسوة ُبالممنوعات/ أناشيدُ الأطفال ِالملوَّثة ُبالحرمانِ ِوالنكب/ نساءُ الحي الباحثاتُ عن الأشلاء/ الرجالُ الواهنونَ من الجلد/ الصغارُ المحدقونَ في عيدٍ محض ِخيال/ المتكوِّمون بلا أنفاس ٍتحييهم من الدم ِاللاذع المغطي بقاياهم)".
إنها رنا جعفر ياسين تلك التي تحاول أن تنقذ المدينة فتصرخ:
"هيا أسرعوا لننقذ َالمدينةَ, فالحرائقُ في الشوارع ِ
في البيوتِ
وفي القلوب. النارُ تصهرُنا, فعمدونا بالفرات".

المثلث الذهبي.. والاقانيم الخمسة.. للفن التشكيلي العراقي






المثلث الذهبي..

والاقانيم الخمسة..

للفن التشكيلي العراقي


خالد خضير الصالحي
العـــراق/ البــصــرة
khkhiraq@yahoo.com


1
اتفق الكاتبان: صادق الصائغ في مقاله (واقعية الكم: شفرة المستقبل او عندما تصب العلوم في بؤرة فنية واحدة) الذي نشره في مجلة (تشكيل)، التي تصدر عن وزارة الثقافة العراقية، العدد الثالث ،2009 وفيصل لعيبي في مقاله (المثلث الذهبي في الرسم العراقي الحديث) الذي نشره في الموقع الالكتروني (الفنان العراقي)، على ان مثلثا ذهبيا كان قد تشكل في الفن العراقي كان أثره ضخما في نقل الفن العراقي، وربما كانا يقصدان بشكل اخص الرسم العراقي، إلى تخوم الحداثة الفنية، إلا أنهما اختلفا بالفنانين المشكلين لهذا المثلث الذهبي، فقد اعتبر فيصل لعيبي أول قطب في هذا المثلث الرسام فائق حسن مبررا اعتباره إحدى بوابات الحداثة في الرسم العراقي بأن "فائق حسن حطم تماما الشكل التقليدي السابق وقدم لوحة فنية معاصرة تتميز بالحيوية والحس العالي والمستوى الفني الرفيع - لم تكن جديدة على مستوى الإنجاز الغربي طبعا - لكنها تعتبر ثورة فيما يتعلق بالرسم العراقي- الذي كان يحاول تقليد الأشياء التي أمامه وبحذر اقرب إلى الخوف منه إلى الثقة, كانت ضربات فرشاة فائق من القوة والحساسية والجرأة ما جعل اللوحة العراقية آنذاك تخطو خطوتها الكبرى, مجتازة تلك المحاولات التي كانت سائدة في الرسم العربي المعاصر ... إن ( فائق حسن ) الحساس والعفوي والغزير يشكل الزاوية الأولى في المثلث الذهبي للرسم العراقي الحديث , حداثة وواقعية وحيوية ومرونة لانتقالات مفتوحة على اكثر من أفق . مع فائق انتهى عصر الهواية وتقاليد رسامي النزهات البرئية واللهو وأيام العطل. وبدأ عصر الرسم كفن معني بالمجتمع والبيئة والإنسان , ليس كشكل فقط بل كموضوع أيضا . ومعه أصبحت اللوحة العراقية تملك عالمها الخاص وموضوعها المتميز ومعه دخلت الحداثة ( المودرنيزم ) في الفن إلى العراق ..."، بينما اتفق الكاتبان: الصادق ولعيبي حول اعتبار جواد سليم القطب الآخر في ذلك المثلث الذهبي كونه من وجهة نظر فيصل لعيبي "كان فنانا معاصرا يحاول إيجاد العلاقة الصحيحة بين تراثه الغني وبين الحياة المعاصرة وتقاليد الفن الحديث, وهي قضية شغلت كل الجهد والوقت اللاحق لفن (جواد سليم) ... هكذا جاءت البساطة والتشكيلات المركبة والألوان الشرقية والموضوع المحلي بأسلوب يمزج فن القرن العشرين بالسومريين والآشوريين والمسلمين , من فن (بيكاسو) قي القرن العشرين و فن (يحيى الو اسطي) في القرن الثالث عشر الميلادي, من السومريين إلى التكعيبية", بينما كان من وجهة نظر صادق الصائغ قد عالج "واقعية شكله... بغنائية تعبيرية تنسجم مع تكوينه النفسي، مضفيا على شخوصه انسجاما ورضا يتناسبان مع مزاجه الشخصي ومع تطلعات الطبقة المتوسطة الآخذة في الصعود؛ وبهذا المزاج البهيج التقط جواد جمال التماهي البادي على وجوه الشخوص البسيطة الماثلة أمام كامرته، مجسدا،كما فعل غوغان، جمال السذاجة والبراءة في الحياة البدائية".
يتفق الكاتبان على ان القطب الآخر لحداثة الرسم العراقي هو الرسام محمود صبري (ولد عام 1927) فهو من وجهة نظر فيصل لعيبي "كرس جهده الهام في إيجاد العلاقة الأساسية بين الفن والمجتمع , فمع محمود أخذت الأفكار الاجتماعية الجذرية تبرز في العمل الفني ... أن الفكر الثوري في الفن لم يبرز بمعناه الجمالي والفلسفي والاجتماعي إلا مع ( محمود صبري ) والى حد ما( جواد سليم ) و (شاكر حسن آل سعيد 1925 – 2004 ) في خمسينيات القرن الماضي ... ان أعمال هذا الفنان شهادة عميقة على العلاقة القوية بين الفن والمجتمع وتطور الوعي ودور المثقفين في ذلك"، وبذلك يسقط فيصل لعيبي المرحلة الأهم من انجازات محمود صبري أي واقعية الكم التي لولاها لما احتل محمود صبري أهميته التي احتلها الآن، ... بينما كانت أهميته، عند الصائغ، تتمثل في "ان نظرية اكتشاف المخفي القائم ما وراء الواقع، اتخذت لديه وجهة أخرى، فقد لوحظ، منذ البداية، انه كان الأكثر اهتماما، بشواغل الفلسفة والهم الاجتماعي، كما انه كان الأكثر ميلا إلى ان يتخذ هذان الهمان مكان الصدارة في لوحاته"
ويذكّر الصائغ ان البعض قد صعب عليهم وهم يتتبعون أعماله الأولى ان يستجيبوا لرغبته، فيلقوا عليها ستار النسيان،... وان الكثير منهم، وربما كان محمود صبري احدهم، مازالوا يضمرون حنينا لذلك الحضور الغائب لتلك الأعمال، ففضلوها على (المتاهات) التي تضعهم فيها واقعية الكم.
ويعتبر صادق الصائغ القطب الآخر هو الرسام شاكر حسن آل سعيد، الذي انشغل، من وجهة نظر الصائغ "في بداياته بالهم الواقعي نفسه ، متجنبا هو الآخر، الاعتماد على المعنى الأحادي للشكل،متهجسا ملامح جديدة يخفيها المجهول... وفي مرحلته الأخيرة، اتخذ شاكر، انطلاقا من روحانياته، الحدوس الصوفية والمغيبات والعقل الباطن، طريقا لتفكيك المنظور الواقعي وإعادة تركيبته من جديد، ونظرا لاهتماماته الفلسفية الموازية لاهتمامات صبري، فقد ثبت رؤيته الفلسفية هذه في بيانين تشكيليين: البيان التأملي الأول والبيان التأملي الثاني، وفي كلا البيانين كانت الحقيقة الجوهرية التي بحث عنها شاكر، وكذلك تلك التي بحث عنها جواد ومحمود، حقيقة أيديولوجية، أي أنها صورة الواقع الخارجي مع إيقاعات جمالية ترتكز على بنية التكوين، باعتباره الموضوع المركزي لجماليات الشكل".

2
لقد أثارت آراء كل من الكاتب صادق الصائغ والرسام فيصل لعيبي عندنا ملاحظات كثيرة منها ان: الفن العراقي المعاصر قد نشأ، منذ لحظات تأسيسه الأولى، في خضم الحداثة العالمية، وخلال مرحلة مهمة في الفن العالمي، وان كل الأساليب المدرسية الانطباعية التي قدمها الفنانون العائدون من مقاعد الدراسة في الأكاديميات الخارجية التي درس فيها المبعوثون الأوائل، ليست إلا أساليب مدرسية تعلموها لأغراض تعليمية فتحجر البعض بها بسبب ضعف ثقافتهم البصرية، كما ظل البعض مكتفيا بها، ومنهم فائق حسن الذي طور تقنية عالية في الفن الانطباعية شفعت له وأهلته ان يكون المعلم الأول في الفن العراقي كمدرس فن، وذلك برأينا لا ينتقص من قيمته كمبشر بحداثة بصرية قائمة على شيئية اللوحة، الا ان فاعليته الاساسية كوته معلم رسم من طراز انطباعي رفيع.

3
نعتقد أيضا ان الكاتبين الصائغ ولعيبي كانا يتجهان إلى نقطة واحدة من اتجاهين مختلفين، فقد كان (التعبير عن الروح المحلية بأساليب اللوحة المسندية الحديثة) هو الأمر الحاسم لديهما معا، إلا أنهما اختلفا في الانجاز الأهم لكل رسام ليؤهله ليكون ضمن متجه الحداثة، ففيما اعتقد فيصل لعيبي ان قدرة الفنانين على الامتثال لتلك اللازمة هو الأمر الحاسم والمهم في حداثيتهم، وهو ما توفر لهؤلاء في مراحلهم الأولى، كان الصائغ يعتبر الأمر الأكثر أهمية يتمثل بقدرة الرسام على إعادة تعريف تلك اللازمة القبلية والخروج بنتائج (جديدة) منها، وهو ما فعله هؤلاء في مراحلهم المتأخرة التي اعتبرها الصائغ الجزء الأهم في انجاز هؤلاء وامتثالهم لشرط التعبير عن الروح المحلية بأساليب حديثة، فكانت واقعية الكم وبغداديات جواد سليم والمرحلة التجريدية (البعد الواحد) عند جواد سليم مراحل مهمة وشرعية في تأسيس فن محلي ممتثل للحداثة، وهذا هو السبب الذي جعلهما يغفلان اعتبار كاظم حيدر واحدا من اقانيم الفن العراقي بسبب كونه شكل مرحلة وسيطة لم تمتثل لشروط الكاتبين وتعريفهما وربما ذائقتهما، رغم ان تجربته تعد ، برأي الكثيرين، واحدة من أهم المراحل الانتقالية في الفن العراقي بين مرحلة الخمسينات، او مرحلة الرواد، وبين مرحلة الستينات التي وضعت الفن العراقي وفن الرسم منه بشكل اخص على تخوم الحداثة فكان الرسام كاظم حيدر رأس الحربة في ذلك من خلال منجزه وخاصة معرض الشهيد الذي بشر بجيل جديد في الفن التشكيلي العراقي هو جيل الستينات.

4
نحن نعتقد بحاجتنا إلى ننفض أيدينا من شرط (التعبير عن الروح المحلية) باعتباره لازمة قبلية لصفة الرسم ولصفة الحداثة، ونعيد تقييمها باعتبارها ليست سمة موضوعاتية قدر ما تكون قيمة بصرية ليس إلا؛ وبذلك فسيكون المجال رحبا لإعادة تعريف قيم الحداثة في الفن العراقي واعتبار منجزات هؤلاء الرسامين في مراحلهم الأولى والتالية بوابات شرعية لحداثة الرسم العراقي التي فتح أبوابها هؤلاء ورسخت حضورها الأجيال اللاحقة لما بين الخمسينات والستينات، واعتبار كل من: فائق حسن وجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد ومحمود صبري وكاظم حيدر اقانيم مهمة في تأسيس حداثة الفن التشكيلي العراقي القائم على مرتكزات بصرية أكثر منها موضوعاتية، ونعيد تشكيل مفاهيمنا وقيمنا على أساس ان تحقق الواقعة الشيئية هو الأمر الحاسم في أحكامنا بشان فن الرسم في العراق.

تخطيطات خالد خضير الصالحي ...
















عبادة الخط
محمد خضير


وجد خالد خضير في فن الرسم ضالة يسكن بها نزعة من نوازع موهبته المتعددة الجوانب .. فهو لاعب شطرنج وشاعر وناقد .حين امسك برأس الخط ، انجذب إلى النقطة الشابحة على رقعة رؤيته شخص وحيد ، قدم من الضفة البعيدة لبحيرة الحبر ، وحينما تكرر حضوره ، تشبع الفنان بحبرية هذا الشخص ، فلم يكن هذا الشخص سوى روح دمية مجنحة ، تبحث عن جسد واسم الأسرة . سلم خالد شخصه للطباعة فاحتل حيزا ضيقا إلى جوار النصوص الأدبية. واكتفى الشخص بهذا الحضور ، كما قنع الفنان بالتخطيط وسيلة وحيدة لاستحضار أشباح حبرية لفراغه التصويري. إذ ما يمتاز به التخطيط على اللون والظلال ، اتساع مساحة رقعة البصر ، وتقلص حجم الشكل إلى نقطة ضائعة في فراغ الرقعة الواسع. هذه مزية تناسب لاعب أدوار دهرية.
كنت وما أزال اعتقد أن فن التخطيط ممارسة خاصة جدا ، شأنها شأن الكتابة المنسوخة ، مادتها الورق و الحبر ، حتى لو استعان رسام التخطيط أحيانا بقلم الرصاص والفحم أو لجأ إلى التلوين أو التظليل . وان اعتكاف الرسام على خطوطه شبيه بتمركز النساخة في مخطوطه ، وكلا العملين نوع من أنواع عبادة الخط ، تلخصها عبارة أسامة بن منقذ (سعادة الوراق جلود وأوراق وحبر براق وقلم مشاق) . وحين يجتمع التخطيط والكتابة في تزويق مخطوطه ، تكتمل العبادة بزواج الصناعتين ، ويتحقق فيها قول شاكر حسن آل سعيد (عودة الشكل إلى أزله الخطي ، والحجم إلى أزله الشكلي).
ومثل أية عبادة تتعرض للانتهاك ، هتكت طباعة المحفورات (الكرافيك) الرباط المقدس بين الخط والكلمة ، وقضت احترافية الرسم على براءة التخطيط ، وغلبت تقنية الاختراع عفوية الأسلوب ، واختلط ظل الفنان المتبتل في محترفه بظلال النقاشين والطباعين والتجار وهواة جمع اللوحات المطبوعة. ولم ينجح رسام من حمى الحفر ، ولم يفلت مطبوع من امتصاص فائض التعبير الأدبي لروح الخطوط الحرة . ولم يعد التخطيط إلى صراط عبادته الأصلية إلا باختراع الطباعة السطحية (الأوفست) التي أباحت الاطلاع على كراسات محترفي التخطيط الأصلية ، فأحسسنا بطراوة الانطباع الأول ، وحرارة الفكرة ، وتنوع الإيقاع الخطي في دراسات مايكل أنجلو ودافنشي ورافائيل التشريحية ، وبورتريهات ماتيس ، ومجموعة تخطيطات بيكاسو ، وبغداديات جواد سليم ، ومعراجات شاكر حسن آل سعيد ، وتراثيات ضياء العزاوي ، وتخطيطات علاء بشير وإبراهيم رشيد وعلي طالب. كانت تلك الكراسات ترجمة أمينة لميول الفنانين الذاتية وقدراتهم الفنية ، احتفظت بإيقاع الزمن ، ومدت جسورا إلى تخطيطات أدباء وجدوا في البعد الحسي للتخطيط إسنادا قويا للأبعاد التصورية الرمزية في رؤاهم الأدبية . (تخطيطات وليم بليك وجبران ولوركا وميشو وغونتر غراس..).
وما دام التخطيط حرا ، وانفراديا ، في محترفه الأصلي وفي محترف الطباعة الحديثة ، فلننظر إلى تخطيطات خالد خضير في حيزها المستقل عن الرموز الكتابية . إنها ما تزال عند نقطة الابتداء ، بانتظار الهاتف القادم من النقطة البعيدة المتلاشية في بقعة الحبر ، مصورا في شخص وحيد ، لا تتغير ملامحه . انه نفسه في كل تخطيط ، رأس كبير ، جثة ثقيلة (ثقل قطرة الحبر) ، عين واسعة ، وأنف كبير . وليست للخط إلا وظيفة واحدة ، هي إيقاظ الشخص في الطرق البعيدة وإحضاره . ومهما اتخذ الخط من اتجاه ، أو تعددت نقاط انحنائه ، وكيفما استدار في محيطه ، فالشخص غالبا هو نفسه ، جانبي الوجه (يتجه إلى الجهة اليسرى) دافعا معه رموزه (لا تخلو زمرة من شكل طائر يتجه باتجاه الوجه) إذ ليست للخط إلا هذه المهمة ، توكيد الشخص في كل مرة يسمع الرسام هاتفا يتناهى إليه من عالم الأشباح ، يقود الخط الشخص كما يقود أعمى ، كان نائما في عالم المسرنمين ، بلا اسم ولا عمر ولا ذاكرة ، إلا ذاكرة الخط الرهيفة التي ترسمه ثم تدعه ينحل بسلام عند نقطة الالتقاء بعالم الحضور .هكذا يبدو خط خالد (خط شبحه) دائبا في المسير ، ولنا أن نتوهم أن وراء الشخص الوحيد أشباحا ساعية في ظلام الحبر ، لكنها لا تصل أبدا . كما لنا أن نتصور خلف رأس الشخص الضخم الملامح مخلوقا لا جنسيا ينتمي إلى عالم الرغبات المكبوتة ، وان خلف المساحة المحدودة أصقاعا مجهولة ، وخلف الخط الدقيق إيقاعا بدائيا عنيفا ، وان خلف التخطيط بحرا من الرسوم . إنها البداية فقط ، والخطوة القادمة أغنى في التنوع والإيقاع والتشكيل . أما الآن فلا يقدم التخطيط غير هذه الهواتف المترددة من الطرف الآخر ، والزيارات القصيرة الحميمة الثابتة الاتجاه ، والارتسامات المتماثلة . إن أشخاص خالد خضير أشكال أرواح ، كما وصفها هو ، أو دمى أرواح . وربما أثبتت تخطيطاته أن للأرواح وجوها متشابهة . وان فراغ السطح التصويري يلتقي بحافة فراغ كوني اكبر . وان الخط مهما نحف أو قصر ، هو الحقيقة الوحيدة التي تشير إلى أولية الفراغ على الامتلاء . إن التخطيط هو الممارسة التصويرية الوحيدة التي تكتفي بنقطة وحيدة . وحين يتحرك الخط منها فانه يتحرك لينتهي بها . وأي شكل سيحدده الاتجاه سيكون شكلا غزير الدلالة ، لأنه الشكل الوحيد الذي ابتدأ من نقطة صغرى نظيرة لنقطة الفراغ الأكبر .
بهذه التعليلات تسيل قطرة الحبر على فراغ السطح الأبيض فتملأ ثقوب الفكرة بأشكال الأزل ، مهما تصاغرت أو تكررت أو جمدت . وليس كالتخطيط احتراف تطور عن عبادة .

النحت المدهش للنحات رون مويك!!







نحت واقعي جدا..
بأحجام مخيفة

خالــــد خضيـــــــر الصـــالحـي
khkhiraq@yahoo.com


عمل الفنان الواقعي الفوتوغرافي رون مويك Ron Mueck ، المولود في ملبورن في استراليا عام 1958، والقاطن في المملكة المتحدة ، على برامج الأطفال التلفزيونية خمسة عشر عاما، قبل العمل في التقنيات الفيلمية للدمى الالكترونية، فوصل إلى استنتاج بأنّ التصوير الفوتوغرافي يحطّم الحضور الطبيعي للجسم الأصلي؛ فاتّجه إلى الفنون الجميلة والنحت؛ فكان في أوائل التسعينيات، مشغولا في كيفية جعل الشيء واقعيا بطريقة ملموسة؛ فلم يقتنع بمادة يمكن ان تفي بذلك الهدف، فلم يقتنع بالمطّاط لأنه أراد مادة أدق وأصلب، فاهتدى إلى مادة لطيفة وردية هي الراتنج او الألياف الزجاجية الذي جعله برونزه ورخامه منذ ذلك الوقت.

كان النحات رون مويك يحاول ان ياسر الروح من خلال إشعال ذلك اللهب الداخلي في أنفسنا من خلال نحته المدهش للجلد المشغول بإتقان والمشوّه والمخيف، ومن خلال الأحجام العملاقة، فان التألق التقني الشاذ الذي تحققه المقاييس العملاقة المذهلة قادرة على اسر المتلقي، فعلى سبيل المثال، كان الحجم الهائل 4.5 مترا للولد الجالس القرفصاء,ومقياس ثلاثة امتار لرجل عارطويل , ومقياس عشرين قدما لمولود حديث الولادة، كاف لتحقيق قدر ضخم من الادهاش، وهو براينا نحت واقعي جدا، وحيّ جدا، وان تحدّي المتلقي بالمقاييس الشاذة قد خلق "مجابهة نفسية للمشاهد ألذي يعرف ويستوعب حقيقتين متناقضتين"…فمن خلال بضع سنوات من الآن سيكون من العدالة القول بأن مويك أحد الفنانين المعاصرين البارزين اليوم.

ان صناعة سلسلة من النماذج الطينية الصغيرة تمكّن النحات من ان يقرّر على وضع المقياس المناسب لكل منحوتة من خلال سلسلة من الرسوم بحجوم مختلفة تمكّنه من اتخاذ ذلك القرار المناسب، ان هذه الماكيتات (=المصغرات) تتضمّن تفاصيل دقيقة من قوام الجلد والتعبير وهي منجزة من مادة السليكون بينما تصنع النماذج الضخمة من الألياف الزجاجية، فان رون مويك يكمل عمله بدقة شديدة حينما يقوم بإكمال أدق التفاصيل (باليد) مثل العروق ودرجة لون الجلد مما يعيد مخلوقاته إلى الحياة، من خلال قدرته على انجاز درجة عالية جدا من الواقعية . .

ان المعرض المنفرد الأخير لأعمال النحّات رون مويك يصور الإحساس الحيّ جدا في مواضيعه، فقد تضمّن خمسة أعمال جديدة رئيسية كلّفت من قبل مؤسسة كارتر، وقد عرضت للجمهور المتحمس الذي كان يربو على 75000 زائر، وقد تم جلب إعمال استعيرت من المجموعات الأمريكية الشمالية التي أضيفت إلى معرض بروكلن قبل أن يسافر المعرض إلى المعرض الوطني لكندا في أوتاوا، فقد تضمّن المعرض: منحوتة الرجل الطائش (2005) تمثل نحتا من بقياس تسعة أقدام لرجل ملتحّ عار يمسك المقعد وهو جالس عليه.

خلال أعماله المفصّلة، التي دائما تكون أمّا أصغر من بالحجم الحقيقي أو اكبر منه، يستكشف مويك العلاقة الغامضة للحقيقة من خلال النحت بمادة الألياف الزجاجية إلا انه اشتغل مؤخرا بمادة السليكون التي كانت أكثر مرونة وتسمح، بسهولة أعظم، في تشكيل أعضاء الجسم وزرع الشعر الصناعي.

الأربعاء، 19 أغسطس 2009

الصورة بوصفها بلاغة.. البلاغة بوصفها صورة


قراءة في كتاب
(بلاغة اللغة الايقونية...الصورة بوصفها بلاغة)

الصورة... بوصفها بلاغة
البلاغة... بوصفها صورة


خالد خضير الصالحي
Khkhiraq@gmail.com

الدكتور شاكر لعيبي، شاعر عراقي له عدة دواوين وبحوث في ميدان الشعر عامة، والشعر العراق خاصة، كما هو أـيضاً ناقد ومنظر وكاتب في الفن وتاريخه، وفي السيميائيات البصرية، وهو مقيم في تونس ويعمل أستاذا في تدريس السيمياء الحديثة قي جامعة قابس، وقد صدر له (بلاغة اللغة الايقونية... الصورة بوصفها بلاغة).
منذ عنوان كتابه كان المؤلف (يداور) بين (طرفي) الصورة، وهو ما فعلناه تنصيصا عليه في عنوان مقالنا هذا، في اللعب على (المداورة) بين الصورة البصرية كطرف، والمجاز الشعري طرفا آخر لاعتبارهما طرفي القضية، أو شكلي تمظهرهما؟ بين الصورة (بمعنى العلامة البصرية) وبين الصورة في اللغة المنطوقة، فهو يؤسس عنوانه على ثنائي الصورة (البصرية) مقابل اللغة المنطوقة، فيبين عنوان كتابه على تعاكس مرآوي بين طرفي هذه الثنائية، تقديماً وتأخيراً بين طرفيها، (مداورة) ودونما تصريح "بلاغة اللغة الأيقونية... الصورة بوصفها بلاغة" وبذلك فهو يدلل منذ العنوان بأنه: أولاً، يقف ضمن الاتجاه السيميولوجي الذي يعتبر السيميولوجيا جزءا من اللسانيات حينما يؤكد منذ السطر الأول في الكتاب على ذلك "ما زالت اللغة المنطوقة على ما يبدو ضرورة في قراءة اللغة البصرية" إلا انه ومنذ السطر الثالث من الكتاب، ينتقل إلى مستوى آخر في هذه القضية حينما يميز بين مستويي البداهة في استخدام اللغة فيدعو إلى ترك المستوى المباشرة والنفعي في استخدام الألفاظ المتواطأ عليها اجتماعياً، ويؤكد ان ما يهمنا هنا "المستوى غير المباشر الجمالي الذي يقول المعاني ذاتها بشكل غير مباشر: مداورة،ويكون وقعه في أغلب الأحوال أعمق"، إلا أننا، ومنذ الصفحة الثانية (في النص)، المرقمة (6) بالتسلسل العام للكتاب نكتشف ان مقاصد المؤلف ليست كذلك إلا بهدف إيجاد آلية مرحّلة من اللغة إلى حقل الصورة البصرية، تلك الآلية التي هي الاستعارة او المجاز والتي تتضمن معنى (الانحراف)، وبذلك فهو يستعيد ذات الآلية الني كرس لها مؤلفا كتاب (الشعر والرسم) اهتمامهما لها باعتبارها الآلية الأكثر فاعلية لدراسة (الصورة الشعرية)، وبذلك فإننا نتقل إلى مستوى أعمق من قضية استنطاق العلاقات بذاتها، او استنطاقها بمعونة اللغة المنطوقة. ويبدو المؤلف وكأنه قد شعر بالخوف من ان يوجس القراء في أنفسهم ريبة فيؤكد "عندما يتعلق الأمر بالبلاغة الصورية، لا يتعلق الأمر، بحال من الأحوال، بعمل تلفيقي، ولا باستجلاب قسري لمصطلحات حقل إلى حقل مختلف، ولا بتقويل البصري ما تقوله البلاغات اللفظية" والسبب برأي المؤلف يتعلق "بامتلاك البصري، بطبعه أصلاً، بلاغة تأويليه ومجازات تتماس مع المجازات اللفظية المعهودة" ويماثل المؤلف بين المجاز اللغوي والصورة البصرية هنا في قوله "ان المجازات اللفظية هي ( انحراف متعمد) للغة عن استخدامها القاموسي... والصورة image بطبعها تتضمن شيئاً يمكن ان يوصف بالمجازي طالما فيها موضوعاً غائباً فعلياً لكنه حاضر دلالياً: لوجود الغائب" لذلك فهو يستنتج ان "المهم في الصورة ليس ما يحضر فيها ولكن ما يغيب" ونحن ربما تختلف معه في إعطاء الأهمية (لما يغيب) من الصورة، فأن ذلك سيؤدي إلى نقل الصورة من اعتبارها (واقعة شيئية) من خلال عناصرها الشيئية إلى معاملتها باعتبارها موضوعاً سردياً وفي ذلك تخسر الصورة جزءا من وجودها الشيئي.
يعيب شاكر لعيبي على بعض البلاغيين العرب لتبسيطهم للمجاز بأنه "فكرة (المشابهة) بين دالين"، ورغم ان فكرة التشاكل الصوري بين (حقلين صوريين) لا تختلف كثيراً عن محاولة تصنيف المجازات الايقونية التي أجراها المؤلف والتي اعتبر فيها دروس البلاغة "تقدم بضعة مفهومات مفيدة عن مفهوم التشبيه" وكانت تلك المفهومات لا تعدو ان تكون ذاتها التي اعتبرها تبسيطاً للقضية وهي " إقامة مماثلة بين أمرين أو أكثر قصد اشتراكها في صفة أو أكثر بأداة لغرض مقصود" بينما يؤكد في الوقت ذاته أن "في اللغة الأيقونية نجد تماثلات بين أمرين مرئيين بسبب اشتراكهما في صفة أو أكثر بأداة لغرض مقصود" بينما يؤكد في الوقت ذاته ان "في اللغة الايقونية نجد تماثلات بين أمرين مرئيين بسبب اشتراكهما في صفة أو أكثر" وبذلك سنعود إلى المربع الأول وهو ان (التشاكل الصوري) عند مؤلفي كتاب (الشعر والرسم) والى غيرها من المفهومات التي تدرس الصورة الشعرية من خلال الصورة البصرية وهي ذاتها التي نجدها هنا حيث يحاول شاكر لعيبي ان يدرس الصورة البصرية من خلال مجاز الصورة الشعرية، أي استخدام المفهومات ذاتها، وبذلك تتحقق ذات البنية الدورانية والمرآوية جيئة وذهاباً بين ان تكون أولاهما أصلاً للثانية، وثانيهما، في الوقت ذاته، أصلاً للأولى، وفي كلتا الحالتين نجد سبباً قوياً لهما يربط الشعر بالرسم من خلال نقطة الالتقاء هي الصورة بنمطيها البصري والشعري.
يستعرض المؤلف تحت عنوان (تأصيل العلاقة بين البلاغتين اللغوية والايقونية في التراث) ويثبت إقرار "الفلاسفة المناطقة المسلمين بأغتراف الشعر والتصوير كليهما من (التشبيه)، والمراد بذلك هو سعي الفنين لمحاكاة الطبيعة وهذه هي فكرة ارسطرطاليسية عن جدارة". ويستشهد المؤلف بقول الفارابي عن العلاقة بين الشعر والصورة البصرية، "ان فعليهما جميعا التشبيه، وغرضهما إيقاع المحاكيات" ويستشهد بأقوال أخرى لابن سينا وابن رشد وأخوان الصفا والجرجاني، وكلها "نصوص تشدد بشكل رئيسي على مشكلة المحاكاة المختصرة إلى مصطلح بلاغي سائد في المجاز العربي وهو التشبيه".
ويقرر المؤلف تحت عنوان "حدود المعاني في اللغة المنطوقة وتعددها في اللغة الأيقونية"، سعة حدود تأويل الصورة مقارنة باللغة وذلك "لان من النوادر ان تفرض الصورة فرضا معنى وحيدا واحدا وهو ما يحصل غالبا عندما يجري التعبير بالكلام. وهو ما يقصد بالمصطلح المكيف للصورة (تعدد المعاني poly semie )، لذلك فهو يؤكد طوال الكتاب بطريقة مختلفة بين الشد والارتخاء "اتساع حقول تأويل الصورة بالنسبة للمشاهدين، "إزاء نص مكتوب يضل حقل التأويل فيه أقل أتساعا قليلا، أقل فحسب لأنه متسع كذلك على طريقته، ولكنه ملموم إلى حد واضح، ومقارنة بالبصري دائما" وهي القضية الثانية التي ربما نختلف فيها معه أيضا فنحن نقول ان من الصعوبة الاتفاق بشكل مطمئن مع مقارنات كهذه في أمور ليست معياريه تماما. وتحت عنوان (تعدد المعاني في البلاغتين اللغوية الايقونية) يُرجع أسباب ذلك التعدد إلى ان "تعدد المعاني اقل مرونة في اللغة المنطوقة بالمقارنة مع اللغة الايقونية وذلك راجع برأيه إلى مفهوم التماثل، وهو وجود تشابه بين العلاقة التماثلية ومدلولها، بينما لا تشابه بين العلاقة الرقمية (في اللغة المنطوقة) لمدلولها، أي ان علاقتهما اعتباطية، لذا فان العلامات التماثلية ذات صفة عالية وهي تنطلق من الملموس الحسي لأنها تشير إلى شيء مدرك، ملموس ومخصص بينما تقول العلامات الرقمية (اللغوية) معناها انطلاقا من التجريد، فكلمة (أم) لا تشير إلى (أم) محددة مخصوصة كما يفعل الفوتوغراف أما السبب الأخير فهو وجود استمرارية بين العلامات التماثلية، فإذا ما تشابهتا فان دالهما يضل هو نفسه، أو انه يضل متشابها، إلا ان هذين النمطين العلاماتيين حينما يشتغلان في حقل المجاز فأنهما (يتماسان) فيحيل بعضهما بعضا ضمن الحقل الدلالي الواحد الواسع، فنرى أدوات التشبيه بعيوننا في الصورة البصرية، ونقرؤها في المنطوقة" وان تعدد المعاني برأي المؤلف هو ضروري في تأويل الصورة وقراءتها، حيث يمكن للصورة ان تقول عدة معان في ان واحد، كما هي في حقيقتها تضم عدة مجازات في نفس الوقت. ويؤكد المؤلف "ان مجموعة من العلامات الصورية قد تشكل لنا مدونة بصرية نستطيع قراءتها عبر نظام العلاقات البصرية وحدها أو بمساعدة نظام لغوي مجاور".
وقد ضم الكتاب نماذج تطبيقية في قراءة الصورة الفوتوغرافية تشكل علامات مهمة في تواصل البحث السيميولوجي، مما يجعل كتاب الدكتور شاكر لعيبي برأينا محاولة جادة في تناول الصورة الفوتوغرافية تناولا سيميولوجيا تطبيقيا سيشكل مقدمة لدراسات أخرى أكثر عمقا.